هشام المكي / مركز نماء للبحوث والدراسات
يجمع المتخصصون على أن وظائف الإعلام الأساسية تنحصر في ثلاثٍ: الإخبار، والتوجيه، والترفيه. لذا قد تجد قنوات عامة تؤدي الوظائف الثلاث مجتمعة، كما قد تجد قنوات أخرى متخصصة في إحدى تلك الوظائف؛ فتجد القنوات الإخبارية المتخصصة، أو القنوات التعليمية والتثقيفية الغنية بالأفلام الوثائقية والبرامج التعليمية؛ كما تجد القنوات المتخصصة في الترفيه، سواء تلك التي تخصصت في الأفلام والمسلسلات الدرامية، أو الأغاني والفيديو كليبات…
لكن؛ هل هذه هي الوظائف الأساسية فعلا للإعلام؟ أم أن وظيفة الترفيه هي التي تطغى في معظم القنوات؟
لماذا تُقبل بعض الفضائيات العربية الشهيرة على شراء حق البث الحصري لأشهر المسلسلات التركية الناجحة؟ لماذا تتسابق القنوات العالمية على شراء حقوق بث التظاهرات الرياضية الكبرى؟ لماذا لا تشكل المبالغ الخيالية التي تُدفع لشراء تلك الحقوق عائقا أمام تلك القنوات والمؤسسات الإعلامية؟
هل حقا إرضاء المشاهد، ومصلحة المشاهد، هي التي تهمهم؟
ارتبط ميلاد الاتصال الجماهيري الحديث بسياق عسكري أساسا، إذ تم توظيف وسائل الاتصال الجماهيري في الدعاية العسكرية، لضمان انخراط الشعوب والجنود في أجواء الحربين العالميتين الأولى والثانية بحماس، كما استخدمت هذه الوسائل في الدعاية العسكرية المضادة والتي كانت حينها تستهدف الأعداء.
بعد انتهاء الحربين، وتحت قناعة التأثير القوي لوسائل الاتصال في جمهورها، تم توظيف الإعلام الجماهيري في المجال السياسي، أي في الدعاية السياسية أثناء الحملات الانتخابية.
ليتم الانتقال بعدها بشكل مؤسس، إلى المجال الاقتصادي، حيث سيستخدم الإعلام بشكل أساسي في الإشهار والدعاية..
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، أصبحت المؤسسات الإعلامية، مقاولات تجارية حقيقية: إنها مؤسسات ربحية، تحتاج إلى عائدات الإشهار والإعلان لتدفع رواتب موظفيها، وتوفر تكلفة بث برامجها، وهي تكلفة باهظة للغاية.
ودون الحاجة إلى الإطالة في وصف وتفسير كون الإعلام مؤسسة تجارية، أكتفي بفقط بنقل بعض النصوص القصيرة والدالة جدا لدرجة أن البعض قد يجدها صادمة، وهي اقتباسات من حوار أجري مع باتريك لولاي، الرئيس السابق للقناة الفرنسية (TF1)، وقد تضمن الحوار الذي أجري سنة 2004، ربما أقوى التصريحات التي تصدر من جهة رسمية حول حقيقة الإعلام، يقول فيه:
– هناك طرق عديدة للحديث عن التلفزيون. ولكن في منظور تجاري، دعونا نواجه الأمر: في الأساس، إن مهمة (TF1) هي مساعدة كوكا كولا مثلا، على بيع منتجاتها.
– ليحظى إعلان تجاري بالانتباه، ينبغي أن يكون دماغ المشاهد متاحا. وقد تم تصميم برامجنا لجعله متاحا: وهذا من خلال تسليته، وإرخائه، بغرض تحضيره بين رسالتين (إعلانيتين). ما نبيعه لكوكا كولا، هو وقت الدماغ البشري المتاح.
– ليس هناك ما هو أكثر صعوبة من الحصول على هذا الإتاحة. وهنا يكمن التغيير الدائم. ينبغي البحث دائما عن برامج ناجحة، واتباع الموضة، والركوب على الأمواج، في سياق حيث تتسارع المعلومات، وتتضاعف وتُتَجاوز باستمرار…"[1]
تفصح الاقتباسات بوضوح عن مهمة المؤسسات الإعلامية: إنها مقاولات تجارية أساسا، تتحالف مع الشركات، لتقدم لها أدمغة جمهورها على طبق من ذهب.. وهذا ما أشرح من خلال تفسير الفقرات المقابسة تباعا:
– يبرز الاعتراف الأول كيف أن المؤسسة الإعلامية، تدخل في تحالف تجاري مع الشركات والمقاولات، بهدف مساعدتها على بيع منتجاتها. هنا لا يبقى الإعلام محايدا كما يدعي، بل ينحاز إلى جهة الشركات التجارية، ليبقى الجمهور والمستهلك في الجهة المقابلة. حينها يصبح الإعلام طرفا ذا مصلحة، لذا لا مجال للوثوق به في ما يقدمه من برامج أو إعلانات تتناول المنتجات الصناعية، لأن هدفه يكون المساعدة على البيع فقط.
– الاعتراف الثاني أكثر خطورة: فحينما يعتقد البعض أنه يشاهد مسلسله المفضل، والذي تقطعه فقرات إعلانية من حين إلى آخر، فالعكس هو الصحيح: إن القنوات الإعلامية تبث في الأساس الفقرات الإعلانية، وتختار من البرامج، ما يشد المشاهد إلى الشاشة، ما يجعله يجلس إليها مشدوها، مسترخيا، لا يملك إلا أن يستهلك المزيد والمزيد من الصور.
أي أن القائمين على القنوات الإعلامية، يعدون الفقرات الإعلانية والإشهارية بعناية؛ ثم يفكرون بعدها في برامج تضمن جلوس المشاهدين إلى الشاشة وتشدهم إليها، كما ينبغي أن تقدم تلك البرامج محتويات ترخي العقل، وتجعله في وضعية استرخاء عميقة، تؤهله لاستهلاك مضامين الإعلانات التجارية دون أدنى حس نقدي.. لذا تطغى المسلسلات العاطفية، وأفلام الحركة، والمباريات الحماسية، والأغاني المثيرة… وهي كلها برامج تخاطب العاطفة والغرائز، وتغيب صوت العقل الناقد.
– أما الاعتراف الأخير، فيعكس التحدي الأكبر الذي يواجه الإعلام؛ وطبعا لا يتعلق الأمر نهائيا بتحدي الجودة. بل هو أيضا تحدٍ تجاري صرف، يتعلق بجري الإعلام المستمر وراء "الموضة الإعلامية"، والبحث دائما عن برامج جديدة تضمن نفس درجات الإغراء، وتجذب إليها المشاهدين. لذا لا نشاهد تنويعا حقيقيا يطال أغلب البرامج في العمق، لأن الهدف هو الحفاظ على جو المتعة العام، مع تغيير الشكل الخارجي فقط: فتجد البرامج الغنائية التي يتنافس فيها الشباب لاختيار أحسن المواهب، والاختلاف الوحيد بين تلك البرامج يبقى شكليا؛ ينحصر في بنية لجان التحكيم وطريقة تحكيمها، أما المنطق العام، فمشترك. كما تجد البرامج التنافسية، والتي تتداخل مع تلفزيون الواقع، تحافظ على نفس المنطق، مع تغيير موضوع التنافس فقط: ليكون في الطبخ، أو الغناء، أو مهارات التقليد، أو صناعة أقنعة الممثلين، أو فقدان الوزن ببساطة!
ولعل هذا ما يفسر كيف تقبل بعض القنوات الفضائية على شراء حق البث الحصري لمسلسل ضخم أو حدث رياضي دولي بمبالغ طائلة، لأنه ببساطة استثمار مربح: إذ ستبيع تلك القنوات ثواني الإعلانات التجارية المقدمة خلالهما بمبالغ طائلة، في الوقت الذي ترفع فيه القناة شعارها التقليدي الذي تتنوع قافيته من قناة إلى أخرى، في حين يحافظ الشعار دائما على وعده الكاذب: إرضاء المشاهد هدفنا!
هنا يغدو من السذاجة الحديث عن دور الإعلام في حفظ القيم وصونها، فبين إعلان وإعلان تضيع قيم وتشوه أخرى، والأمثلة كثيرة: إشهار موجه للأطفال يحثهم على استهلاك أحد أنواع الجبن، يعلمهم أيضا السرقة، وأخذ الأشياء دون استئذان، بل وعادات أخرى قد تؤدي إلى حوادث منزلية؛ وإعلان آخر عن خدمة تحويل النقود من خلال الهاتف، ينسف معه التضامن العائلي، ويشوه القيمة بحصرها في البعد المادي الجاف، وكأن ما يحتاجه منا آباؤنا هو مبلغ مالي فقط على رأس كل شهر، ولا داعي حينها إلى زيارتهم والاطمئنان على أحوالهم ودعمهم عاطفيا… وإعلان ثالث يربط النجاح الاجتماعي أو الحصول على وظيفة بغسول شعر، وهكذا…
وفي الوقت الذي يقبل فيه المشاهد بكل سذاجة وثقة، على قناته المفضلة، ويجلس إليها بكل ود في انتظار برامجها التي تروقه وتمتعه، تجد القائمين على تلك القناة، يفاوضون ويساومون الشركات التجارية، ويطلبون منها أغلى ثمن ممكن، مقابل بيعهم ثواني معدودة من الدماغ المتاح لذلك المشاهد: "ما نبيعه لكوكا كولا، هو وقت الدماغ البشري المتاح" – باتريك لولاي.
أليست تلك أبشع خيانة؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – للاطلاع على الحوار الأصلي بالفرنسية، يمكن الرجوع إلى أحد المرجعين التاليين:
– Les Dirigeants français et le changement, collectif d'auteurs, éditions Huitième Jour, France, juin 2004.
– Dépêche AFP du 9 juillet 2004, reprise notamment par: Libération (10-11/07/04), France.








