صرخة المريزق من جنيف: في ذكرى الشهيد أيت الجيد محمد بن عيسى

ajialpress25 مارس 2014
صرخة المريزق من جنيف: في ذكرى الشهيد أيت الجيد محمد بن عيسى

مصطفى المريزق

كم يلزمنا من الوقت للتخلص من النفاق و الكذب السياسي؟ و كم يلزمنا من الجهد لاستخراج كنوز البدائل من رحيم مخازن رأس المال الاجتماعي القائم أحيانا على المعايير و القيم الإنسانية المشتركة؟

إن تعدد و توافر المرافق العامة للمجتمع، لا يعني بالضرورة المشاركة في صنع القرار الذي يمنح القدرة على المساهمة في حل المشكلات الجوهرية و التأثير في الحياة العامة ذات التوجه الاجتماعي و الانساني

لقد عبرنا عن حسن أخلاقنا في أكثر من مناسبة حينما دافعنا بكل قوة عن دور القاضي و المحامي و أساتذة العلوم القانونية، لنبرز دور الحماية و الإنقاذ المنصوص عليهما في ميثاق الأمم المتحدة و القانون الدولي و دستور بلادنا. و الواقع، أن ما ندافع عنه ليس بدعة و لا اتجاه بحثي يصوغ نموذجا للحكامة كجواب عن السمات الأساسية للديمقراطيات الناشئة، أو ما نسميه في واقعنا بالانتقال الديمقراطي

لقد أفرزت لنا الصيرورة المجتمعية المغربية في العديد من المحطات، محاولات جريئة لتخليق الحياة العمومية و دعم القضاء المستقل و أهمية السلطة البرلمانية، و بالتحديد منذ حكومة ذ. عبد الرحمان اليوسفي، أو ما يسمى باختصار "حكومة التناوب". لكن المساءلة و عدم الإفلات من العقاب، ظلا في حاجة ماسة لآليات الوساطة و تفعيلهما  من خلال دور الأحزاب السياسية و النخب الفاعلة في مجالات اختصاصاتها.

ثمة معضلة لم تحل منذ بداية وعينا الجماعي بالمصلحة العليا للوطن. فعلى الرغم من الإصلاحات المتعلقة بالقضاء و النظام الأساسي للقضاة، لا زالت راهنيتنا تفتقد للإنصاف و العدالة الاجتماعية، و لا زال شعار "ترك العدالة تشتغل في استقلالية تامة عن سلطة المال و الأعيان و النفوذ" مطلبا حيويا و منسجما مع مطلب تعزيز دولة المؤسسات القائمة على مبادئ عدم التمييز، و  على المشاركة و المساءلة، و على احترام حقوق الإنسان.

إن جراح الماضي لم تندمل بعد رغم قيم الإنصاف و المصالحة النبيلة، و التي تولدت عن حراك مجتمعي شاركت فيه قوى مجتمعية حية لا يمكن لأي كان أن ينكر فضلها علينا جميعا. لكن، و رغم الدور المتميز لجمعيات المجتمع المدني (خاصة الحقوقية منها) و الإعلام المغربي المستقل في تتبع و مواكبة و نشر القضايا الخلافية الخاصة و الإشكالات المطروحة على مستوى المسالك القانونية، و مساطر و آليات تنفيذ التوصيات التفاعلية، ظلت الديماغوجية تؤثر و تشوه مسار العدالة الانتقالية ببلادنا، و تنتصر للتحكم و الهيمنة، و تتعامل مع  الذاكرة الجماعية بنوع من الاستعراضية الموجهة و النكوصية المنظمة.

و إذا كان الأمر كذلك في الواقع، فلاشك في أن خوف الحداثيين و عموم الديمقراطيين من خشية التراجع عن المكتسبات و تجاهل الوفاء لفضيلة الإنصاف و المصالحة ليس سوى موقف وطني فاضل و اختيار ديمقراطي حقيقي لتدبير الذاكرة السياسية الجماعية عن طريق الآليات الكفيلة بكشف الحقيقة و حماية المجتمع حاليا و مستقبللا من العنف و الاستئصال و النكوصية.

  إن مغرب الألفية الجديدة و العهد الجديد في حاجة إلى استرجاع الثقة في نخبه السياسية و الاقتصادية و الثقافية من أجل مواجهة تحديات المستقبل المتوسط و البعيد المدى، حتى يتسنى لعموم المواطنين الحصول على مقومات العيش المشترك و القيم الإنسانية و الثقافية النبيلة، كحرية الاعتقاد و الأفكار و المظاهر و المعارف التي تساعد الأفراد و الجماعات على التجدر والتموقع  في المجتمع و رفض الخوف بكل أنواعه.

إن حالة الشهيد أيت الجيد محمد بن عيس لا زالت تسائلنا جميعا، خاصة و أن ما ترتب عنها من كذب وبهتان و نفاق سياسي لن يسهم في بناء دولة الحق و القانون. إذ لا يعقل أن تقوم جهة ما بالتستر على جريمة منظمة مع سبق الإصرار و الترصد، و التحيز لصالح النافدين، و تعطيل المساطير المتعلقة بالملف، و حرمان عائلة الشهيد و رفاقه من حقيقة ما جرى يوم الخميس 25 فبراير 1993!

نعم، إذا كانت السياسة ترتبط بأهداف محددة و متغيرة، فالعدالة يجب أن تكون منصفة، و قائمة على حماية أفراد المجتمع من الانتهاكات، و ساهرة على مراقبة آليات الحماية من العنف و تطبيق مبدأ عدم الإفلات من العقاب.

إن المثقف يرفع المستوى المعرفي و القيمي و الجمالي و الوجداني للناس، و السياسي يستند إلى أفكار و طروحات إيديولوجية، لكن لا يجب أن يمارس النفاق و الكذب لحجب الحقيقة.

السياسة – كذلك – تحتاج إلى الجرأة، كما تستدعي تملك مجموعة من المعارف في مجالات ثقافية كالإعلام و علم النفس و الاقتصاد و التاريخ و غيرها للمساهمة في بناء مجتمع جديد. أما فيما يتعلق بقضية الشهيد أيت الجيد، فيبدو أن الطريقة المعتمدة لحد الآن تعود إلى القرن الحادي عشر أو الثاني عشر الميلاديين ، يوم تشكل لاهوت انحطاطي ظلامي استخدمته فصائل و قبائل و شعاب لتبرير مشروعها  اللاعقلاني و اللاإنساني.

إن ما تناولته المائدة المستديرة حول "الاغتيال السياسي: أية آليات للتصدي و المحاسبة"، المنظمة من طرف عائلة الشهيد أيت الجديد و رفاقه يوم الجمعة 15 مارس 2014 بمدينة فاس، كانت فرصة تاريخية للتفكير في قضية الاغتيال السياسي من خلال مقاربات متعددة، تناولت الموضوع من كل جوانبه التاريخية و القانونية و السياسية و الاجتماعية، و كشفت –الندوة- عن "الخيط الناظم لكل عمليات الاغتيال السياسي التي عرفها المغرب المعاصر من منطق أصولي، بغض النظر عن خلفيته الايديولوجية، و بغض النظر عن موقعه، سواء من موقع الدولة أو موقع المجتمع، منطق أصولي لم يدخل بعد لمرحلة ممارسة الصراع السياسي و الاختلاف السياسي بشكل سلمي و حضاري، و يتجاوز ذلك حسم الصراع و الخلاف بالعنف الذي يشكل الاغتيال السياسي أحد أدواته الحقيرة و الجبانة"

ختاما، لا بد من التأكيد على أن الأسباب وراء اغتيال ايت الجيد كانت أسبابا سياسية بامتياز، و هو ما إستدعي فتح نقاش فكري و سياسي حول هذا الملف المؤلم جدا. كما أن هذا الموضوع بحد ذاته يدعو كل الحداثيين و الديمقراطيين للكشف عن أغوار الملفات المشابهة، خاصة في "ظل تنامي دعوات التكفير و التي تمثل مقدمات لاغتيالات سياسية محتملة" كما جاء في أرضية هذه الندوة الأولى من نوعها في مدينة فاس

مستجدات