توقعت مصادر مغربية أن يصادق البرلمان المغربي، قبل نهاية العام الجاري، على اتفاق الصيد البحري مع الاتحاد الأوروبي الذي صادقت عليه أمس المؤسسة التشريعية بـ "ستراسبورغ".
وصوت لصالح الاتفاق 310 نائبا أوروبيا،وعارضه،204 فيما تغيب 49، ما يعني أن الصراع كان محتدما بين المعارضين والمؤيدين.
وبرأي مراقبين فإن النتيجة تعتبر فوزا بينا للمغرب على المستوى السياسي، قبل الاقتصادي خاصة وقد سخرت جبهة البوليساريو، كل إمكانياتها وأساليبها، للتأثير على البرلمان الأوروبي لكي يرفض الاتفاق، مراهنة على الواقعة السابقة حينما أبدى الأخير، تحفظات بخصوص الاتفاق السابق ما جعل المغرب يسارع إلى وقف العمل به،واضعا حدا لفترة التمديد التي قبلتها الرباط، استجابة لطلب ملح من السلطات الإسبانية، المستفيد أسطولها من الاتفاق بدرجة كبيرة.
وسخرت جبهة البوليساريو، في الأيام الأخيرة كل جهودها الدبلوماسية وشحذت ماكينتها الإعلامية
على أوسع نطاق لتحقيق نصر ضد المغرب على صعيد البحر، بعدما فشلت في البر، على مدى سلسلة معارك، جرت بينها وبين المغرب، آخرها التحول الهام والصريح في الموقف الأميركي من نزاع الصحراء، لصالح تبني مقترح الحكم الذاتي الموسع الذي تعتبره الرباط، أرضية معقولة وصالحة للتفاوض، فقد وضعت "واشنطن" حدا للتكهنات التي داعبت خيال الانفصاليين الصحراويين.
وحاولت، البوليساربو، ومن يساندها، اللعب على الكلمات والجمل التي صيغ بها البيان المشترك الصادر عقب زيارة العاهل المغربي لواشنطن، ومباحثاته السياسية في البيت الأبيض مع الرئيس أوباما؛ حاولت التخفيف من حمولة الجمل والعبارات المؤيدة للموقف المغربي، من ملف الصحراء، مستنتجة وحدها(الجبهة) أن محتوى البلاغ المشترك لا يتطابق مع التفسير المغربي.
وتلافى المغرب، الدخول في معركة مع البوليساريو، لتفسير وتأويل البلاغ المشترك، مقتديا بالقول المأثور "الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور متشابهات" مطمئنا إلى موقف القوة العظمى من صراع يعتبر من مخلفات الحرب الباردة بينها وبين الاتحاد السوفياتي سابقا.
وفي هذا السياق تساءلت تقارير صحافية عن الأسباب التي ساعدت المغرب على تحقيق نصر منذ الجولة الأولى لتصويت البرلمان الأوروبي، رغم بعض المخاوف التي راودته منذ مدة ؛ إلا أنه كان مستعدا لكافة الاحتمالات، بما فيها السيئة، ووضع صانعو القرار المغربي أمام أعينهم كافة السيناريوهات، بما فيها مراجعة جذرية لعلاقات التعاون الوثيقة في المجالات الحيوية، دون أن تمارس، الرباط، سياسة الابتزاز والضغط والمقايضة الرخيصة، بل وضعت الجانب الأوروبي أمام مسؤولياته التاريخية.
ووظف المغرب الأوراق التي يمتلكها بذكاء، عكسته نتيجة التصويت. وتجلت الخطة في اقناع الأقربين المستفيدين من اتفاق الصيد وهم الإسبان، بالدفاع عنه وتبيان مزاياه وانعكاساته الإيجابية على قطاع الصيد في المغرب التقليدي والعصري، وشهادة الإسبان مسموعة ومهمة وأساسية بخصوص هذه النقطة، على اعتبار أن أسطولهم هو المتصل بالمشتغلين المغاربة في قطاع الصيد البحري وبالتالي فهم يعرفون قبل غيرهم جهود المغرب في هذا الصدد.
وربما هي المرة الأولى التي وقف خلالها نواب الحزب الشعبي الحكم والاشتراكي العمالي المعارض، مدافعين معا عن بنود الاتفاق، باستثناء الموقف الإيديولوجي الذي طالما عبير عنه اليسار المتطرف حيال هذه القضية وغيرها من الملفات الخلافية بين الرباط ومدريد .
ويشار في هذا الصدد، إلى الدور الذي قام به، دفاعا عن الاتفاق، وزير الفلاحة والصيد الإسباني "أرياسكانييطي" الذي وثق علاقاته منذ تعيينه في منصبه، مع نظيره المغربي، عزيز أخنوش، حيث كثرت اللقاءات بينهما، خلال السنتين الأخيرتين، أي منذ عاد موضوع الصيد البحري إلى الصدارة .
ومن المؤكد أن الإبقاء على، عزيز أخنوش، في نفس المنصب الذي شغله في حكومة،عباس الفاسي، ساعد المغرب كثيرا على ربح الوقت واقتصاد زمن التفاوض، بالنظر إلى كون الوزير أصبح مطلعا على تلابيب ملف الصيد البحري بكل تعقيداته وخلفياته السياسية والاقتصادية. بل يمكن القول إنه عاد بصيد ثمين من "ستراسبورغ" سيقوي موقعه في الساحة السياسية المغربية .
ومن الواضح أن أخنوش، انتهج، حسبما رشح من الصحافة الإسبانية المهتمة بالموضوع، اسلوب الشفافية المطلقة، دون التنازل، قيد أنملة عن المبادئ الموجهة للسياسة الخارجية المغربية. واستطاع الوزير المغربي اقناع محاوريه في "بروكسيل" وخاصة مفوضة الصيد البحري، التي عرفت بترددها حيال مراحل التفاوض بين الرباط وبروكسيل.
وهكذا تمكن المفاوض المغربي من إبعاد كلمة "الصحراء" من نص الاتفاق، وتم الحديث عن الاقاليم والمناطق الساحلية التي يتم الصيد قريبا منها، لا فرق بين الشمال والجنوب؛ فكلها أراضي مغربية. وفي مقابل ذلك اطمأن الجانب الأوروبي، إلى مشاريع التنمية التي هيأها المغرب لتستفيد منها الاقاليم المعنية بنشاط الصيد، وضمنها الصحراء، فقد عرض أمام الجانب الأوروبي، برامج مدققة ومرقمة، يمكن له،عبر آليات متفق عليها، التأكد منها، ليعرف أين تذهب عائدات الصيد البحري التي يتسلمها المغرب سنويا وقيمتها حوالي 40 مليون يورو. يسدد أرباب الأساطيل ربعها أي 10 ملايين.
وبطبيعة الحال يشتمل اتفاق الصيد على ينود فنية أخرى، ذات صلة بحماية البيئة وبفترات الصيد والراحة البيولوجية للحفاظ على الأنواع النادرة وكذا أساليب المراقبة والتحكيم .
لكن الأهم يظل في خاتمة المطاف، الجانب السياسي لصالح المغرب، لذلك احتجت عليه جبهة البوليساريو، كما كان متوقعا، دون أن تعترف بإخفاقها المتكرر على جبهة الصيد البحري.








