نسرين طرابلسي/ القدس
لم تعد ضرورة نشر الثقافة الجنسية مسألة خلافية. فلا حياء في العلم. والعلم بأمر يتعلق بصلب الحياة الأسرية أفضل بكثير من الجهل به والحرج من الخوض فيه. لذا سعدت كثيراً بمتابعة حلقة برنامج بيتي على تلفزيون الآن، الذي مرر من بين فقراته نقاشاً وتساؤلات وقدم إجابات عن موضوع الرعشة الجنسية عند المرأة. مجرد طرح الموضوع بين سيدتين المقدمة والدكتورة ليحلا مشكلة تعاني منها سيدة من الأردن، بين فقرة طبخ أكلة العثملية بالدجاج وأخرى عن مستشفيات أطفال مرضى السرطان، بكل بساطة واحترام ووضوح، جعلني أشعر بالارتياح. فقد أصبح تناول الموضوع خارج التابو والعيب والحرمانية. وأصبح ينظر إليه على أنه ثقافة يومية يتم تناولها بسلاسة وتوجيهها في برنامج للمرأة والأسرة. لا تقتصر الإجابات عن التساؤلات فيه على البرامج الدينية أو الطبية.
الإعلام العربي في سباق المنافسة لم يغفل أبدا تناول المشاكل الجنسية في برامجه، بما أنها أحد أقانيم ثالوث المحرمات (الدين، الجنس، السياسة) والتي يتخمنا بها إعلام اليوم. كما أنه منذ نشأة مدارس الإعلام ونظرياته وضعته كأحد أضلاع مثلث يستحوذ على اهتمام الجمهور وهو ما يعرف بـ The Three S’s، الجنس والرياضة والسياسة Sex, Sports & Politics. فكيف يتم عرضه عبر الفضائيات العربية، ولماذا نصاب غالباً بالصدمة مع أننا في عصر الانفتاح ؟!
+18 شعرة الإثارة التي قصمت ظهر الوعي
إنها مصيبة حقيقية التنازل عن الكيف لصالح الكم. كيفية تناول موضوع مقابل التهافت على حصد أكبر عدد من المتابعين. كيفية إحداث فرقعة على أهمية عمق التأثير. في الواقع بعض البرامج تغور عميقاً مثل طعنة خنجر مباغتة. وتلتف داخل تلافيف الوعي فتحدث فيه عطباً لا يمكن إصلاحه بسهولة.
بداية من المدهش تفوق الطبيبات مثل د. هبة قطب أستاذة الطب الشرعي بجامعة القاهرة. في برنامجها كلام كبير. والدكتورة فوزية الدريع المتخصصة في الثقافة الجنسية في برنامجها د. فوز، في التصدي لهذا النوع من البرامج الشائكة. خاضتا بجدارة في حقل ألغام قضايا الجنس والجسد. وحصدتا احتراما كبيراً من الجمهور، وبقي الشكل المحتشم ودرع العلم وتعاليم الدين الذي تتحصنان به يؤمن لهما الحماية الكافية. صحيح أن د. فوزية الدريع انجرفت إلى لعبة البهرجة والنجومية والرد على أي أسئلة من المتصلين تحت 18 سنة حتى لو بنوع إجابات مثل: كلميه من ورا أهلك مادام تحبينه ويحبك؟!! لكن هذا لا ينفي أبدا قدرتها على إيصال المعلومة بطريقة جريئة وسليمة ومفصلة. بينما برنامج مثل ‘أحمر بالخط العريض’، والذي ركز على البحث عن الغرابة والشذوذ من تحت طقاطيق الأرض، وحاول تقديمها على أنها مواضيع موجودة في المجتمع ويجب تسليط الضوء عليها. انحدر بسرعة إلى مساحة التمثيل والافتعال. وأصبح يستقدم حالات ناشزة ويقدمها بحجة حرية الرأي والتعبير. وعلى الرغم من أنني أعتبر نفسي شخصاً يستطيع أن يتقبل كل شيء ويتفهمه، لم أحتمل حلقة مرت معي بالصدفة على اليوتيوب استضاف فيها مالك مكتبي ‘الأخت التي تزوجت أخاها’. بل لم يتفهم المذيع انفعال شيخ الدين الذي استضافه ليعطي رأيه بالحالة ووجهة النظر الدينية، والذي رفض رفضا قطعياً إجازة هذا الزواج، فاستُقبل اعتراضه بالاستهجان، ما اضطره لمغادرة البرنامج وسط تصفيق جمهور الاستوديو الذي اعتبر خروجه انتصاراً لزواج المحارم على عمامة الشيخ البيضاء!! برنامج ‘أحمر بالخط العريض’ تقدمه الـ LBC ويحظى بأكبر متابعة من جمهور بلاد الحُرُم الشريفة وبلاد العرب أوطاني، لتعم الفائدة على الشعوب وتُكشف الغمامة عن العيون، ويطبق صوت جلاجل الفضيحة الآفاق، وتوتة توتة ما خلصت الحدوتة.. تعالوا معي إلى الفقرة التالية!!!
سياسة المبالغة والصدمة: الجنس على الهواء مباشرة
Sex Box أحدث إنتاج بريطاني أُطلق على القناة البريطانية الرابعة في الأسبوع الماضي. وفي بريطانيا يا أصدقاء انفتاح كبير وحرية أكثر بكثير مما تتخيلون وتحلمون. ومع ذلك تم اعتباره في الأوساط الاجتماعية والإعلامية هنــاك.. محاولة رخيصة لجذب المشاهدين! وكما تعلمون جميعاً فالخطأ بين والصواب بين مثل الحلال والحرام تماماً. فهذا البرنامج الذي يتصدى لتقديمه أربعة مقدمين عليهم العين: الكاتبة والإعلامية ماريلا فورستراب، دان سافيج كاتب مشهور بجرأته ومقارباته الجنسية، تريسي كوكس خبيرة بلغة الجسد، وفيليب هادسون معالج للمشاكل الجنسية. سيحضر في كل أسبوع ثنائيا يدخلان غرفة على المسرح ليمارسا الجنس فيها أثناء بث الحلقة. ويخرجان للحديث عن التجربة ونقاشها مع الفريق المتخصص!
عقلي الصغير لا يحتمل، كيف يمكن أن تصل الأمور إلى هذا الحد من اختراق الخصوصية، وانتهاك الحميمية وخدش الحياء، وإقحام المعقول باللامعقول. ألا يدرسون الثقافة الجنسية بمدارسهم، ويقدمون هذه القضايا صوتا وصورة في أفلامهم؟ وليست لديهم رقابة ولا محرمات ولا حتى خطوطا حمراء في تناول هذه المواضيع. لماذا يحتاجون برنامجا كهذا؟؟ هل يعاني الشعب البريطاني من كبت جنسي على الإعلام اختراقه والتوعية فيه؟ ألم تعد لغة العلم والحوار كافية لمناقشة هذه الأمور. ما الجديد الذي طرأ على الممارسة الجنسية من أمنا حواء وأبينا آدم حتى اليوم؟ كيف سيكملون الحلقات كلها على هذا المنوال؟ والأهم ما الجديد الذي سيخرجون به من هذه التجربة؟؟ أظن أن الجديد سيكون مبلغاً خرافيا من المال للمحطة، ومشاهدات لا تحصى على اليوتيوب، واستنساخاً سريعاً للبرنامج، وحصيلة صفر في الوعي الإنساني. ومن يدري فقد نجده يبث تباعاً على قنواتنا وربما نرى سريعاً نسخة عربية مقلدة!!
الإعلام مدرسةٌ.. إذا أعددته!
ذكر أحد المخرجين السوريين بعد خروجه من المعتقل أن أكثر من محقق سأله سؤالا فنيا بعيداً عن الاستجواب: هل القبلة في السينما حقيقية؟! وعلى الرغم من أنه مخرج أفلام وثائقية إلا أنه كان يتطوع في التوضيح علّ الحديث يخفف من عنف الضرب والتعذيب. أجل نحن شعب يحتاج التثقيف الجنسي، والتحرر الجسدي. ليس بمعنى الانفلات الأخلاقي بالطبع. ولكن تحرير الجسد من الأفكار المسبقة والجاهزة. من تحذيرات الأهل ونظرة المجتمع. من عقدة الفحولة الذكورية وفضيحة الفشل. وعقدة الضعف الأنثوي وعود ثقاب الشرف. نحتاج إعلاماً يسد نقص المعلومة العلمية. ونقص المناهج الدراسية. يكون بديلا محترما للحرج الذي يمنع الأهل من فتح حوار واضح وصريح مع أولادهم وبناتهم. ويهذب ما قد يسمعونه أو يشاهدونه عبر وسائل التواصل الاجتماعي ويبين لهم خطأه من صوابه. نحتاج برامج تحلي الحياة في عين الزوجين وتدلهما على المكان الحميم الذي يمكن أن يصلح ذات البين ويجعل كل صباح مشرقاً يعينهما على الأيام الشاقة. نحتاج ثقافة تخلص الفرد العربي من صراخ رجل الدين وتخويفه وترهيبه. نحتاج أن يتوقف الإعلام عن تسليع المرأة وترخيصها واستخدامها لتهييج الغرائز وتخدير العقول، ويعيد لها إنسانيتها وحقوقها حينها فقط يعيد للرجل فروسيته ونبله في التعاطي معها ومع الحياة. فلا يمكن في مجتمع نقرأ فيه كل يوم أخباراً تشيب لها الولدان عن موت طفلة في ليلة عرسها واغتصاب رجل لابنته أن يبقى الإعلام مجرد ناقل للخبر وربما ناقد له يستضيف جماعات حقوق الإنسان ووزراء العدل ورجال الفتوى ليزيد من الخلاف والجدل حول قضية لا تقبلها الفطرة السليمة ولا أبسط درجات المنطق، ثم عند قيامه بوظيفته في إنتاج برامج جماهيرية يشجع وحشية الإنسان ويوقظ في داخله غريزة بدائية مسعورة!
‘ كاتبة وإعلامية سورية








