إن النتائج التي وصلت اليها هذه الحكومة، نتائج ضد تطور القوى المنتجة ومعاكسة للتاريخ.
المريزق المصطفى، جامعة مولاي اسماعيل بمكناس
هل تتجه الطبقة السياسية المغربية نحو المزيد من التقسيم و التشرذم أو، على العكس، نحو التوافق و الالتحام؟ وهل تقسم الأزمة الحالية المجتمع المغربي إلى فئات منفصلة وأحيانا متعادية؟
يبدو أن المعطيات الحالية والمؤشرات التي تخيم على الساحة السياسية المغربية غير كافية للجواب عن السؤال، لأن ثمة تطورات مختلفة ومتناقضة تتشابك فيما بينها: فمن جهة، هناك شغيلة محترفة تقف على عتبة الفقر والضياع، ثم هناك شريحة اجتماعية تقدر بالملايين لم تحصل بعد على شغل قار ومحترم، وهناك منعشين عقاريين ورجال أعمال صغار ومتوسطين لم يتجاوزوا بعد التنظيم الصناعي التقليدي والعائلي وتفرض عليهم الظرفية الاقتصادية تنظيما مغايرا للنموذج العصري، وهناك كذلك واقع مزري يعيشه الفلاح المغربي المرتبط أشد الارتباط بالعالم القروي، ناهيك عن ملايين الأسر المغربية الغارقة في الديون وغير قادرة على تحمل ارتفاع المعيشة والزيادة في الأسعار لسد حاجيات أبنائها من مصاريف التمدرس والتطبيب إلى مصاريف السكن والتنقل للبحث عن فضاء أرحب للعيش الكريم. ومن جهة أخرى، هناك أزمة حكومية حقيقية، عنوانها المبتذل " تعثر المشاورات"، أما عنوانها السياسي هو "استغباء المغاربة وتحقيرهم والضحك عليهم والرمي بهم في المتاهات".
ورغم هذا وذاك، تبدو الطبقة السياسية المغربية غير مبالية بالأزمة العميقة التي تنخر جسم المجتمع، وغارقة في المنازعات الإيديولوجية والشعارات العاطفية والنضال الموسمي.
إن هذه الظاهرة هي الأبرز في المغرب رغم التنوع الإقليمي (مناطق تعيش الدرجة صفر من الضمان الاجتماعي ومناطق أخرى تنعم بخيرات البلاد) والتنوع الثقافي (أهالي الصحراء و سوس والأطلس الكبير والمتوسط والريف وجبالة والوسط والغرب والشرق) والبطالة و الفساد وسوء التدبير والتسيير وفشل ذريع لكل محاولات تقييم آثار السياسات والمبادرات ومحاسبتها ومساءلتها وخلق برامج إصلاحية عملية تحقق أهداف آنية و تصمم مشاريع وطنية للمستقبل.
إن كل التقارير المحلية و الوطنية والدولية تكشف عمق الأزمة والفقر والبؤس الاجتماعي، حيث يرى العديد من الخبراء والباحثين أن المسألة لم تعد قضية الانخفاض العام لمستوى الحياة بل قضية "مستويات تراكمية لسياسات فاشلة قائمة على الإقصاء الاجتماعي".
لكن للأسف، لازالت الطبقة السياسية المغربية غير مبالية بمصلحة الشعب والوطن، غارقة في سباتها، متمادية في انشطارها، متشبثة بامتيازاتها، خاضعة لأهوائها، خادمة لمصالحها، متعصبة لأيديولوجيتها ومتعالية على قواعدها، إلخ.
ورغم هذه الأوصاف السوسيو-اقتصادية و السياسية (العامة)، لا زال الشارع المغربي (لكي نقول الشعب المغربي أو الجماهير الشعبية، نظرا لكون هذه التسميات تفترض نوعا ما من التنظيم و التأطير) لم يقل كلمته بعد. لازال مهادنا مع الطبقة السياسية بكل أجنحتها، و لم يستخدم بعد عصيانه اتجاهها. فمن جهة، "الدولة العميقة" تستخدم ضده كل ما لديها من قوة، و من جهة ثانية، تمارس عليه وسائل الإعلام ضغطها و تشوه مطالبه و تسيسها و قد تنسبها أحينا لجهة ما من دون حق.
لكن ماذا سيحدث اذا ما نهض الشارع، مستخدما كل أسلحته، لمهاجمة الطبقة السياسية بكل أطيافها مطالبا بإسقاطها، خاصة و أن غالبيتها القصوى قد استنفذت مجال وجودها؟ فمن سيجوز له أن يستخدم شرعا قوته لإسكاته؟
طبعا، هناك من سيتهم الشارع المغربي بتخريب وهدم القيم المشتركة، والعادات والتقاليد والأعراف والتسامح والمس بالدين، وهناك من سيتهمه بالفوضى والعدمية وعدم مراعاة المصلحة العليا للوطن، كما أن هناك من سيحاول الركوب عليه ليتغنى بشعارات عاطفية بالية و مزاجية وأخيرا، هناك من سيطل من شرفته ليتفرج على الجميع وهو في حالة ترصد و تربص.
لقد طالب الشارع المغربي منذ أن أمسك الحزب الأغلبي في الحكومة المقود، بتحقيق ما ناضل من أجله منذ عدة عقود، وانتظر طويلا (الزمن هنا ليس هو التاريخ) ليرى أحلامه تتبخر و ليرى أمامه حكومة العبث و الكذب و البهتان و اللغو اللغوي. و مما زاد الطين بلة هو تشبث هذه الحكومة بالسلطة في غياب مشروع مجتمعي و لا حتى حكومي. و رغم عدم قدرة غالبيتها على التسيير و التدبير والتخطيط للمستقبل، ورغم التناقض والتعارض بين مكوناتها، فضلت التآكل بدل الاعتراف بالهزيمة و تقديم الاستقالة.
ان نظام الحكم في المغرب، ليس نظاما شموليا أو تسلطيا يمارس الوصاية على الناس، نظام الحكم في المغرب يستمد شرعيته من المؤسسات التي تمثل الشعب رغم التحول الديمقرطي الشاق الذي تعيشه بلادنا. لكن شروط الممارسة الديمقراطية لا يمكن أن يقف ضدها حزب يدعي تشبثه بنتائج صناديق الاقتراع، وهو في نهاية المطاف لا يمثل الا نفسه كما تبين الحقائق اليومية ذلك.
إن النتائج التي وصلت اليها هذه الحكومة، نتائج ضد تطور القوى المنتجة ومعاكسة للتاريخ. حقا، الشارع اليوم يتساءل عن دور المعارضة، و هذا من حقه، لكن ضعف المعارضة و عدم قدرتها على تبني مطالب الشارع المغربي، لا يمنع محاسبة الحكومة و إدانة سياستها اللاشعبية واللاديمقراطية. أما الحديث عن المعارضة و مسؤوليتها في "العطب المزدوج" (بلغة الصحفي توفيق بوعشرين) حديث يبتعد عن الموضوعية. طبعا، كما قلنا في بداية المقال، المسؤولية تتحملها الطبقة السياسية بكل أطيافها، و هنا قد نجر للمسؤولية و المحاسبة كل فاعل في الساحة: صحافيين و نقابيين و مثقفين و جمعويين، و كل من يدعي تمثيلية شيئا ما في هذا البلد. لقد طالبنا في العديد من المناسبات باستقالة الحكومة و تعويضعها بحكومة وحدة وطنية مؤقتة، ومباشرة حوار وطني ديمقراطي تشاركي، مهمته بداية مرحلة جديدة من مراحل بناء دولة حديثة، ديمقراطية، منتجة، منصفة وعادلة.








