المقاربة التكاملية في الصحة و الاضطرابات النفسية أو النموذج البيونفسي-اجتماعي.

يوسف العزوزي9 يوليو 2026
المقاربة التكاملية في الصحة و الاضطرابات النفسية أو النموذج البيونفسي-اجتماعي.

 

Jade Landry Curriet

ترجمة: يوسف العزوزي(بتصرف)

أستاذ و مكون أخصائي في تعديل السلوك 

 

 

مقدمة:

يصعب تفسير أي سلوك سوي أو باطولوجي استنادا إلى نموذج واحد أو عامل وحيد ، لأن السلوك البشري هو حصيلة التفاعل المستمر لعدة عوامل .  في هذا السياق يأتي النموذج الجديد للصحة النفسية و الاضطرابات النفسية الذي أُطلق عليه اسم المقاربة التكاملية ليهتم بنسق التأثير المتبادل  بين العوامل البيولوجية و السيكولوجية و الاجتماعية و هي تتطور و تتفاعل فيما بينها. من أجل ذلك تسمى المقاربة التكاملية بالنموذج البيونفسي اجتماعي أو التفاعليي أو النسقي .و قبل الانتقال إلى تعريف عوامل المقاربة التكاملية أو النموذج البيونفسي-اجتماعي سأنقل تعريف الكاتب الأصلي للمقال Jade Landry Curriet للصحة النفسية و الاضطراب النفسي .

 

 

الصحة النفسية :

 

تعتبر الصحة  النفسية مفهوما مركبا يعكس تمثلات مختلفة باختلاف الأفراد و المجتمعات و الحقبات التاريخية . و تُعرف لجنة الصحة العقلية في “الكيبيك” 1994 الصحة النفسية بأنها حالة من التوازن النفسي عند شخص في زمن محدد، يتم تقديرها بمساعدة عناصر منها ؛ مستوى الراحة النفسية ، و استعمال القدرات الذهنية و جودة العلاقات مع المحيط .كما  تشكل  الصحة النفسية حصيلة صيرورة دينامية لعوامل بيولوجية؛ نفسية و سياقية  لذى كل شخص .

 

وتتأثر الصحة النفسية بالقيم الاجتماعية أكثر من تأثرها بالقيم الخاصة بكل فرد . و ترتبط بشروط متعددة و متداخلة كالظروف الاقتصادية و الاجتماعية و البيئية و السياسية . و يمكن اعتبارها في هذا السياق كمنتوج ذي بعد جماعي تتداخل فيه المؤسسات الاجتماعية و المجتمع بأكمله، أكثر من كونها نتيجة حالة فردية .

 

و تعرف منظمة الصحة العالمية الصحة النفسية بأنها حالة من الرفاه النفسي التي تسمح للشخص باستثمار إمكانياته لمواجهة تحديات الحياة و الاشتغال و المساهمة بشكل منتج لفائدة المجتمع OMS, 2009 .

كما ترى منظمة الصحة العالمية بأن الشخص الذي يتمتع بصحة نفسية هو ذلك القادر على التكيف مع مختلف الوضعيات التي تفرضها مستجدات الحياة لتجاوز الإحباطات والصعوبات  و حل المشاكل    و تجاوز الص

عوبات . و بالتالي فإن امتلاك صحة نفسية جيدة رهين بالتمكن من تحقيق التوازن بين كل إكراهات الحياة ؛ المادية و النفسية و الروحية و الاجتماعية و الاقتصادية ،و بالتالي فإن الأمر لا يتعلق بمعطى ثابت بقدر ما يعكس سيرورة متحركة كما هو شأن الصحة البدنية ،  و بالتالي يصبح  الحفاظ على التوازن النفسي باعتباره أساسا للصحة النفسية،  شأنا يوميا  يستوجب التصدي إلى كل طارئ من شأنه الإخلال بهذا التوازن.

تعالج هذه التعريفات وجهات نظر لكنها تشترك هذه التعريفات في النقط  الآتية :

  1. ترتبط الصحة النفسية بتملك الشخص لقدرة عامة على التكيف .
  2. تخضع الصحة النفسية لأي شخص لتأثير عدة عوامل متفاعلة بين ما هو فردي  و ماهو جماعي.
  3. الصحة النفسية حالة فردية متغيرة .
  4. على الشخص أن يبدل مجهودا للحفاظ على توازنه النفسي ، و يمكن لأي فرد أصيب بمرض عقلي أن يحسن صحته النفسية إذا تمكن من استرجاع توازنه النفسي .

 

تعريف الاضطراب النفسي ؛

 

يستعمل المهنيون و غير المهنيين(الرأي العام)  مروحة من المصطلحات للتعبير عن المشاكل المرتبطة بالصحة النفسية كالحمق و العته و الخلل و المرض العقلي و الاضطراب العقلي و الاضطراب النفسي و اضطراب الشخصية و اللاسواء و الصعوبات النفسية .. و تعرف المشاكل المرتبطة بالصحة النفسية انتشارا كبيرا حيث يعاني كل شخص من خمس أشخاص في فترة حياته من اضطراب نفسي ، كما أن كل أربع أشخاص من أصل خمسة لديهم أحد الأقارب أو المعارف  يعاني من مشاكل الصحة النفسية .

 

و تقترب الأوساط العلمية  من التوصل إلى توافق حول المعايير التي تسمح بتعريف الاضطراب النفسي و ذلك من خلال وجود خلل وظيفي نفسي، مقترن بشعور بالضيق  و خلل  في الوظافة  في سياق ثقافي يجعل من سلوكه غير اعتيادي  أو غير ملائم مع وجود أعراض تتسم بالشدة و الاستمرار في الزمن.

 

  • الخلل الوظيفي النفسي :

 

يمثل الخلل الوظيفي النفسي أول معيار يؤشر على وجود اضطراب نفسي ، يتعلق الأمر بصعوبة كبيرة في وظافة  مزاج و تفكير و سلوك الشخص، تضعنا أمام ثلاثة أبعاد؛ انفعالية و معرفية و سلوكية ، تسبب للفرد الذي أصيب بخلل وظافي انفعالي في المعاناة من حزن شديد أو خوف عارم أو غضب جارف ، و هو يعيش قلقا كبيرا أو إحساسا بالذنب … كما يتسبب الخلل النفسي المعرفي  في الهلوسة و سماع أصوات غير موجودة .. ما يحد من قدرة الفرد على التواصل السليم و يدخله في قوقعة من التشاؤم تدفعه إلى الاعتقاد بصحة أشياء خاطئة و الحديث بطريقة غير متسقة و غير مفهومة ، مع صعوبة في التموقع في المكان و الزمان .

وقد يدفع الخلل الوظيفي النفسي  السلوكي الشخص إلى غسل يديه أربعين مرة في اليوم ، أو إلى إهمال  العناية بنظافته أو إلى تجنب التواصل مع الآخرين  أو الانعزال أو ممارسة العنف الجسدي . و قد يقترن الخلل الوظيفي السلوكي بتمظهرات فيزيزلوجية قابلة للملاحظة كتسارع نبضات القلب و التنفس و التعرق … و رغم أهميتها  تبقى العناصر المرتبطة بالخلل الوظيفي النفسي غير كافية لتأكيد وجود اضطراب نفسي، لأن ذلك يحتاج إلى وجود المعايير التالية :

 

  • الشعور بالضيق النفسي أو اختلال الأداء الوظيفي  ؛

 

يمثل الشعور بالضيق النفسي أو اختلال الأداء الوظيفي المعيار الثاني الذي يؤشر على وجود اضطراب نفسي :

الشعور بالضيق النفسي ؛

يمكن للخلل الوظيفي النفسي أن يقترن بشعور بالضيق النفسي تبعا للإدراك الذاتي  للشخص و وضعيته التي تجعله مهتزا نفسيا جراء  إحساسه بالكرب، إحساس يمكن تسميته كذلك بمعاناة ذات دلالة سريرية (ليست عابرة) . لكن الشعور بالكرب لا يكفي وحده للدلالة على وجود اضطراب نفسي ، و بالمقابل؛ لا تترافق بعض الاضطرابات النفسية بالشعور بالكرب النفسي كما هو الشأن بالنسبة لاضطراب الشخصية المعادية للمجتمع الذي لا يشعر بأي ندم عند قيامه بتجريح الأخرين.

 

اختلال الأداء الوظيفي ؛

يمكن للخلل الوظيفي النفسي أن يترافق مع اختلال في الأداء الوظيفي لمهام الحياة اليومية . حيث يجد الشخص صعوبة في أداء الوظائف ذات الصلة بالبعد الاجتماعي و المهني و الدراسي  … ما يؤثر سلبا على قدرته على التكيف مع مختلف مجالات مسار حياته (خلل وظيفي اجتماعي) . لكن هذا الخلل لا يكفي لتأكيد وجود اضطراب نفسي ، فقد  من يمر من فترة خلل وظيفي اجتماعي  رغم أنه لا يعاني  من أي  اضطراب نفسي ، لأجل ذلك يحتاج التشخيص إلى تقييم معايير أخرى.

 

 

 

ج)  الاستجابة المنحرفة أو غير المألوفة  ثقافيا ، المتواصلة  في الزمن ؛

 

 

يتمثل المعيار الثالثة للاضطراب النفسي في الاستجابة أو الأعراض المنحرفة أو غير المألوفة ثقافيا و المتواصلة في الزمن .

 

 الاستجابة المنحرفة أو غير المألوفة  حسب كل ثفاقة  ؛

يستلزم تشخيص الاضطراب النفسي وجود استجابات (سلوكات) غيرمنتظرة أو غير  متناسبة مع  المتعارف عليه اجتماعيا . لذلك يعتبرمعيار القيم الاجتماعية و الثقافية  و الأسرية محددا أساسيا للتمييز بين السلوك العادي و السلوك الباطولوجي . فكلما انحرف السلوك و ارتفع معدل تعارضه مع المعايير الاجتماعية كلما اعتبر السلوك غير عادي (باطولوجي) .لكن انحراف السلوك وحده لا يعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي ، فقد يتصرف بعض الفنانين على نحو مخالف للدين أو الأعراف لأنهم يعتقدون أن  الرسالة الفنية غير مقيدة بحدود، و لا ضوابط لها.  كما أن حديث إفريقي عن استحضار الأرواح و التواصل مع مثيرات غير موجودة لا يؤشر بالضرورة على وجود اضطراب نفسي .

 

الاستجابة المنحرفة أو غير المألوفة  ، المتواصلة  في الزمن؛

 

أخيرا؛ يشترط التشخيص بالاضطراب النفسي استمرار أعراض  الضيق النفسي و الخلل الوظيفي لمدة طويلة ، إذ لا يعني تغيب مراهق عن الدراسة يومين، و بكاءه و حزنه على فقدان أبيه، أنه مصاب باضطراب نفسي .   لكن بالمقابل إذا استمر تغيب المراهق عن الدراسة وامتد بكاءه و حزنه لأشهر فيمكن أن نتحدث عن اضطراب نفسي. نتيجة الإصابة بخلل وظيفي نفسي مترافق مع شعور بالكرب النفسي أو خلل في الأداء الوظيفي لفترة طويلة  خصوصا إذا اقرنت هذه الأعراض بميول للانتحار أو ممارسة العنف ضد الآخر .

في هذا السياق تعرف الأوساط العلمية نقاشا متواصلا  من أجل التمييز بين الحالة العادية و الباطولوجية  و تعريف الصحة النفسية و الاضطرابات النفسية ووضع المعايير التشخيصية ، و يعتمد جل الأخصائيين على الدليل التشخيصي و الإحصائي الخامس  للاضطرابات العقلية الذي وضعته الجمعية الأمريكية للطب النفسي APA .

 

المقاربة التكاملية و أبعاد تعريفها؛

 

يجمع  الباحثون و الأخصائيون  المهتمون بالصحة النفسية على تعدد أسباب الاضطرابات النفسية و ترابطها . حيث لا يمكن تفسير غالبية الحالات استنادا على عامل وحيد ، بل يتعلق الأمر بتفاعل عدة عوامل . و لا تقتصر أهمية هذه المقاربة المتعددة الأبعاد على فهم الاضطراب النفسي ، بل تمتد إلى  نجاعة علاجه.

في المقاربة التكاملية أو النموذج البيونفسي اجتماعي تتفاعل العوامل البيولوجية و السيكولوجية و الاجتماعية؛ حيث تتميز العوامل البيولوجية بالتأثير الفيزيولوجي على السلوك (الجينات ، الوراثة ، الدماغ، الجهاز العصبي، الهرمونات…) ، و يمكن لتأثير العامل السيكولوجي  أن يتم من خلال المعالجة المعرفية و الانفعال و  السلوك،  فيما يهتم العامل الاجتماعي بتأثير الثقافة و تجارب الحياة و علاقات الفرد الاجتماعية .

و نظرا لدور  تأثير عامل الزمن، تولي المقاربة التكاملية أهمية كبيرة للنمظور النمائي الذي يهتم بالمراحل الحرجة للنمو .

و يمكن لمختلف العوامل البيولوجية و النفسية و الاجتماعية أو حتى  النمائية التي تتفاعل مؤثرة في السلوك أن تكون:

  1. عوامل مثيرة (او معجلة) ، و هي أحداث تقع قبيل ظهور المشكل مسببة تفجيره و بروزه.
  2. عوامل الخطورة (أو العامل المهيئ) التي تتكون من عناصر كالضعف و المشاكل أو الصعوبات  التي ترفع من احتمال تعرض الشخص لمعاناة الاضطراب النفسي .
  3. عوامل الحماية ، تتكون من القوى و الموارد التي تحفف من احتمال إصابة شخص من صعوبات في الصحة النفسية و تحميه من الإصابة من الاضطراب النفسي .
  4. عوامل الاحتفاظ التي تساهم في استمرار مشاكل الصحة النفسية من خلال تعزيز الاضطراب النفسي Blaney et Millon, 2009 .

 

 

المقاربة التكاملية :      تفاعل العوامل البيولوجية و السيكولوجية و الاجتماعية:

 

تفـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل
العوامل البيولوجية العوامل السيكولوجية العوامل الاجتماعية
-الجهاز العصبي و النواقل العصبية.

– الميول الوراثية .

-الحمل و الولادة.

-عوامل قبل و بعد الولادة.

-وظافة  الدماغ .

-التفاعلات الفيزيزلوجية .

 

الانفعال : خوف، قلق، إحساس بالعجز، اكتئاب…..

الأداء المعرفي: أفكار مثبطة، معتقدات خاطئة….

السلوك: ردود أفعال مقترنة بالهلع ، الميل إلى الهروب في وضعيات التوتر.

– الأسرة.

-المدرسة ، العمل.

-العلاقات الاجتماعية و الصداقة.

– عوامل التوتر.

-التأثير السوسيوثقافي و الاقتصادي .

 

 

بعض الأمثلة على عوامل الخطورة و الحماية :

 

عوامل الخطورة أو العوامل المهيئة

تفاقم الهشاشة؛     (الضعف)

عوامل الحماية

تخفيف الهشاشة؛  (الصلابة)

أمثلة من العوامل الداخلية الفطرية
هشاشة أو خلل أو مرض وراثي مناعة وراثية
مزاج صعب أو بطيء مزاج سهل

 

ضعف في القدرات العقلية قدرات عقلية جيدة
   
أمثلة من العوامل الداخلية المكتسبة
مرض أو اعتلال بدني صحة بدنية جيدة
عادات سيئة في الحياة عادات صحية في الحياة (رياضة…)
هشاشة نفسية : صعوبة في التأقلم، ضعف القدرة على حل المشكلات، ضعف تقدير الذات ، تشاؤم ، مشاعر مكبوتة … صلابة نفسية : مرونة نفسية و قدرة على التأقلم و حل المشكلات ، تقدير جيد للذات ….

 

أمثلة من العوامل الخارجية
تجارب صعبة ، توتر، صدمات تجارب غنية .
وضعيات أسرية صعبة : مشاكل في العلاقات الأبوية ، مع الأطفال، الزوج(ة) ، طلاق ، إهمال …. وضعية اجتماعية سليمة : علاقات أسرية مستقرة، إيجابية ، في جو يسوده الاحترام ، و القدرة تعلى تدبير الاختلاف ، و التواصل الجيد

 

وضعية  مهنية أو مدرسية صعبة : فقدان العمل، بطالة ، زملاء متسلطون ، فشل …… وضعية مهنية أو مدرسية ملائمة : استقرار في العمل ، نجاح دراسي…..

 

أخيرا يميز الجدول أعلاه بين العوامل  الداخلية و الخارجية ، موضحا أن العوامل الداخلية تندرج ضمن المكون البيولوجي و السيكولوجي ، و يمكن أن تكون  خصائص خلقية تميز الشخص منذ ولادته، أو مكتسبة ، طرأت أثناء مراحله النمائية.  فيما تعود العوامل الخارجية إلى محيط الشخص الاجتماعي.

 

في هذا السياق تتفاعل العوامل البيولوجية و النفسية و الاجتماعية  و كذا العوامل المفجرة و عوامل الخطورة و عوامل الحماية و تأثر على هشاشة الشخص و مواجهته لصعوبات الصحة النفسية ، ففي غياب عوامل الحماية يكون الفرد أكثر عرضة للإصابة بإحدى الاضطرابات النفسية . بالمقابل عندما تتوافر لدى الشخص عوامل حماية أكثر من عوامل الخطورة، فأنه يتمكن من تحقيق التوازن النفسي و مواجهة  صعوبات الحياة  و التكيف معها و تجنب الإصابة بالاضطرابات النفسية.

 

 

 

المرجع الأصلي :

 

Santé mentale et psychopathologie

Une approche biopsychosociale, 2e édition

Martin Benny, Alain Huot, Julie-Anne Lalonde, Jade Landry-Cuerrier,

Luce Marinier, Marie-Anne Sergerie

© 2016, 2013 Groupe Modulo Inc.

 

مستجدات