يوسف العزوزي
مقدمة :
يشكل التواصل العمود الفقري لهيكل التدخل العلمي في الإرشاد النفسي لفائدة الأفراد الذين يعانون من مشاكل نفسية أو يطلبون الإرشاد في ميادين مهنية أو تربوية أو اجتماعية . و سعيا لإنجاح هذه العملية يحتاج المرشد إلي التمكن من الخطاطات و النظريات التواصلية العلمية ، و التي تجتمع علي اعتبار التواصل عملية بين مرسل و مستقبل من خلال فك رموز الرسالة من الأول إلي الثاني .
و بناءا عليه يتوجب علي المرشد إدراك المرشد لنظام تمثلات المسترشد للاقتراب ما أمكن من الاتجاهات و المعايير و القيم التي تتحكم في أهنماط السلوكية .
فمفهوم الحرية عند فرد ليس هو المفهوم نفسه عند فرد آخر ، كما هو الشأن بالنسبة لمفاهيم و مصطلحات و مواقف أخرى ، يختلف تمثلها باختلاف المعني الذي تشكل في المحيط الأسري .
و لملامسة هذا الموضوع سأحاول التطرق إلي أثر تصنيف المحيط الأسري حسب التأثير و الاهتمام في زيادة فاعلية عملية تواصل المرشد ، أي أن قدرة المرشد علي استغوار في ظروف التنشئة الأسرية للمسترشد تمكنه من الاقتراب من المعاني و المفاهيم موضوع المقابلة الإرشادية و بالتالي تزيد من فاعلية عملية التواصل.
تعريف الإرشاد النفسي:
نشأ علم الإرشاد النفسي في الولايات المتحدة الأمريكية حيث نمت الممارسة المهنية من افتراضات و معتقدات حول السلوك البشري و شجعت علي نمو علم النفس الإرشادي ، و تتمثل هذه المعتقدات و الافتراضات فيما يلي : إن السلوك البشري يمكن تغييره عن طرق تطبيق المعرفة السيكولوجية العلمية ، وأن هدف هذا التغيير هو تحسين هذا السلوك و تحقيق رفاهية الفرد ، و أن مسؤولية هذا التغيير على عاتقه بينما يكون دور المرشد هو الهل على توفير الظروف التي تيسر هذا التغير في إطار مهني .
و لأننا نعيش في عصر يطلق عليه عصر القلق فإن الفرد و الجماعة يجتاجون إلي التوجيه و الإرشاد ، و كل فرد خلال مراحل نموه المتتالية التي طرأت على الأسرة بسبب التغير الاجتماعي الذي أحدثه التقدم العلمي و التكنولوجيا و انعكس علي الإعلام و الثقافة و العمل و الطبائع .
طرق الإرشاد و أنواعه:
تتألف طرق الإرشاد مما يلي:
أ) الإرشاد الفردي :
يتم عن طريق إرشاد شخصي لفرد واحد وجها لوجه في كل مرة ، و تعتمد قوة هذه الطريقة علي مدا فاعلية العلاقة الإرشادية المهنية بين المرشد و العميل .
ب) الإرشاد الجمعي:
لفائدة عديد من الأشخاص الذين يستحسن أن تتلاءم مشاكلهم و تتشابه اضطراباتهم ، في جماعات صغيرة و علي هذا الأساس يمكن القول بأن الإرشاد الجماعي هو عملية تربوية تقوم على أسس نفسية و اجتماعية من خلال أساليب كالتمثيل النفسي المسرحي(السيكودراما) و التمثيل الاجتماعي المسرحي (السوسيودراما) بالإضافة إلى المحاضرات و المناقشة الجماعية و النادي الإرشادي.
دور المرشد النفسي التواصلي :
إن عمل المرشد النفسي شاق و هام و مؤثر ، يتطلب منه قدرات تواصلية عالية يستدرج من خلالها المسترشد لذكر جميع الأفكار الموجودة لذيه ، و قول كل شيء يخطر بباله ، حتى أحلامه و عناصرها المختلفة ، و ذلك بعد عمل المرشد على إزالة جميع المشوشات التواصلية و كذا المشتتات من الغرفة التي يستلقي فيها المسترشد ، حيث يقوم المرشد بدور المراقب للمعلومات غير اللفظية ، و اللفظية المتمثلة في الافكار و التداعيات لمحاولة التعرف عليه .
و إذا طال صمت المسترشد يتدخل المرشد عن طريق الإشارة إلى كلمة وردت على لسان المسترشد مقرونة بانفعال ما، بغية الذهب إلى أعمق ما يمكن من محتويات اللاشعور . و عندما يصل المرشد إلى تعليل الظاهرة يكون قد وضع يده علي أباب المشكلة .
إذن من خلال التواصل الفعال يصبح دور المرشد وسيطا و محرضا في نفس الوقت لما يقوم به من نشاط في توفير الجو التواصلي للمسترشد لكي يكون في حالة اطمئنان و ثقة تسمح له برفع الرقابة قدر الإمكان و الحديث بكل صراحة . و يقوم المرشد بجمع المعلومات و تفسيرها و تحليلها .
و يدعم فاعلية عملية التواصل المرشد تصنيفه للمحيط الأسري حسب التأثير و الاهتمام .
- أثر تصنيف المحيط الأسري من حيث التأثير في زيادة فاعلية تواصل المرشد :
التنشئة الاجتماعية هي العملية التي يوثر من خلالها المحيط الأسري و يهدف الآباء من ورائها إلى جعل أبنائهم يكتسبون أساليب سلوكية و دوافع و قيم و اتجاهات يرضى عنها المجتمع ، و تتقبلها الثقافة التي ينتمي إليها .أما تنشئة المحيط الأسري أو التنشئة الوالدية فهي إحدى دعائم التنشئة الاجتماعية و يقصد بها كل سلوك يصدر عن الوالدين و يؤثر على الطفل و علي شخصيته ، و سواء قصد بهذا السلوك التوجيه أو التربية فإن معرفة المرشد بالنمط السلوكي للمسترشد الذي نتج عن هذا التأثير يزيد من فاعلية التواصل . لأن التنشئة الوالدية تشير إلى نوع المعاملة التي يتلقاها الطفل من والديه في المنزل و طبيعة علاقته بهما في هذا السياق يمكن للمرشد أن يستفيد من معرفة العمليات الآتية :
1 التأثير الذي يحدث في سلوك الطفل من جراء استجابة الوالد أو الوالدة أو كليهما .
2 التأثير الذي يحدث في سلوك الطفل من جراء أساليب الثواب و العقاب التي يتخدها الوالد و الوالدة أو كليهما بقصد تعليمه أو تدريبه .
3 التأثير الذي يحدث في سلوك الطفل من جراء اشتراكه في المواقف الاجتماعية التي يتيحها له الوالدين بهدف تعليمه الأساليب الصحيحة في السلوك حسب وجهة نظرهما.
4 التأثير الذي يحدث في سلوك الطفل من جراء التوجيهات المباشرة و التعليمات اللفظية التي يواجهها الوالد او الوالدة او كليهما قصد توجيه الأساليب الصحيحة في السلوك .
5 التأثير الذي يحدث في سلوك الطفل من جراء التعارض بين أسلوب الوالد و أسلوب الوالدة في طريقة تربية الطفل .
فالتنشئة الاجتماعية تدل في معناها العام علي العمليات التي يصبح بها الفرد واعيا و مستجيبا للمؤثرات الاجتماعية ، و ما تشمل عليه هذه المؤثرات من ضغوط و ما تفرضه من واجبات علي الافراد حتي يتعلم كيف يعيشش مع الآخرين (البهي السيد 1975 ص 218) فالطفل يكتسب عن طريق الأسرة المعايير العامة التي تفرضها أنماط الثقافة السائدة في المجتمع و يكتسب أيضا المعايير الخاصة بالأسرة التي تفرضها عليه .
و إذا تمكن المرشد من التعرف على هذه المعايير فسيساعده ذلك على توجيه السلوك الاجتماعي الذي تشكل في كنف المحيط الأسري .و علس سبيل المثال قد يرضى الفرد لنفسه أن يصبح كبش فداء بالنسبة لبقية أفراد الأسرة ليقي الأسرة كلها من الصراعات الداخلية كما دلت علي ذلك بعض الأبحاث الإكلينيكية .
كما أن وجود المعايير التي تحددها الأسرة لأفرادها تجنح بهم نحو السلوك العصابي بل و الذهاني أحيانا .فقد يطلب الأب من إبنه سلوكا ما في أحد المواقف ثم يعود ليطالبه بعكس ذلك السلوك في الموقف نفسه أو في مواقف مشابهة .
و منه فآن المعايير العامة التي تفرضها أنماط الثقافة الأسرية تساهم في تشكيل الأنماط السلوكية التي تحدد أنماطهم السلوكية. و بالتالي فإن معرفة أسلوب استجابات المسترشد أمام المواقف الاجتماعية من شأنه الرفع من فاعلية التواصل في العملية الإرشاديية .
- أثر تصنيف المحيط الأسري من حيث الاهتمام الاجتماعي في زيادة فاعلية تواصل المرشد :
تمثل درجة الاهتمام الاجتماعي معيارا مفيدا لقياس الصحة النفسية، و اعتبرها “أدلر” بارومترا للحالة السوية . و يستخدم هذا المعيار في الحكم على قيمة الشخص. و في رأيه أن حياتنا لها قيمة هندما نستطيع أن نضيف قيمة إلى حياة الآخرين .
لذلك فالأشخاص الأسوياء مهتمون بالفعل بالآخرين ، و هم لا يشعرون بأي معنى أو قيمة فعلية لحياتهم ما لم يساهموا في النهوض بحياة محيطهم الأسري . و على الضد من ذلك فإن الأشخاص غير المتوافقين اجتماعيا يفتقرون إلى الاهتمام الاجتماعي و يعيشون في تمركز حاد على أنفسهم و يسعون إلى تحقيق التفوق الشخصي علي حساب الآخرين ، و لكل منهم حياة لها قيمة خاصة به . فهم منشغلون بالاهتمام بالذات و بحمايتها عن أي شيء آخر.
يعكس إذن مفهوم الاهتمام إيمانا شديدا عند “إدلر”بأننا كائنات اجتماعية ، بمعنى أنه لا بد و أن نفكر في علاقتنا بالآخرين و في الإطار الثقافي الأشمل و الأوسع الذي الذي نعيش فيه، إذا كان يتعين علينا أن نفهم أنفسنا جيدا .و الأكثر من ذلك أن إلمام المرشد بمعطى الاهتمام الاجتماعي للمسترشد يمكنه لا محالة من التواصل الفعال بغية التغيير الحاسم و اكتسابه للقوة المحركة الهائلة التي تدفع كافة الأنشطة الإنسانية .
لهذا اعتبر “إدلر” أن الاهتمام الاجتماعي إمكانية كامنة في الانسان و من ثمة فهو فطري ـ من منطلق أن كل إنسان هو مخلوق اجتماعي بالفطرة .
ينشأ الاهتمام الاجتماعي من خلال العلاقة بين الأم و الطفل، حيث أن مهمة الأم تكمن في غرسها في نفس الطفل معنى الإحساس بالتعاون ، و الارتباط و الصداقة و و الحب و غيرها من الصفات و المعاني التي اعتبرها “إدلر” مترابطة و متلازمة بطريقة نموذجية ، إذ يتعين أن تظهر الأم الحب الحقيقي لطفلها ، و هو الحب الذي يتركز حول رفاهية الطفل و سلامته و سعادته .
كما أن حب الأم لزوجها و لأطفالها بوجه عام يوفر نموذجا للطفل و يقدم له قدوة ييمكن أن يتأثر بها مستقبلا ، لا سيما و أنه يتعلم من هذا الاسلوب الاهتمام الاجتماعي الواسع .
و الحقيقة أن عديدا من المواقف و الاتجاهات المرتبطة بأسلوب الحياة و التي تتأثر بسلوكيات الأم قد تعمل علي تقوية الشعور لذى الطفل بمعنى الاهتمام الاجتماعي و الصالح الاجتماعي ، و على سبيل المثال : إذا ركزت الأم فقط علي أطفالها ، فإنها لن تكون قادرة علي تعليمهم تحويل الاهتمام الاجتماعي إلى اشخاص آخرين ، و بالمثل إذا كانت تؤثر زوجها أو تفضله على أطفالها في المعاملة فإنهم يشعرون بأنهم غير مرغوب فيهم ، كما سيؤثر ذلك على حماسهم إزاء العمل الاجتماعي ، و أي سلوك يزيد مشاعر الأطفال بأنهم مهملون غير محبوبين يؤدي إلى شعورهم بالنقص و العجز و عدم القدرة علي التعاون . و يمكن تعميم ذلك على دور الأب .
فالأب المثالي هو الذي يعامل أطفاله كأصدقاء و يتعامل مع زوجته على قدم المساواة في العناية بهم . و قد اعتبر “إدلر” العلاقة الزوجية ذات تأثير هائل على تطور الشعور الاجتماعي لذى الطفل ..فإن كان المحيط الأسري مفككا و غير سعيد ، سيكون لذى الأطفال فرصا قليلة لاكتساب الاهتمام الاجتماعي ، كما أن الحماية المبالغ فيها تضعف الاهتمام الاجتماعي .
خلاصة :
لا يقصر تواصل المرشد بفعالية فقط علي تمكنه من مهارات التواصل كالافتتاح و طرح الأسئلة و الصمت و الإصغاء و التوضيح و عكس المشاعر و المواجهة…بل يحتاج تجاح العملية الإرشادية علي التعرف الجيد و الدقيق و العميق لشخصية المسترشد و الظروف الأسرية التي تشكلت فيها .
في هذا السياق تأتي أهمية ما تطرقنا إليه في أثر تصنيف المحيط الأسري من حيث التأثير و الاهتمام في زيادة فاعلية تواصل المرشد وذلك لتعميق البحث في نوع التنشئة الأسرية التي تلقاها و المعايير الاجتماعية و الأنماط السلوكية المترتبة عنها لتيسير الفهم الجيد للخطاطات الثقافية و النفسية و الاجتماعية التي تميز شخصية المسترشد من أجل تحقيق الأهداف الإرشادية التي اتفق عليها المرشد و المسترشد.
المراجع :
1 أحمد عبد اللطيف أبو سعد 2010 /علم النفس الإرشادي (ص: 14/15) /دار المسيرة
2 أحمد محمد الزعبي /علم النفس الاجتماعي/زهران للنشر /ص104 .
3كمال يوسف بلان-2015 / نظريات الإرشاد و العلاج النفسي /دار الاعصار العالمي /ص101.
4 محمد إبراهيم عيد 2005 / مقدمة في الارشاد النفسي /المكتبة الانجلو المصرية/ص 85-86-87







