مدخل إلى علم النفس العصبي “للأطفال”

يوسف العزوزي15 سبتمبر 2023
fbthdr
fbthdr

فرانسين لوسيي
ترجمة :يوسف العزوزي (بتصرف)

لم يكن نشر النسخة الثالثة من كتاب neuropsychologie de l’enfant et de l’adolescent… مجرد إعادة نشر لنسخة عرفت نجاحا، بل شكل تفاعلا مع النسخة الخامسة للدليل الإحصائي و التشخيصي DSM5 و WISC-5. كما أن النسخة الثالثة من هذا الكتاب تستهدف فتح شهية الممارسين و الأخصائيين، ليس فقط في علم النفس العصبي بل في كذلك في مجال تقويم النطق و و غيره من التخصصات و مدهم بتحليل نظري موجه نحو الممارسة و كدا أدوات ناجعة تساعد في اختياراتهم، و تسهل المرور من الاختبار السريري إلى التأويل.
كما توخت هذه النسخة ان تضع بين أيدي البيداغوجيين معلومات تفيد التحسيس و التوعية ببعض الصعوبات ،و التمييز بين الصعوبات و الاضطرابات في مجال التعلمات الأكاديمية و خصوصا عندما يتعلق الأمر يمعالجة الاضطرابات المحددة للتعلمات.
مقدمة نحو علم النفس العصبي:

بعد النظريات الموضعية localisationnistes التي فتحت مسار التقارب بين الاضطرابات السلوكية و المَوضَعة العصبية ، ثم النظريات الترابطية و الترابطية الجديدة التي توخت التمييز الوظيفي بين نصفي الدماغ. و يعتبر علم النفس العصبي المعاصر الوِظافة العصبية مجموعة من الشبكات و الدارات الوظيفية المعقدة، توحد مراكز تشتغل كمجزوءات متمايزة لكنها في علاقة بينية مترابطة.
و بالتالي فإن اي تلف أو اضطراب وظيفي لأي جزء عصبي يؤثر على النشاط العصبي لكل النظام ،و ينعكس على مستويات مجموع الوظائف المباشرة المشتركة.
ترعرع علم النفس العصبي لفائذة عملاء بالغين و لم يُهتم بفئة الأطفال إلا حديثا. و أثر بالمقابل على مفاهيم النمو العادي و النمو المرضى في علم النفس الطفل و الطب النفسي للطفل أو على المستوى السيكولوجي أو العلاجي ،إلى درجة توجيه التمثلات الطبية-السيكولوجية للخلل الوظيفي أو المرتبط بعلم الأعراض أو التصنيف( التشخيص) الدولي.
و بالتالي فإن الاضطرابات النمائية و الاضطرابات المعرفية معنية بهذه المنظومة العصبية على مستوى توضيح ميكانيزمات بعض السيرورات الذهنية المرتبكة، و تبقى اللغة و الذاكرة و المنطق و التنظيم الفضائي (خصوصا في مجال الطفولة) موضوعا للابحاث التي تحضى بالاهتمام. استعمال منهجية الاختبارات في علم النفس العصبي وردت من علم النفس المعرفي و علم نفس الفارقي.
و اليوم بإعطائه الاسبقية للعيادة ( la clinique) على النورو-تشريحية، و الأولوية للوظائف و السيرورات على الموضعة العصبية، فإن علم النفس العصبي يحدد مجالا دقيقا و منهجية خاصة محددة بشكل جيد.
تتراجع أهمية ما يهم الدماغ و تشريحه شيئا فشيئا لتحتل مرتبة ثانوية في علم النفس العصبي، فالتطور الهائل في تقنيات التصوير الطبي (IRM, ‘ scanner.. ) و خصوصا ما يتعلق بالوظافة العصبية يتوجه حاليا نحو الأبحاث المتعلقة بعلم النفس العصبي و يهتم هذا الأخير بالسيرورات و تنظيمها.
علم النفس العصبي إذن هو دراسة تهتم بالعلاقة بين مختلف بنيات الدماغ و السلوك بمفهومه الواسع و الذي يشمل مختلف التمظهرات كاللغة و الإدراك و الذاكرة و الانتباه و المهارات اليدوية… إلخ و يمتد إلى العدوانية و الاندفاعية و الكبح… .
و قد آثار علم النفس العصبي اهتماما في بداية القرن الماضي إلا أنه عرف طفرة نوعية في نهايته، مستلهما من عدة تخصصات كعلم النفس المعرفي و التجريبي و علوم الأعصاب، فيما انعكس تطوره على تقويم النطق و العلاج الوظيفي و الطب النفسي.

علم النفس العصبي النمائي:

تطور علم النفس العصبي لطب الأطفال متأخرا مقارنة مع البالغين. في بداياته الأولى غالبا ما كان يكرر المعارف المكتسبة عند البالغ نتيجة تلف عصبي، و في أغلب الحالات لم تكن تلك المعارف تنسجم مع خصوصية الطفل نتيجة سيرورة عملية النضج و تطور السلوك.
و لم يُتجاوز هذا الفارق إلا في بداية الثمانينات عند ظهور سلسلة من الاختبارات المُستلهَمة من علم النفس النمائي، و علم النفس المعرفي و علم النفس العصبي للبالغين المكيف مع واقع الطفل.
إذن في سياق علم النفس العصبي العيادي( لطب الاطفال) لا يرقى إرساء العلاقات التشريحية-العيادية ) إلى أهمية تحديد الوظائف و السيرورات المعرفية التي تعاني مهما كانت طبيعة الإصابة العصبية، و أينما كان موضعها.
و بمجرد الكشف عن الوظائف العاجزة و الوظائف المحفوظة يصبح من الممكن الاستعانة بهذا الأخيرة لتعويض الأولى من أجل توجيه التدخل البيداغوجي و التربوي لفائذة الطفل في عمق تعلماته، فسحا للمجال أمام عملية التأهيل في ذات السياق. و يجب على الأخصائي النفسي العصبي للأطفال اكتشاف الأسلوب المعرفي المفضل، ليتمكن من اقتراح استراتيجيات التعويض.
النضج العصبي و اللذونة الدماغية:

يتواصل نضج القشرة الدماغية كبنية تشريحية لفترة طويلة بعد الولادة، فتحدث تغييرات سريعة ملحوظة على مستوى السلوك و الفيزيولوجيا العصبية للرضيع ،و قد وصف Dawson et al ثلاثة أطوار نمائية عصبية هي:
1 الطور الأول : يعرف تنظيم القشرة الدماغية، و هو محدد جينيا، و يسمح بتطور هندسة النمو المعقدة و ضبط المراحل النمائية أثناء الهجرة و التكاثر الخلويين الذي يصادف “ملينة” العصبونات myélinisation ، و تبلغ الكثافة العصبونية مداها في السنة السادسة.
2الطور الثاني : يتم من خلال نحث التكوين النمائي و قد يتوافق مع تخلق مشبكي متدفق synaptogenése موازي. و على امتداد هذا الطور تتم الترابطات و التشبيكات العصبية من خلال عدة ميكانيزمات من بينها مثيرات المحيط. بعد ذلك يحدث إقصاء تنافسي، و تكبير انتقائي، و يسمح هذا الطور بالمرونة المُثلى للنظام العصبي استجابة لمتطلبات المحيط.
مثال: بالنسبة للمناطق الجبهية فإن الكثافة المشبكية تصبح في اقصاها حوالي 12شهرا ثم تتراجع بعذ ذلك لتزداد أهمية التخصص ، و نحصل على كثافة مشبكية ناضجة حوالي 16 إلى 18 سنة.
الطور الثالث: يتجلى في التعديل التشبيكي التكيفي و هي مرحلة تستمر طول الحياة، و تساهم في مختلف التغييرات التي تحدث على مستوى الشبكة العصبية استجابة لتغيرات المحيط.

بالنسبة ل wkolb et Gibb فإن التفاعل بين علم النفس العصبي و المحيط الذي يعيش فيه الفرد يحظى بالمزيد من الاهتمام و يترتب عليه تغييرات أحيانا مهمة على علاقة بنمو الدماغ و تصريف بعض السلوكات الخاصة. و بالنسبة لهما فإن النمو قد يمتد على سبعة اطوار :

أولا : التكاثر الخلوي الذي يبدأ في الأسبوع الثالث بعد التخصيب و ينتهي في الشهر الخامس بإستثناء عصبونات l’hippocampe التي تستمر في التكاثر في كل الحياة يتعلق الأمر ب:la Neuro genèse et la gliogenèse.

ثانيا: بعد التكوين تهاجر العصبونات حسب مسار يثمر ولادة خلايا gliales تبلغ منطقة القشرة الدماغية، يتعلق الأمر بالهجرة الخلوية.
ثالثا : تدريجيا و باكتسابها لمواضع وجهتها تصبح الخلايا متخصصة، نتحذث إذن عن التفاضل الخلوي.
رابعا : عند وصولها إلى الوجهة النهائية تنضج الخلايا و تنمو شجيراتها و محاورها.
خامسا: يبدأ تكوين التشابكات la synaptogenèse و تعددها بملامح قد تكون وراثية و تستمر سنتين بعد الولادة. و تكون إعادة التوجيه الشبكي موجهة بمجموعة من متجهات و إرشادات المحيط التي تعمل على نمذجة و تعديل التشبيك العصبي. و في هذه المرحلة أجرى kolb et Gibbتجاربه التي مكنته من فهم التفاعل بين النمو العصبي و المحيط، و دور هذا التفاعل في ظهور سلوكات معتادة أو غير عادية.
سادسا : الموت الخلوي و التكاثر المشبكي يسمح ان بتخصص أكبر.
سابعا: تعمل la myelogénese على الرفع من سرعة معالجة المعلومة..
إذن يتجاوز نمو الدماغ تكوين الخريطة الجينية من خلال التفاعل بين العوامل الوراثية و المحيط. فالمثيرات الحسية و المواد السيكو-نشاطية psycho-actives و العلاقات بين الآباء الأبناء و العلاقة بين الأقران و كل ذلك يؤثر تدوير الدماغ في مرحلة التكوين.
في نهاية المطاف تمثل السلوكات البشرية و الفيزيولوجيا مستوى تحليل في نفس النظام، حيث تنتظم الوظائف التكيفية للفرد بفضل القوام التشريحي substrat anatomique. و توضح اللذونة الدماغية القدرة التكيفية للفرد بعد أي حادث عصبي. و أوضح الباحثون بأن اللذونة الدماغية عند مختلف الحيوانات تتناسب مع درجة نضج الوظائف المعنية بالموقع الدماغي الذي تعرض للتلف.
كما أوضحت التجارب العيادية انه بعد أي حادث (دماغي) سواءا الصدمة الرأسية أو حوادت السكتة الدماغية يفقد المصابون بعض وظائفهم، ثم يسترجعونها (بسرعة تتناسب مع السن) بدون إعادة التكييف، لكن جانبا من هذا الاسترجاع يستوجب حصص من تقويم النطق.

مستجدات