يوسف العزوزي :
“هناك شيء ما يمكن فعله لأجل الإنسان.. لأجل كل الناس” بهذه الكلمات تحدثت Pauline Jacob عن المبدأ الذي جذبها اتجاه التربية النفسية، كانت من أولى النساء اللواتي احترفن مهنة التربية النفسية نهاية 1960 متأثرة بالمشروع الإنساني لمقاربة التربية النفسية. و أثمر هذا الشغف تأطير أجيال من المهنيين في زمن تميز بعدة تغييرات بنيوية، مفاهيمية و في الهوية.
هذا ما يقودنا إلى السفر بحثا عن أثر مؤسسي التربية النفسية و القيم المؤسسة لها التي ترجع إلى زمن مضطرب بفعل الحرب العالمية الثانية، فنجحت التربية النفسية في إبداع رؤية جديدة قطعت مع ما سبقها من ممارسات سادت في مراكز إعادة التأهيل.
1سياق ولادة التربية النفسية:
إذا استحضرنا تنظيم المصالح الاجتماعية بالكيبيك سنوات 1940و1950 تتبادر إلى ذهننا تلقائيا صورا لزنازن مجهولة، مزدحمة بأطفال قصد إعادة التأهيل، و كأنهم في حالة اعتقال، يدبر مصيرهم رجال بلباس الكهنة مختصون في العمل الخيري.
هكذا بقي التكفل إلى غاية النصف الثاني من القرن المنصرم يجري في مؤسسات إقامة دينية تم تخصيص جلها للأطفال اليتامى و المتخلى عنهم و المتأخرين ذهنيا و المنحرفين أو أولئك يندرجون تحت أسماء تغيرت مع مرور الزمن.
إذن إلى الفضاء الديني تعود جذور التربية النفسية إلى غاية إرساء نظام حماية اجتماعية جديد. ظل هذا النظام معتمدا على يد عاملة “دينية” وفيرة و متطوعة، يعاني بسبب ظروف ما بعد الحرب و أزمة 1930.
و لتجاوز الوضعية الغير اللائقة لأطفال هذه المؤسسات بدأت المطالب تدعو الدولة للتدخل Malouin1996، و نشر Gérard Pelletier في الخمسينات سلسلة مقالات صحفية يتحدث فيها عن “قدر الأطفال البؤساء” Pelletier 1950، كما هدد “إخوان الخير سنة 1947 بإغلاق مؤسسات تأهيل المنحرفين إذا لم يحصلوا على دعم الدولة، ما دفع هذه الأخيرة إلى تخصيص ميزانية للتخفيف من قوة هذه العاصفة Traveau2016.
في هذا السياق يجب التذكير بأن سنوات 1940و1950 عرفت حركة عالمية تهم حقوق الطفل، و تبني إعلان حقوق الطفل من طرف منظمة الأمم المتحدة ONU و أثمر ذلك ميثاقا يقوم على مبدأ مفاده : “الاعتراف بالطفل عالميا كإنسان من حقه النمو الجسمي و الفكري و الاجتماعي و الروحي بحرية و كرامة” ONU1959.
و فرض الإعلان الرعاية الصحية و السكن و الغذاء ووضع كل الموارد الضرورية لتلبية الحاجات الفكرية و العاطفية Marshall 2008.
و بفضل تقدم العلوم الإنسانية ظهوت أفواج جديدة من الأخصائيين، فاهتم الكثير منهم بالطفولة Quevillon Et Trepanier 2004.
هكذا تدين التربية النفسية بجانب من وجودها لمؤسسة علم النفس بجامعة Montréal و مؤسسها “الأب” الدومينيكاني Noël Malloux1909-1997 احد رواد التربية النفسية إلى جانب و jeannine Guidon و Gilles gendreau و آخرين.
2 المؤسسات الرائدة و تطور نموذج التربية النفسية.
عموما يُعرف بثلاثة مؤسسات احتضنت التربية النفسية في “الكيبيك” و هي:
أ) مركز التوجيه و إعادة التأهيل” بمونترييال”:
رغم اللجوء إلى خبراء الطب النفسي و التخصص النفسي الذين انتشارا في الأوساط الأنجلو-فونية بداية 1920 لكنهم لم يهتموا بالأطفال إلا بعد الحرب العالمية الثانية Maouin1996. حيث استعملت هذه الخبرات في مؤسسات للتشخيص و تم من خلالها إخضاع مراهقين لاختبارات قياسية نفسية لمعرفة إن كان ذكاؤهم عاديا أو يعانون من عصاب أو ذهان و إن كانت هويتهم الجنسية مستقرة إلخ.. و رغم ذلك بقى التدخل العلاجي محدودا يكتسي طابعا كلاسيكيا و نجاعة متواضعة بالنسبة للشباب في وضعية صعبة Leduc 2003.
إلا أن مؤسسة مركز التوجيه و إعادة التأهيل لعبت سنة 1943 دورا في تغيير هذه المعادلة باعتبارها اول مؤسسة إكلينيكية خارجية لعلم النفس بالكيبيك إذ احتلت دورا تاريخيا مهما في تطور التربية النفسية، و ساعدت على تجويد التكفل باطفال المؤسسات Nadeau1993/ و تخفيف الضغط على الملاجئ.. و تم تعيين الأب Mailloux لتدبير هذه المهمة.
فحول هذه الفضاءات إلى خلايا للتكوين و البحث و استقبال طلبة علم النفس بجامعة مونتريال كمتدربين. و تم تطبيق طرق المحلل النفسي النمساوي August aichhon دون تحقيق نجاح واضح.
لكن تغير الوضع إلى الأفضل بعد تنزيل مقترحات إحدى خريجات علم النفس جامعة مونتريال jennine Guidon 1919—2002 التي تكفلت بداخلية المركز بتنسيق مع Fritz Redl, وساهم في هذا النجاح في تطوير مهنة المربي النفسي (Renon 1989). و تمكنت Guidon من إرساء قدرات علاجية مرتبطة بالعلاج اليومي، واصبح واضحا أن المربي أكثر قدرة من الطبيب النفسي و الأخصائي النفسي في التأثير على سلوك الشباب، لأن طول مدة التواصل تمكن المربي من نسج علاقات قوية تفرض نفسها كشرط لأي تدخل علاجي ناجح Ludic2003.
و هذا ما دفع الأخصائية النفسية Guidon إلى تكثيف الاهتمام بتكوين المربين، و أصرت هذه الأخيرة سنة 1952.على متابعة الدراس في معاهد علم النفس، ثم استثمارها في البحث السريري و الممارسة المهنية.
يتعلق الأمر بالتخطيط للأنشطة اليومية و صناعة تقارير الملاحظة و تنظيم حصص دراسات تكميلية حول العمل المشترك بين المربين.
و شكلت الأطباق المعرفية لأعمال Redl wineman1952 و Erikson و Piaget و Freud و Montessori. وجبات يومية في التكوين، و باتت سنة 1950 بداية تحويل هذه الحصص إلى نواة للتكوين الجامعي في التربية التنفسية.
ب) داخلية التأهيل ب Boscoville :
داخلية Boscoville مؤسسة ثانية تستحق الذكر لأنها فرضت نفسها رائدة لثلاثة عقود كمشتل لمهنة التربية النفسية بالكيبيك.
عرف المركز الموجه للتكفل بالشباب المنحرف بداية متواضعة سنة 1940 بعد أن فتح أبوابه كمخيم صيفي يستفيذ منه شباب أحياء الفئات الهشة. أسسه الأب Albert Roger و قرر لاحقا تحويل مجهوده لفائذة إعادة تأهيل الأحداث المتورطين في الجرائم Hupp Et Timprech1992 و جعل منه أحياء يمارس فيها المعنيون بالأمر وظائف خاصة، فأصبح بعضهم أعضاءا بالمجلس المحلي أو قضاة به، كما انتخب الأكثر استحقاقا ليكون عمدة لمدينتهم(التأهيلية). لأن من شأن ممارسة هؤلاء الأحداث تمرين المسؤولية المدنية تعزيز مفهوم المواطنة و الاستمتاع بالتصرف خدمة للصالح العام.
أفاد Roger في مذكرة كتبها سنة 1944 بأنه سعى لأن تكون Boscoville مؤسسة قوية مقترنة بالتربية النفسية حيث الأطفال منجذبون و متعلقون بأجواء الفرح و الأخوة، فلا يكون المربي ذلك المتسلط الآمر الناهي، بل صديقا متسامحا مستوعبا لشكواهم متفهما لضلالهم. و انطلق المؤسس Roger من فكرة مفادها أن على المربي أن يفلح في الانسياب إلى داخل الشاب إذا أراد أن يحمله على التغيير.
و كان من أوائل المدربين بمؤسسة Boscoville الشاب Gilles gendreau 1926-2010 الذي ستتطور بفضله المؤسسات الإنسانية بشكل ملحوظ، لأنه طبع إسمه مع رواد صنعوا تخصصا جامعيا جديدا و مهنة جديدة؛ إنها التربية النفسية، و له يعود الفضل في رسم ملامح (نظرية مراحل التأهيل) و الانتقال بالتأهيل من المجال الاجتماعي الإنساني إلى المجال العلمي.
و هذا ما سبب له صداما مع الأب Roger الذي كان يعتقد بأن اللجوء إلى العلم يثبط من خفقات القلب Lymlly1978. أي أن عمل العلم يفسد العمل الإنساني، حسب Roger.
ووهذا ما دفع Gendreau للتوجه عند مدير معهد علم النفس Noël Mailloux الذي اهتم بمشروعه العلمي و شجعه على متابعة دراسته في علم النفس بجامعة مونتريال حيث اكتشف Gendreau نظرية Piaget و مفاهيمه كالملاءمة و التكيف و اعتبرها مهمة لنموذج التدخل العلاجي الذي ينشده.
كما غادر Gendreau كندا إلى أوروبا سنة 1950لاستكمال دراسته حول Piaget بجامعة السوربون، كما زار عدة مراكز للتأهيل ووقف على عمل المربين المختصين بفرنسا و عبر عن إعجابه بعملهم لكنه رأى أن تكوينهم غير كاف كما تأسف للطلاق بين مهام الطبيب النفسي و الأخصائي النفسي من جهة و المربي من جهة ثانية.
و فكر في نموذج كندي لمربي أكثر استقلالية عن الطبيب النفسي، يجمع فيه المربي المتخصص بين القدرات الإكلينيكية و النظرية. و كانت رحلة Gendreau إلى أوروبا مناسبة لتوسيع شبكة علاقاته و شارك في مؤتمر متخصص بهولندا.
هكذا ارتبط التكوين المهني في التربية التنفسية بتازيخ Boscoville و مركز التوجيه الذي زاره عدة مهتمين أوروبيين أظهروا إعجابهم بتجربة كندا معتبرين إياها نموذجا رائدا مقاونة بقيمة التكوين و التدريب طيلة فترة الدراسة.
ج) معهد Val Lac:
إذا كانت جذور التربية النفسية مقترنة بتجربة مركز التوجيه و Boscoville فمن غير المنصف إهمال قطب ثالث للتأهيل المهني للتربية النفسية أسس سنة 1944 و عرف باسم مؤسسة Val lac سنة 1959. و على غرار Boscoville رأت مؤسسة shebrook النور كمخيم موسمي للأولاد من كل الفئات العمرية، منحدرين من الملاجئ، يشرف عليهم طاقم ديني بدون تكوين.
و ابتداءا من 1948 أجبر ارتفاع أعداد المستفيدين على تغيير المخيم من فضاء صيفي إلى مؤسسة دائمة، و تحسنت الوضعية بداية سنة 1950 بفضل التحاق الشاب الراهب Euchariste Paulhus 1924 – 2012 حيث شرع في تنظيم تكوين المربين Fournier 1996. و أصبحت المؤسسة تستقبل أطفال العلاقات خارج الزواج الذين لم يسعفهم الحظ في الحصول على التبني في سن مبكرة، أو المعاناة جراء ذلك من أي تأخر بيداغوجي أو ما قد يستتبعه من قصور ذهني Ferritti 2009. و سعيا لاستدراك ذلك و تعويض التأخر على مستوى بناء الشخصية و التكيف مع حياة المجتمع استشعر Paulhus حاجة ملحة إلى التكوين، فالتحق بمعهد علم النفس مونتريال و طار إلى الولايات المتحدة الأمريكية و شارك في عدة مؤتمرات للجمعية الأمريكية للقصور الذهني، و ابتداءا من سنة 1953 طور برنامج Val Lac مستلهما من تجربة نيويورك و ركز على التربية الوظيفية Occupationnelle. يتعلق الأمر بتفضيل التعلمات التطبيقية و التركيز على التعلم الوظيفي و ليس التعلم السهل، بالإضافة إلى دروس في التفتح الرياضي و الفني الإنساني، كما خصصت المؤسسة يوما في الأسبوع لتكوين المربين لشرح البرنامج.
3 قيم و مميزات هوية مهنية في طور التكوين.
” المعاش المشترك و إرادة التواجد هي أسس ممارسة التربية النفسية الناشئة Ducharme2014. تطرح هذه المقاربة خدمة لاستثمار من يرغب في ممارسة هذه المهنة.
ذهب Mailloux في كتاباته ابعد من ذلك معتبرا بأن لا وجود لفعل إذا لم يكن فعلا تربويا أينما كان و كيفما كان Mailloux 1969 إذ يجب على المربي أن بتواجد مع الفئة المُتكفل بها بشكل دائم. ما دفع عدة أطر إلى الاستقرار مع زوجاتهم بالمؤسسة كما فعل Gilles gendreau و زوجته Claire lalande و اطفالهما الذين عاشوا نفس الظروف..
يسلط هذا المثال الضوء على دور زوجات رواد التربية النفسية في تقدم و تطور هذه المهنة، حيث قدمن تضحيات بمساهمتهن في مهمة الملاحظة و التفكير و بنينة البيئة الحياتية دون أن يُحتسبن على المهنة بشكل رسمي.
هكذا تأسست الهوية المهنية على امتداد سنوات في ارتباط وثيق بالعلم و فكرة التقدم، فقد كان المطلوب جامعيين يجمعون بين الجانب النظري و الإكلينيكي و التأسيس لنموذج سيشكل حركة في أوروبا و الولايات المتحدة و كندا من أجل تأهيل آلاف الشباب الذي لم يتمكنوا من الاندماج في المجتمع.
خاتمة :
تمتد جذور التربية النفسية إلى سنوات 1940-1950 بالكيبيك، اقترنت بحركة إعادة البناء الاجتماعي التي طبعت المجتمعات الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، طورها خريجو جامعات علم النفس و البيداغوجيا و دعمها رجال دين و حولها الرواد إلى طموح و عمل جاد جعل من ممارسيها مهنيين حقيقيين حولوا مؤسساتها إلى فضاءات للتجديد أبهرت العالم الخارجي.
لم تعد التربية النفسية تهم مؤسسات إعادة التأهيل بل امتد مجالها ليشمل أوساط مختلفة و منها المجال المدرسي و غيره، و لازال ممارسوها يحتفظون بنفس الطاقة المستمدة من جودة التواصل التي تحتل مركز دينامية التأهيل، و بالتالي لازال الإنسان يحتل نفس مكانة الاهتمام التي ألهبت شعلة الرواد الأوائل.








