مدخل إلى مختلف المقاربات النظرية في التربية النفسية

يوسف العزوزي25 يونيو 2023
fbthdr
fbthdr

يوسف العزوزي


مقدمة:


يشكل التكيف النفسي-الاجتماعي للأفراد و المجموعات بدون أدنى شك الهدف الأساسي للمشتغلين بمجال التربية النفسية على مستوى التقييم و التدخل (القانون المنظم لمهنيي التربية النفسية، “كيبيك” 2014 ص:12)
هكدا حاولت عدة نظريات فهم التكيف و تطوره و أصبغت عليه عدة تعاريف.

1التكيف. L’adaptation.
على امتداد الزمن اقتُرحت للتكيف عدة تعريفات ، و لكن؛ لا واحد منها حضي بالإجماع، و رغم ذلك فكلها تحيل على حالة توازن بين الفرد و محيطه، علما أن هذين المكونين يحيلان بدورهما على تعريفات متعددة (قانون مستشاري التوجيه للتربية النفسية “كيبيك” 2008).
و يمكن أن يحيل مكون “الفرد” بكل بساطة على سلوكه Chapuis et thomasy1995. كما يمكن أن يحيل على مجموع الكفايات المكتسبة على المستويات المفاهيمية (مثال اللغة، القراءة، الكتابة..) و الاجتماعية (مثال :المسؤولية، احترام القواعد و القوانين أو المهارات الاجتماعية) أو التطبيقية (مثال الحماية الصحية، القدرة على ارتداء الملابس، الطبخ، التدبير المالي…) Américain association on intellectuel and développemtal ditabilités 2017 .و يتمظهرر الطابع التكييفي لهذه المهارات الفردية فقط في سياقها، أي المحيط الذي تتمظهر فيه.
فيما يحيل مكون “المحيط” على إكراهات الحياة اليومية Levine et al 2005 و يتعلق الأمر بشكل أكثر دقة بالمهام المُنتظرة حسب المرحلة النمائية للفرد Luthar. 2000 أو الدور الاجتماعي المُنتظرChappuis et Thomas 1995 ، من جهة أخرى يعتبر lazarus et Folkman 1984 التكيف كمنتوج للتقييمات المعرفية للفرد التي يستعملها إزاء وضعية مقلقة لحظية أو دائمة.
و تقترب هذه التعريفات بالتعريف الذي اقترحه Bronfentssenner1979 و اعتبر أن التكيف” ملاءمة متدرجة متبادلة بين الفرد في حالة نمو نشيط و الخصائص المتغيرة للوسط الحياتي المباشر للشخص”و هكذا ينسجم الفرد المتكيف تدريجيا مع محيطه.

  1. النظريات
    على اختلافها و تمايزها تساهم النظريات في فهم التكيف النفسي-الاجتماعي للأفراد و الجماعات. فالنظرية هي طريقة للاقتراب من الواقع، و إطار مرجعي يمكننا من ترتيب و تأويل الملاحظات. و يعرفSauvé 1992 النظرية بأنها مجموعة مُبنينة و منسجمة من المفاهيم و التعاريف و المقترحات و النماذج و المبادئ و القوانين التي تتعلق بموضوع أو ظاهرة (مسلمة) بهدف وصفها و تفسيرها و تأويلها و تنبؤها بها، كما أن أي محاولة للوصف و التفسير لمظهر من الواقع يشكل نظرية.
    قد يكون أحيانا فكرة شخصية أو حدس، سواءا كان صحيحا أو خاطئا، لكنه يشكل نظرية كافية تسمح بتنظيم الملاحظات légende 2005 ، و هذا يبين أن انسجام النظرية لا يعكس بالضرورة صحتها. ففي المجال النفسي-الاجتماعي تهدف النظرية إلى تيسير الوصف و الفهم ثم التنبأ و التكيف. و يتم وصف سلوك الفرد و تفسيره بشكل مختلف حسب المقاربة التي تتبناها النظرية النسقية أو النظرية المعرفية السلوكية أو النظرية السيكو دينامية أو أي نظرية أخرى، فالمهم هو الاعتماد على هذا التصور النظري أو ذاك للتنبؤ بالسلوكات و مسارها.
    و لتوضيح القيمة المضافة لهذه النظريات في تفسير تطور مشكل تكيفي نضرب مثلا باللعب “الباطوجولوجي”، علما أن تعريف اللعب كمشكل تكيفي ما، توجه نظري يعتقد بوجود حدود، يدخل اللعب إذا تجاوزها دائرة مشكل تكيفي أو باطولوجي. في هذا السياق تهتم التربية النفسية باللعب الباطولوجي باعتباره مشكلا تكيفيا معتمدة على معارف النظرية التي ستوجه الملاحظة.
    فالمعتمدون على النظرية البيو-إيكولوجية لن يكتفوا العوامل الفردية التي تقود إلى المشكل بل يبحثون أيضا في السياق الاجتماعي الذي ظهر فيه السلوك بالإضافة إلى النسيج الاجتماعي للشاب، كالمدرسة أو الجماعة ثم القيم الثقافية و القواعد و النظم.. أي أن هذه المقاربة تعتمد على العوامل الفردية و عوامل البيئة المحيطة.
    أما النظرية المعرفية السلوكية فتميل إلى البحث في معرفة المكاسب المباشرة و الغير المباشرة التي يعتقد الفرد الحصول عليها، فقد يبالغ الشاب في اللعب باندفاع قوي اعتقادا منه في تفادي الصراع الأسري، أو قضاء وقت أطول مع اب يبالغ في اللعب أو من أجل إرساء علاقات اجتماعية افتراضية أو من أجل ربح المال… فما هي بالضبط معتقدات هذا الشاب؟ و ما هو السياق الذي تطور فيه هذا السلوك؟ تلك هي الأسئلة التي تطرحها النظرية السلوكية المعرفية.
    أما المقاربة النسقية للعب الباطولوجي فتتحدث عن أعراض تعكس خللا وظيفيا أصاب النسق بأكمله (الأسرة، شبكة الأقران..) أو عدة أنسقة ينمو الطفل في كنف تقاطعاتها. و يعتبر تحليل الأعراض و سياق ظهور المشكل على مستوى المعنى و الوظيفة الطريق النموذجي للولوج إلى وظافة النسق Ausloos 1983.
    إذن لكل النظريات النفسية-الاجتماعية وظيفة تحديد ووصف و فهم و تفسير و التنبؤ بالتكيف كما أن النظريات تساعد في بنينة الملاحظات و إصدار الأحكام.. فقد يحكم أخصائي للتربية النفسية على تغيب التلميذ عن أنشطة الحياة المدرسية بأنه أمر مُضر.
    لكن يجب التمييز بين الإطار النظري ذي الوظيفة التيسيرية لفهم العوامل التفسيرية للتكيف أو أي مشكل تكيف و الإطار المفاهيم الذي يساعدنا على تحديد المصطلحات المعقدة و اجرأتها، و يمكن للإطار المفاهيمي أن يندرج ضمن الإطار ال

1-2الوضعيات الإبستمولوجية للنظريات:

على مستوى التعريف تفسر النظريات النفسية-الاجتماعية بطريقتها نمو أو تكيف الفرد أو الجماعة. و ما تعدد النظريات إلا استجابة لاختلاف حاجات الأشخاص، إذ تتمايز هذه النظريات فيما بينها حسب وضعيتها و منطلقاتها الإبيستيمولوجية (مثلا النظرية البيو-إيكولوجية و النظرية المعرفية لبياجي و النظرية السيكو دينامية..) أو نظريات أخرى أقل ذيوعا كالنظرية الإيطولوجية Éthologique.
و لا يمكن أن نعرف تتمايز رؤى هذه النظريات إلا عند تفحص مسلماتها عن قرب أحادية أو مجتمعة على شكل أقطاب.
ماذا إذن عن الوضعية المتبناة من طرف النظريات الأساس المستعملة في التربية النفسية؟ و في اي قطب يمكن أن نضع النظرية النسقية و النظرية المعرفية السلوكية و النظرية البيو-سيكو-اجتماعية؟
نظرا لأهميتها فقد تم وضع هذه النظريات الثلاثة في كل الاقطاب:
1القطب الفطري ” inné” :
التكيف أو النمو هو نتيجة للوراثة و الطبيعة اي القوى البيولوجية (النظرية الإيطولوجية)
2قطب المكتسب “Acquis” :
التكيف أو النمو هو نتيجة لتجربة تعلم أي قوى المحيط الخارجي (النظرية النسقية/النظرية البيو-إيكولوجية/النظرية المعرفية السلوكية)
3القطب السلبي ” Passif” :
لا ينمو الطفل لذاته لأن المجتمع هو المسؤول عن صيرورته( النظرية المعرفية السلوكية/التعلم الاجتماعي)
4قطب الفاعل” Actif”:
الطفل طموح يبحث عن عن التطور و هو مسؤول عنرصيرورته و يحفز محيطه (النظرية المعرفية السلوكية/ النظرية النسقية)
5 قطب المستمر Continu:
التغييرات متدرجة و كمية إذ أن التكيف هو سيرورة تراكم (السيكودينامية/ المعرفية السلوكية).
6قطب المراحل ” par stades”:
تتبع التغييرات مراحل محددة (السيكودينامية/ و النظرية المعرفية لبياجي)

2-2 مميزات النظرية الناجعة:

تتعدد النظريات بتعدد الأشخاص الذي يعبرون عن آرائهم حول ظاهرة ما. في هذا السياق عرض Shaffer et al 2012 ثلاثة معايير النظرية الناجعة:

أ) parcimonieuse : مقتصدة و بسيطة لأنها موجزة و قصيرة و تفسر عدة ظواهر، بعبارة أخرى لأنها تستدعي عددا محدودا من المسلمات العامة.
ب) Falsifiable : قابلة للاختبار لأنها تقوم على فرضيات قابلة للبحث.
ج) Heuristique : استدلالية لأنه يمكن استعمالها في الأبحاث و إيجاد تفسيرات و ملاحظات جديدة.

3 النظرية البيو-نفسية-اجتماعية و النمائية:

تعتبر المقاربة المفضلة في الاستعمال في التربية النفسية و هي عامة يمكنها احتضان نظريات أكثر خصوصية، كما أنها لا تتعارض مع المقاربة النظرية النسقية أو المعرفية السلوكية كونها أكثر خصوصية.
و تنص النظرية البيو-نفسية-اجتماعية و النمائية على أن التكيف أو المشاكل التكيفية يمكن تفسيرها بوجود عوامل الخطورة و عوامل الوقاية، و هذه العوامل ذات اصل بيولوجي-نفسي-اجتماعي أو البيئي و تتفاعل لتؤثر في النمو و تكون مسؤولة على التوازن بين الفرد و محيطه.
1-3عوامل الخطورة:

عامل الخطورة هو ميزة شخصية (بيولوجية أو سيكولوجية) أسرية، اجتماعية أو متعلقة بالمحيط الذي يرفع احتمال ظهور أو تمظهر مشكل تكيفي Coie et All1993 و يتم تحديد هذا النوع من العوامل بمساعدة دراسات تكشف عن علاقة بين وجود هذه الميزة و بروز أو وجود مشكلة ما.
و يسمح أي شكل من أشكال هذه العلاقة المثبة تجريبيا (قابلة للملاحة) بوضع فرضيات وجود عامل خطورة يقف خلف مشكل التكيف.
كما أن عوامل الحفاظ على المشكل التكيفي و عوامل التدهور هي كذلك عوامل خطورة تأتي بعد ظهور المشكل التكيفي. و يمكن أن نشير على سبيل المثال إلى الاضطرابات السلوكية، كالكذب و الشجار و السرقة و الهروب من المدرسة، حيث أثبتت الدراسات أن هذه التمظهرات يمكنها أن تقود المراهق إلى التعارف مع أقران منحرفين، و انطلاقا من هذه اللحظة يمكن للسرقة أن تتخد طابعا أكثر خطورة (تكوين عصابة) كما يمكن للشجار أن يصبح أكثر خطورة برفقة هذه العصابة و يزيد من وثيرته.. و هكذا يفضي الاشتراك مع الأقران ليس في الحفاظ على السلوكات المشكلة فقط بل يزيد من تدهور مسارها.
إذن يمكن أن نتحدث وفق معلم زمني عن عامل الاستعداد ثم عامل الهشاشة ثم العامل المحفز وصولا إلى عامل الخطورة و عامل الاحتفاظ و عامل التدهور. في هذا السياق لا يشكل عامل الخطورة السبب الوحيد لبروز المشكل بل عادة ما يحتاج إلى عوامل أخرى.


2-3 عوامل الوقاية و التخفيف:

العامل الإيجابي هو عكس عامل الخطورة لأنه يساعد على التكيف بشكل عام، و تتجلى العوامل الإيجابية في المميزات الشخصية الأسرية الاجتماعية أو المتعلقة بالمحيط و الفاعلة بشكل إيجابي في التكيف، فيما يتجلى دور عوامل الوقاية في تفاعله مع الخطورة من خلال التخفيف من أثرها على الفرد و تيسير تكيفه Coie Et all 1993
مثلا تشكل الكفاية الفكرية و الشعبية و الدعم الاجتماعي ثلاثة عوامل وقائية من الاكتئاب Marcotte 2000و تلك هي عوامل تدعمها نتائج أبحاث تعتبر أن عوامل الوقاية هاته تمنع من ظهور الاكتئاب رغم وجود عوامل الخطورة لأجل ذلك نعتبر عامل الوقاية عاملا إيجابيا يقوي المناعة ضد عوامل الخطورة.
و تسمى عوامل الوقاية ذات الطبيعة الشخصية عوامل مناعة\مرونة Vitrao 2000.
إن وجود عوامل الوقاية يسمح للفرد بعدم الوقوع في مشاكل التكيف رغم وجود سياق يكتسي طابع الخطورة و هذا ما يحيل على مفهوم المناعة.

3-3 المسار النمائية
تسلط النظرية البيو-نفسية-اجتماعية الضوء على أن التكيف يندرج في إطار مَعلم زماني ميزته تطور كفايات الفرد و تزايد إكراهات المحيط، و يعكس المسار النمائي التطور الدينامي في مرحلة الطفولة أو المراهقة.
هكذا يتبع كل فرد مسارا نمائيا يساعد بشكل أو بآخر على تكيفه على امتداد حياته التي ترتبط في جانب كبير منها بالعلاقات التي تنسج بين العوامل البيو نفسية الاجتماعية.

خاتمة:

. بالنهاية لا تشكل كل هذه النظريات إلا وجهات نظر حول الواقع و لا يمكنها الإلمام بكل الواقع و هي على أية حال خرائط تمثيلية لأرضية واحدة Dussion werdt2010. و تقوم النظريات على ما تلاحظه و الطريقة التي تفسر بها حضور أو غياب مختلف الظواهر، لكن تبقى مناطق ظل غير خاضعة لهذه الملاحظة، لهذا يجب استعمال عدة خرائط، مع ضرورة التنبيه إلى عدم الخلط بين الخريطة و الأرضية.

مستجدات