عودة إلى نقاش تشخيص اضطرابات التعلم…

عودة إلى نقاش تشخيص اضطرابات التعلم…

يوسف العزوزي:

يفرض النقاش الذي يؤثث الفضاء الأزرق و المنابر الإعلامية المهتمة بالقوافل الطبية التي تزور المدارس للكشف عن اضطرابات التعلم و الاضطرابات النمائية ذات العلاقة بالتمدرس العودة إلى الأفكار المطروحة بشكل موضوعي حول قضية تشخيص اضطرابات التعلمات التي تحافظ على راهنيتها في ظل المستجدات الإعلامية و التربوية و العلمية المتسارعة و تطوير أساليب الاختبار و وسائله. و تفاعلا مع هذا النقاش أجدني مضطرا إلى طرح أسئلة مثل:
@ ماهي سلبيات و نواقص هذه القوافل؟
@ماهو البديل الممكن لهذه القوافل؟
@ هل يمكن أن نتحذث عن تحسين خدمات القوافل الطبية و مراقبة عملها عوض إلغائها؟
@و ما هي الانعكاسات المترتبة على المستويين المتوسط البعيد و المتعلقة إما بتحسين خدماتها أو رفضها نظرا لما قد يشوبها من نواقص؟
@هل يمكن توطين القوافل الطبية بقاعات الموارد للتأهيل و الدعم ضمانا لديمومة خدماتها و نجاعة تدخلاتها من خلال إشراك الفريقين البيداغوجي و الطبي/التأهيلي حول المشروع البيداغوجي الفردي.؟….
و في انتظار انخراط المزيد من الخبراء و الباحثين و المهنيين الممارسين و الأسر و الفاعلين الجمعويين للإجابة عن هذه الأسئلة و طرح غيرها سأحاول المساهمة في هذا النقاش الصحي بمقاربة مفهوم تشخيص اضطرابات التعلم كما قدمه كتاب “Les Troubles DYS obstacles, résistances, controverses” لمؤلفه Alain Moret”:

اضطرابات التعلم:
لا يمكن الحديث عن اضطرابات التعلم دون العودة إلى المعايير الأربعة الآتية:
1: وجود وضعية باطولوجية مؤكدة: و هدا ما يفرض ديمومة الصعوبات التي تؤخر الطفل عن سنه البيولوجي، و مستواه الفكري على الأقل بسنتين (على المستوى التقني يمكن أن نتحدث عن فرق نوعي بين 1،5 أو 1،6 انحراف معياري بعد تمرير الاختبارات المُعَيرة “Étalonnés”.)
2 الاحتفاظ بذكاء عام ” facteur G” في حدود المعدل الطبيعي، و يكفي أن يجتاز الطفل اختبارات تهم العمليات التقليدية للترتيب و التفييء، مع استبعاد المهام المرتبطة بالوظائف المعرفية المشكوك في سلامتها.
3اضطرابات غير مُفسرة بباطولوجية ننورولوجية أو حسية،على أية حال ذات شدة تجعلها مؤثرة في إنتاج غير عادي.
4اضطرابات خاصة لا يمكن إحالتها على نظام سببي أو على اضطرابات عامة ذات طبيعة سيكولوجية أو مرضية نفسية أو غيرها (الاضطرابات الغامرة للنمو، اضطرابات طيف التوحد..) بتعبير آخر اضطرابات أولية و ليست ثانوية.
بالإضافة إلى هذه المعايير الأربعة التي تحظى بإجماع المهنيين المختصين في اضطرابات التعلم ينضاف معيارين يضم الأول عناصر البيئة(أسرة، مدرسة..) و الثاني شروط العرض أو ما يسمى بالوضعيات العادية للتعلمات، و يجب بالتالي البحث من خلال معايير التمدرس؛ التعلم الأولى، انتظام التمدرس، ظروف التمدرس…

يفهم من ذلك بأن التشخيص الذي يستهدف تأكيد أو نفي شك تفاضلي (Différenciel) من خلال منهجية تستهدف تمييز ما إن كان الطفل يعاني من أمراض تحمل أعراضا مشابهة أو قريبة أو مطابقة لأعراض اضطرابات التعلم، و تفرض هذه المنهجية استبعاد فرضيات الأمراض أو الاضطرابات ذات الأعراض المشابهة أو التأكد من وجودها.


تعدد الاضطرابات : حقيقة أو وهم؟
أظهرت أبحاث فرق متعددة التخصصات إمكانية إصابة الشخص باضطراب خاص مع إمكانية اقترانه باضطراب آخر أو اضطرابات أخرى، و أثبتت دراسة أجريت سنة 2006 إلى 2009 بالمستشفى الجامعي “بليون”في المركز المرجعي لاضطرابات التعلم شملت 650 طفل أن:
61٪ بينهم يحملون اضطرابا واحدا.
35 ٪ يحملون اضطرابين.
4٪ يحملون ثلاثة اضطرابات.

الاضطرابات الخاصة بالتعلمات :
ضمن هذه الكوكبة تظهر اولا تلك التي تكشف عن نفسها عند مواجهة التعلمات المدرسية، و يتعلق الأمر بالاضطرابات التي تحيل على عدم القدرة أو الصعوبة الكبيرة التي يعاني منها الأطفال عند حاجتهم للاستجابة للانتظارات المدرسية، و لأجل هذا تم إدراجها تحت تسمية الاضطرابات الخاصة بالتعلمات التي تعبر عن عدم القدرة الكلية أو الجزئية لإعادة تكوين شبكات عصبية جديدة و تدويرها لخلق مهارات جديدة من خلال التعليم(التكرار، التدريب، التمارين…) تعلم الكتابة، الإنتاج الكتابي (كالإملاء)، و هي عموما:

اضطرابات اكتساب القراءة (ديس ليكسي).

اضطراب الإملاء (ديس اورطوغرافي)

اضطراب العد أو الحساب(ديس كالكيلي)

اضطراب المهارات الحركية النتاتجة عن التعلمات المدرسية (تسطير،تقطيع، رسم، كتابة..) أو ديس غرافي.

و يمكن لهذه الاضطرابات أن تكشف عن نفسها عبر عدة تشخيصات و أن تشارك في عدة متلازمات.
إن إثبات عدم القدرة على اكتساب اللغة المكتوبة أو بعض المهارات أو مفهوم العدد التي يقوم بها التلميذ أو تلك المُنتظرة ممن يتملكون نفس مستوى تفكيره و تمدرسه يشكل العلامة الظاهرة أو عَرَض Symptôme الخلل. لكن ما هو؟ و على أي مستوى يتوقع؟.


إذا كانت هذه التعلمات المدرسية تستلزم اقتران أو توليف أو إعادة تنظيم عدة شبكات عصبية، فإن فشل أحد هذه التعلمات يمكن أن يعزى إلى ضعف أحد أو جل أو كل الأنظمة الفرعية المعنية.
لكن لا يجب المبالغة في استخدام كل هذه الأعراض و كأنها اضطرابات لأنها لا تمثل إلا محصلة الملاحظة على مستوى السلوك بالمعنى الذي يعطيه الأخصائي النوروسيكولوجي للقصور و الذي تقع عليه مسؤولية تحديده، و لهذا يتعين وجوبا بعد الكشف عن الأعراض البحث عن الميكانيزم المسبب و التساؤل؛ لماذا لا يتمكن هذا الطفل من الكتابة أو القراءة أو العد…. أخدا بعين الاعتبار سنه و التمارين التي خضع لها و مستواه الدراسي… هذه هي الأسئلة التي تشكل بوابة الدخول إلى منهجية التشخيص.
مثال :
لا يعرف الطفل القراءة كأقرانه “dyslexie symptôme “لأنه يعاني من قصور في تحديد أصوات الكلمات ذات الحروف المتشابهة، فهل سنتحذث عن ديسليكسيا صوتية Dyslexie phonologique أو اضطراب نورو-عصبي يعرقل اكتساب القراءة الانسيابية و نستنتج بأن الأمر يتعلق بديسليكسيا بصرية انتباهية Dyslexie visuo-attentionnelle… بالنهاية؛ فقط إجراء التشخيص يمكن تحديد نوع التأهيل الذي يفرضه التكييف البيداغوجي، إذ لا يمكننا اقتراح نفس الترتيبات المدرسية للديسكيكسيا الفونولوجية و الديكسليكيا البصرية الانتباهية و الديسليكيا المختلطة.


أعراض اضطراب التعلم/تشخيص اضطراب التعلم.


اقترحت Mazeau et all توضيح الأمور و تمييز اضطراب التعلم كأعراض عن اضطراب التعلم كتشخيص باعتبار الأولى نتيجة للثانية، كأن يكون مثلا القصور الدائم في القراءة نتيجة لاضطراب التمييز الصوتي أو اضطراب نورو-بصري أو اضطراب بصري انتباهي. فماذا نفعل باستنتاج يصف الاضطراب بالحدة إذا كانت الآليات الكاملة المسببة للاضطراب غير واضحة و دقيقة.


بالنسبة للاساتذة:
بالنسبة للأستاذ فإن الأمور أكثر تعقيدا (Mazeau Et all) فإذا كان التمييز بين الأعراض و التشخيص من اختصاص المهنيين لتحديد الاضطراب فإن أي تعامل معكوس يكتسي خطورة بالغة بسبب الخلط بين صعوبات ظرفية كامنة في سيرورة عادية أو صعوبة مستمرة نتيجة أسباب بيئية و وضعية سوسيوثقافية هشة أو رعاية اجتماعية ضعيفة أو منعدمة من جهة و بين اضطرابات معرفية داخليةintrinseque لذى الطفل من جهة أخرى.
و بالتالي فإن أي صعوبة في اكتساب الآليات الأولية للقراءة لا تعني حتما وجود اضطراب تعلم.
و لذى يستلزم الأمر وجوبا لجوء الأستاذ أولا إلى الدعم البيداغوجي و مضاعفة التمارين و إرساء وصاية تعليمية حسب الفروق الفردية لكل حالة.
فإذا تمكن التلميذ من تحقيق متوسط الإنجازات المنتظرة أو على الأقل تحقيق تقدم ملموس يقربه من العتبة المطلوبة في بضعة أشهر، يصبح من المنطقي استنتاج بأن الأمر يتعلق بصعوبات.
و بالمقابل إذا ظلت إجراءات و محاولات الدعم البيداغوجي الذي يقدمه الأستاذ المشرف على قاعة الموارد للتأهيل و الدعم بدون ادنى نتيجة ملموسة لعدة أشهر و بدون نجاعة وظيفية يمكن أن نتحدث عن أعراض اضطراب تعلم(DYS Symptômes) ، و يمكن لهذا الاحتمال أن يشكل دافعا قويا لاتخاذ قرار التماس خدمات القطاع الصحي/التأهيلي من أجل تقييم يتوخى التشخيص.

شروط التشخيص الحقيقية:
من أجل إجراء تشخيص ناجع يجب الكشف عن الميكانيزمات أو السيرورات(processus) المسؤولة عن الاضطرابات (و سيشكل ذلك موضوع البيان Bilan المنتظر القيام به) اي التحديد الدقيق للعجز الذي أصاب مختلف الوظائف المفترض وجودها كمسببة لأعراض الاضطراب DYS symptômes. و بدون الدخول في الاعتبارات النظرية المعقدة بقدر معارفنا حول الوِظافة العصبية رغم التقدم الذي أحرزته العلوم العصبية ووالنوروسيكولوجية فإن ما يهمنا في هذا المقام هو تحديد بعض المعطيات المهمة ذات العلاقة بالوظافة المعرفية و نتائج المستجدات التطبيقية المرتبطة بمسألة اضطرابات التعلم.
و بالتالي فإن مسألة إجراء التشخيص تشبه تحقيق الشرطة القضائية الذي يعتمد على طرح الأسئلة المناسبة و الكشف عن المؤشرات المهمة و تفاذي المشوشات و وضع الفرضيات المقنعة و تجنب السبل المضللة.
كل هذا من أجل الإجابة على السؤال ما هو السبب؟ (التشخيص) و كيف يتسبب؟ (الميكانيزمات التي تربط التشخيص بالأعراض).
و لا يمكننا في هذا السياق الاشتغال بعيدا عن البروتوكولات المعدة سلفا و البطاريات و الاختبارات من أجل إيجاد أجوبة على الأسئلة المطروحة المتعلقة بهذا الطفل أو ذاك مع مراعات الخصوصية الفردية لكل منهما و إرساء معالم الطريق الذي سيلتزم من خلاله المهنيون في مسارهم التدخلي.
إحباط فخاخ التشخيص:
على طريق التشخيص تنتشر فخاخ كثيرة؛ فشكاية الأولياء أو الأساتذة المرتبطة بصعوبات الكتابة و التي يمكن أن تحيل على عسر الحركة dyspraxie يجب فحصها بعناية لمعرفة إن كان الأمر يتعلق باضطراب أولي أو ثانوي لاضطراب آخر و في هذه الحالة يجب البحث على هذه الاضطرابات الأخرى، إذ يمكن لعرض symptôme أن يخفي عرضا آخر.
إذن لا يجب ألا تقتصر الاستراتيجية المعتمدة على قائمة اختبارات ترابية بل على شجرة قراراتية Arbre décisionnel بمنهجية عقلانية و فرضيات استنباطية.

من يقود تحقيق التشخيص؟


إن قيادة و إرساء بيان Bilan يحترم المبادئ التي نتحدث عنها و يسعى إلى إفشال الفخاخ الكثيرة التي تعترض مسار التشخيص تفرض إيلاء انتباه خاص من طرف المهنيين المعنيين بالأمر الذين يتقدمهم بدون شك الأخصائي النوروعصبي le neuropsychologue دون أن ننسى مهنيين آخرين معنيين باضطرابات التعلم كالنوروبيدياطر neuropediatre و أطباء التأهيل و البيدوبسيكياطر pedopsychiatre و الأخصائيين النفسيين المدرسيين psy-scolaire و أطباء المدارس و أخصائيي التأهيل (مقومي النطق ،و أخصائيين النفسي-حركي و أخصائيي العلاج الوظيفي…..).
لكن تفاوت التجربة و الخبرة لذى هؤلاء المهنيين على اختلاف اختصاصاتهم يفرض الحاجة إلى دعمهم بالتحفيز و التشجيع و التكوين.

مستجدات