أسباب الفشل الدراسي أو فشل المدرسة؟


يوسف العزوزي:
رغم استعمال مفهوم الفشل الدراسي من طرف كل شركاء المدرسة, لكن يصعب تعريفه لأنه مفهوم نسبي يرتبط بعوامل خارجية و فردية تخص كل شخص على حدا، و كذا حسب الجيل و الثقافة و المرجعية و الوسط السوسيو- ثقافي.
لمفهوم الفشل قيما متمايزة (Siaud- Facchin2008) ، بالنسبة للمؤسسة المدرسية فإن عتبة النجاح هي التي تحدد الفشل الدراسي تبعا للتقييم (الامتحان) الذي يعكس صعوبة التمكن من البرنامج الدراسي و إكراهاته ( Drouin2008).
كما يمكن تعريفه من وجهة نظر التلميذ الذي يعتبر أنه مهما بذل من مجهودات فلن يتمكن من النجاح. أو وجهة نظر الآباء و الأمهات و شعورهم بالفشل بالمقارنة مع انتظاراتهم و أملهم بنجاح أبنائهم و استكمالهم لدراستهم في المرحلة الابتدائية أو ما بعدها.
و لمزيد من التوضيح يجب تمييز الصعوبة الدراسية عن الفشل الدراسي، لأن الصعوبة عابرة و الفشل معيق للنجاح،كما أن الصعوبة عادية بل احيانا مفيدة، إذ لا وجود لمسار دراسي بدون صعوبات، بل إن تجاوز الصعوبات يشكل جانبا مهما من التعلم.
بالنسبة لبعض الباحثين (Célestin 2008)يرتبط مفهوم الفشل الدراسي بالاضطرابات كما يرتبط ضمنيا بصعوبة اكتساب المواد الدراسية و الاضطرابات الذهنية و الانفعالية و العلاقاتية التي تؤثر على سيرورة التعلمات و المسار الدراسي برمته.
و كيفما كان التعريف الذي اتفق عليه، فإن معاناة الأطفال و أوليائهم مع الفشل الدراسي و ما يشكله من قلق تظل بعيدة عن المدرسين.
لكن؛ ألا يعني الفشل الدراسي بأن المدرسة هي الفاشلة، لأن إسناد الفشل للدراسة يضعنا أمام فشل المدرسة (Delvolvé2010).
فإن غادر التلاميذ المدرسة متدمرين من التعلم، فهذا يعني أن المدرسة فشلت. و إن كان التلاميذ يهتمون باجتياز السنة أكثر من اهتمامهم بما سيتعلون في هذه السنة، فهذا يعني أن المدرسة أخفقت في رسالتها، و بالتالي فإن التفكير في تجاوز الفشل المدرسي لا ينبغي أن ينصب على التلميذ أو المسارعة في إضفاء الطابع الطبي على مشاكله بل يجب أن ينصب على المدرسة برمتها و منظومتها و وظافتها ، لأن التركيز على التلميذ سيترتب عنه إعادة إنتاج المزيد من الفشل.


@أسباب الفشل المدرسي:
إذا كان تعريف الفشل المدرسي يتميز بالصعوبة فإن البحث عن أسبابه يتسم بالتعقيد نظرا لتعدد هذه الأسباب و كثرة التفسيرات التي تتوخى فهم ما يعيق التلاميذ في مسارهم، لكن ذلك لا يمنع من إرساء تصنيف يمكن أن يميز ثمانية أسباب رئيسية قد تتقاطع فيما بينها في سيرورة فهم صعوبات كل تلميذ.

1.القدرات الذهنية :
قد تفسر القدرات الذهنية بالنسبة للبعض الفشل الدراسي، فقد يفشل التلميذ حسب هذا الطرح لأنه غير ذكي. و عزز هذا المفهوم انتشار استعمال اختبارات معامل الذكاءQI الذي اختزل الذكاء في نتائج الحساب الرياضي. لكن دون نكران الفرق الفردية تفرض القابلية للتعلم نفسها بالنسبة لكل المتعلمين كقاعدة لكل البرامج التي تتصدى للفشل الدراسي، و يجب وضعها في صلب مرافقة هؤلاء التلاميذ.


2 اضطرابات التعلم Les dys :
تصاعدت في السنوات الأخيرة وثيرة تشخيص اضطرابات التعلم (القراءة ،الكتابة،الحساب، الإملاء..) و هي تحمل نفس أعراض الصعوبات التي يطرحها الإكراه اليومي الذهني، و توشك أن تسم étiqueter كل التلاميذ الحاملين لهذه الصعوبة و ترمي بهم في سلة الفشل الدراسي.
و تشرك المقاربة الطبية التي لا يجب استعجالها لأول وهلة عدة متدخلين في التأهيل الخاص حسب تشخيص كل اضطراب.
فإذا أثبت التشخيص الاضطراب يمكن للآباء المطالبة بترتيبات مدرسية كالتكييف البيداغوجي و /أو زمن إضافي في المراقبة المستمرة و الامتحانات الإشهادية للتقليل من حدة الفشل المدرسي.


3.الاضطرابات العاطفية و النفسية :
غالبا ما تقترن الصعوبات المدرسية باضطرابات عاطفية كما أوضح Geddes1012 لأن التجارب الاجتماعية و الانفعالية تؤثر على السلوك بالمدرسة، و يمكن أن يكون لها انعكاسات على التعلمات.
فالمشاكل الشخصية و الأسرية أو تلك المتعلقة بالاندماج داخل جماعة القسم أو اكتئاب أو قلق المتعلم يضعف استعداده لاكتساب المعارف و يشوش على سيرورات المعرفية، و يحول دون قيامه بالمهام المدرسية. إذ يمكننا حينها أن نعتبر التلميذ “خارج اللعبة” بسبب وضعيات خارج المدرسة لكنها مزعزعة للاستقرار Viville et Depeker 2014.
إذن يجب على الأستاذة أن يأخدوا بعين الاعتبار الوضعيات الاجتماعية (الطلاق، الصعوبات الأسرية العابرة، الصراع الأسرى..). و في هذا السياق يجب على الاستاذ أن يتسامح مع لحظات “حزن التلميذ” و “العواصف العاطفية” التي تضرب وضعته العائلية و يفهمها و يتفاعل معها إيجابا (Chupin2013) من خلال جعل المدرسة فضاءا للأمن طيلة فترة المعاناة الأسرية.
كما يمكن للتنمر بين التلاميذ أن يضع التلميذ في وضعية صعوبة التعلم. و يمكن أيضا للتلميذ أن يعاني من” الخوف من التعلم” الذي يضعه في وضعية الفشل أمام أقرانه Biomore 2014.
يحتاج هؤلاء التلاميذ إلى اكتساب الثقة في النفس و تقدير الذاتProt 2010. إذن يجب على المدرسين خلق مناخ يسمح بتعزيز الصورة عن الذات و الوعي بأثر الوضعيات التي يجتازها التلميذ، لحاجة هذا الأخير إلى الأمن الداخلي و الخارجي الكافي للعودة إلى ذاته و من تم العودة إلى اكتساب تعلماته.

4 الوسط السوسيو ثقافي :

تؤكد الدراسات بأن الفشل الدراسي يصيب فئات عريضة من التلاميذ المنحدرين من أسر تعاني من الهشاشة السوسيو ثقافية “الإعاقة الثقافية”، إذ يرتبط المصير الدراسي بالمستوى التعليمي لأولياء الأمر أكثر من ارتباطه بمعايير أخرى كالفئة السوسيو مهنية أو الدخل الأسرى Wahl2007.
فالأطفال المنحدرون من أوساط سوسيو ثقافية هشة يعانون من صعوبتين أساسيتين عند دخولهم للمدرسة:
أ) هم غير مستعدين للتعلم لأنهم لم يحصلوا على المعلومات الضرورية لفهم رهان المدرسة.
ب) نظرا للخصوصية اللغوية لهذه الفئة التي يصطدم أطفالها بلغة مدرسية غريبة عنهم، لكن نجاحهم رهين بتملكها و التواصل بها.
و بالتالي فإن رهان اكتساب التعلمات محكوم بتجاوز هذه الإعاقة الثقافية.

5الاسرة:
بالنسبة للبعض فإن الاسرة مُذنبة coupable إما لأنها لم تعط الطفل رأسمال ثقافي (وراثة سيئة) أو لم تعطه رأس مال ثقافي(تربية سيئة). و هذا ما قد يمكن المدرسة من لُعبة تحويل الفشل المدرسي إلى فشل تلميذ أو فشل أسرة و إلصاق التهمة بالطفل أو اسرته Martinez2008.
و لكن من شان إرساء علاقة تعاون بين المدرسة و الأسرة أن يتيح إمكانية تجاوز هذه الصعوبات. فدور الأسرة يتمثل اولا في منح إطار يسمح للطفل بالنمو بأمن و أمان، و ليس من أولوياتها لعب دور المدرسة المنزلية لاستدراك التأخر الدراسي، لكن أولوياتها هي منح أسلوب الحياة الصحيحة الذي يمكن الطفل من الاستعداد الجيد لاكتساب التعلمات.
إذن يمكن للفشل الدراسي أن يكون تعبيرا عن إطار تربوي مختل و ظروف مادية غير مستقرة، في هذا السياق أكدت عدة أبحاث على أهمية الأبعاد المادية و العاطفية و الانفعالية في التعلم، لأنها تساعد عل بذل المجهود الانتباهي و دعم الإرادة و التحفيز.
أحيانا يقوم الآباء بمقارنات قاتلة للطفل مع أخواته و إخوانه أو زملاء قسمه و أقرانه.. و تتجلى خطورة ذلك في سجن الطفل في المكانة التي يشعر أنه مجبر على التواجد فيها Faber2013. لكن بعض الأطفال يفضلون اختيار الفشل الدراسي ما دام يسمح لهم بالتمايز عن إخوتهم أو زملائهم و الحفاظ على هويتهم الخاصة، إذن يمكن للمقارنة أن تعرقل التعلمات.

  1. فشل المدرسة:
    يرتبط الفشل المدرسي بمنتوج المنظومة التعليمية، بمعنى أن الفشل الدراسي ما كان ليكون لو لم تكن المدرسة، إذن وجب على هذه الأخيرة أن تتحمل جانبا من مسؤلية إنتاج الفشل.
    من هنا نستنتج بأن المدرسة غير قادرة على الاستجابة الملائمة لحاجيات بعض التلاميذ بسبب تصلب تنظيمها و نظمها و دورها و لا مبالاتها اتجاه الاختلافات و تقييمها.. بعبارة أخرى فإن المدرسة تنتج الفشل لأنها لا تعرف كيف تهتم بكل تلاميذها. فالمدرسة تكشف عن الهوة الثقافية بتجنيسها و إقصاء أولئك الذين يوجدون أسفل هذه الهوة Bonnery 2007.
    و غالبا ما تنجح المدرسة في التملص من مسؤوليتها في الفشل المدرسي تاركة التلاميذ و الأسر يعتقدون بأنهم المعنيون، و تتصرف و كأنها طرف خارجي يتعاون كباقي الشركاء في تقديم المساعدة للتلميذ أو الأسرة في إيجاد حل لمشاكلهم (و كأنها ليست طرفا أساسيا في هذا المشكل).
    و رغم ذلك يذهب Curonici 2010 إلى ضرورة الخروج من السببية الأسرية للدخول في تفكير نسقي يعتبر أن أعراض صعوبات الأطفال ليس لها معنى إلا داخل السياق الذي توجد فيه و هو المدرسة.

7 تأثير المدرس \تأثير المدرسة:

لكي نفهم “تأثير المدرس” يجب أن نفترض بأن المدرسة غير موجودة كمؤسسة و ان الحقيقة الموجودة هي؛ هنا و الآن بين مدرس و تلاميذه حيث تقترن قيمة التعليم بقيمة المعلم و شخصيته و تجربته و قدرته على خلق الحماس و الصمود و التعاطف و تحريم السخرية و الاستهزاء و الإهانة، و منح المتعة لبدل المجهود من أجل النجاحWahl2007. بالنهاية يجب أن نعترف بوجود مدرس جيد و مدرس سيء و هذا الأخير عامل في الفشل الدراسي.
المدرس هو سيد قسمه في مواقفه، اسلوب تدريسه، تقييمه و تدبير حصصه (مناخ القسم). و يسمح تأثير المدرس بإحداث قطيعة مع المفهوم الجامد الذي يربط الفشل الدراسي بالمستوى الاجتماعي للأطفال، فقد أثبتت الأبحاث أن تقدم نتائج التلاميذ يرتبط بشكل كبير بالكفايات البيداغوجية للمدرس Wahl et Madelin2007.

و إذا كان تأثير المدرس ينعكس على تعلمات التلاميذ فإن تأثير المدرسة عامل أساسي في نجاح التلاميذ إذ أثبتت كل الدراسات بأن تأثير المدرسة لا يقل أهمية عن تأثير الوسط الاجتماعي، فالتعاون الجيد لأعضاء الفريق التربوي يمكن أن يلعب دورا مهما في الرفع من جودة إنجازات التلاميذ، لأن خلق الانسجام بين أعضاء الفريق التربوي و تبادل المعلومات و التجارب و اتخاذ قرارات جماعية مبنية على تصور بيداغوجي يمكن أن يعوض الأثر السلبي للفوارق الاجتماعية الموجودة بين التلاميذ Russo2019, و مع ذلك فإن تأثير المدرسة رغم أهميته لا يرقى إلى أهمية تأثير المدرس. على العموم، إذا كانت الأسرة غير قادرة على توفير الأمن النفسي للطفل و القيام بدورها على أحسن وجه، فيمكن للمدرسة أن تعيد إنتاج تجربة الأمن النفسي و الثقة بالنفس من خلال ممارسات كل الفريق التربوي و الإداري بالمدرسة.

8 أسباب متعددة العوامل:
لكل واحدة من هذه الأسباب أن تفسر الفشل الدراسي. و في الواقع غالبا ما تتقاطع هذه الأسباب التي يمكن وضعها ضمن ثلاثة دوائر؛ الدائرة الأولى تخص الطفل و ما يعانيه من اضطرابات، و الثانية تخص الأسرة و ظروف عيشها و الثالثة تخص المدرسة و تأثير المدرسة و عمل المؤسسة.
و تشكل مختلف هذه التفسيرات جانبا من الحقيقة، إذ يجب على الأستاذ أن ياخد بعين الاعتبار صعوبات المتمدرس و يتفهم خصوصية كل تلميذ ليجد الحلول المناسبة. لهذا فرضت المقاربة المتعددة العوامل التي تدمج دراسة العلاقات بين العوامل البيولوجية و النفسية و الاجتماعية bio-psycho-sociaux نفسها لمشروعيتها، على اعتبار أن العوامل البيولوجية /الوراثية و البيئية تحكمها علاقة تفاعل مستمرة بشكل يجعل من غير الممكن عزل كل عامل منها أو ترتيبها حسب أهمية التدخل في عنصر بمعزل عن الآخر Morel 2016.
و يبقى رهان الأستاذ هو فهم أثر هذه العوامل المسببة للصعوبات التي واجهها التلميذ. فإذا كان تأثير المدرس على الوسط العائلي و التطور العاطفي للتلميذ و على الوظيفة الانتقائية للمدرسة محدودا فإن مجال تدخله يتموقع داخل القسم من خلال وسائله البيداغوجية، إذ يسمح دوره للتلميذ بفهم الواجبات التي تساعده على النجاح المدرسي.

و اعتبر McCulloch 2006-2010 أن أي مشكل في المدرسة يعني وجود حل ممكن بالمدرسة، حتى و إن كان الطفل يعاني من اضطراب خاص و حتى إن كانت اسرته تعاني من مشاكل أو كانت البيئته الاجتماعية التي يعيش فيها هشة، لأن بالمدرسة عدة موارد ووسائل و كفايات من شأنها المساعدة في حل كل المشاكل إن توفرت الإرادة لاستثمارها بالشكل الصحيح.

المرجع :

de l’échec scolaire à la réussite.
Accompagner l élève en difficulté d apprentissage
PIERRE VIANIN

ترجمه بتصرف:يوسف العزوزي

تعليق واحد على “أسباب الفشل الدراسي أو فشل المدرسة؟”

  1. مكاوي محمد

    شكرا على هذه المساهمة الراقية لذي ملاحظة فقط ومؤداها ان الاضطرابات اوالخلل الكروموزومي لا يفضيان لوحدهما للفشل الدراسي بل لا بد من دراسة مستفيدة لجميع العوامل التي يتفاعل معها الطفل مع مودتي.مكاوي