دور الذاكرة العاملة في اكتساب التعلمات


fbthdr

يوسف العزوزي: أستاذ مشرف على قاعة الموارد للتأهيل و الدعم بمديرية تازة  /رئيس جمعية دعم التربية الدامجة و إعلام الحياة المدرسية. 

الذاكرة هي ما يضمن للفرد حفظ تاريخه و الحفاظ على شخصيته، و الاحتفاظ  بماضيه لحاضره و استحضار معرفته و معلوماته في انسجام تام مع سيرورة حياته.
و تتيح الذاكرة بالنسبة للطفل القدرة على التعلم و اكتساب المعارف لأنها تسجل  المعلومات و المكتسبات و تخزنها و تفتح المجال أمام استرجاعها و استثمارها و تطويرها أو تعديلها من خلال مكتسبات جديدة.
و علاقة بالزمن ميز الباحثون بين :
*الذاكرة الخلفية: التي تهم المعارف و الذكريات المخزونة في الذاكرة.
*الذاكرة المتقدمة: و تهم المعلومات الجديدة و تسمح بتعليمات جديدة.
*و ذاكرة الاستعداد المستقبلي: مرتبطة بالوظائف الميسرة لاستقبال أي معلومة او مهارة أو معرفة مستقبلية.
أما فيما يتعلق بمضمون الذاكرة ميز الباحثون بين الذاكرة الإجرائية (التي تخزن المعارف المرتبطة بمهارات الإنجاز) و الذاكرة التصريحية( التي تحتفظ بالمعارف و المعلومات و المعطيات).
1الذاكرة الإجرائية:
كما يدل على ذلك إسمها تعمل هذه الذاكرة على الإجراءات و القواعد الوظيفية، و يتعلق الأمر بمختلف المعارف المهارية التي تيسر الكفايات المعرفية الكبرى.
الذاكرة الإجرائية إذن هي التربة التي تُستنبت فيها كل التعلمات الحركية و اللغوية.. و لا يجب اختزالها في ذاكرة الفعل (ركوب الدراجة أو العزف على البيانو) بل يمتد الأمر إلى الإجراءات المعقدة كحل المعادلات الرياضية المعقدة. يتعلق الأمر إذا ببنية ذاكراتية مندمجة لتسجيل الأحداث و المعطيات العملية و المهارات المعرفية “savoir faire “.
2الذاكرة التصريحية:
و هي كما يدل إسمها دعامة للتعبير اللفظي باستحضارها لمجموعة من المعارف الوصفية كالكلمات و الأفكار حول الذات و حول الآخر و حول العالم بالإضافة إلى المعلومات الأكاديمية و التجارب المعاشة ، و يتمظهر نسقها من خلال اللغة.
و يمكن التمييز على مستوى الذاكرة التصريحية بين: الذاكرة الدلالية وهي مكونة من شبكة موزعة لتثبيث المعاني، و الذاكرة الأبِزودية التي تختزن مجموع الذكريات المتعلقة بكل فرد، و تمثل التاريخ و السيرة الذاتية و علاقتها بالتجارب و المعارف و العواطف.
أما عن وظائف الذاكرة فقسمها الباحثون إلى :
1الذاكرة البعيدة المدى: التي تخزن المعلومات لسنوات طويلة و تمتلك بنيات خاصة لمسكها و إعادة استرجاعها وقت الحاجة
2الذاكرةالقصيرة المدى:  ” الانتقالية أو المؤقتة” . لها بنيات خاصة تنسجم مع وظيفتها، و هي إما حسية(قصيرة جدا)  أو قصيرة المدى للتخزين المؤقت.
3ذاكرة العمل : التي تسمح بالاشتغال المعرفي على المعطيات المخزونة زمانيا  في زمن حقيقي.
و بالنهاية لا يمكن الحديث عن الذاكرة دون استحضار النسيان باعتباره إما نشاطا طبيعيا للتخلص من المعطيات الغير صالحة أو باعتباره اضطرابا للتشفير الأولى لتسجيل المعلومة او اضطرابا لاستدعاء المعلومة.
ذاكرة العمل: Mémoire de travail.
 يعتبر عدد من الباحثين أن الذاكرة الانتقالية هي الذاكرة القصيرة المدى و هي نفسها ذاكرة العمل، فيما يرى البعض الآخر أن ذاكرة العمل و الذاكرة قصيرة المدى وحدتين مختلفتين ،فرغم اشتراكهما في استقبال المعلومات لفترة زمنية وجيزة ، لكنهما على المستوى البنيوي و الوظيفي مختلفتين.

و تحافظ الذاكرة القصيرة المدى على المعلومات إلى حوالي دقيقة ، وهي  نظام و سيرورة للتخزين السلبي للمعلومات اللفظية و البصرية المكانية.
أما ذاكرة العمل فبالإضافة إلى مهمتها التخزينية فهي تحتوي على نظام لمراقبة (مدير مركزي) يسمح بالاشتغال على العدة التخزينة للمعلومات و لا تكتفي فقط بإرجاعها.
دور الذاكرة العاملة:        Rôle de la MT
تعمل الأنظمة الحسيمة على استقبال و تخزين المعلومات المخزن بها لحظيا قبل إرسالها إلى الذاكرة الانتقالية التي تتميز بمحدودية قدرتها التخزينية و يتجلى دورها في الحفاظ على العناصر المنتقاة في حالة نشاط لإنجاز مهمة معرفية ما، لحل مشكلة مثلا… هكذا تصل المعلومات المعنية إلى مختلف أنظمة المعالجة و تستوجب نجاعتها الانتهاء ببناء المعنى.
في القراءة مثلا يتم تحويل الكلمات المعزولة في زمن حقيقي إلى عناصر حاملة لمعلومات تتضح و تكبر قيمتها الدلالة شيئا فشيئا كجمل، ثم تتحول إلى خطاب أو نص ليتم تشبيك مجموع الكلمات و تخزينها ضمن بنيات الذاكرة البعيدة المدى.
كما تمثل ذاكرة العمل النظام الذي يسمح ببقاء عدد محدود من المعلومات المستقبلة مباشرة من الخارج في حالة نشطة  و وضعها في بنيات المعلومات المسترجعة من الذاكرة بعيدة المدى(MLT) وتوليفها بشكل يؤمن الاشتغال المعرفي الذي يستلزمه إنجاز العمل الزمني، ثم  عودة المعلومة المعدلة للتخزين في الذاكرة البعيدة المدى.
نموذج بادلي:
يمثل النموذج الأكثر استعمالا من الناحية العملية في الممارسات الإكلينيكية و يتأسس على نظام يقوم مبدئيا على ثلاث مكونات هي: المدير المركزي  الذي يدير الموارد الانتباهية و يراقب نظامين مساعدين ( نظام سمعي لفظي و نظام مكاني بصري) هما المكونين الثاني و الثالث، و أضاف إليهم مكونا رابعا هو السجل الأبيدوزي.

1:   الإدارة المركزية: هي وحدة مركزية التدبير و التنسيق تتفاعل مع الذاكرة البعيدة المدى و توزع الموارد المعرفية بين معالجة المعلومات و تخزينها.
2. المكون السمعي اللفظي: “الحلقة الفونولوجية“.

تعمل على المعالجة اللفظية للمعلومات من خلال تكرارها وترميزها لفظيا، و تلعب دورا مهما في القراءة و فهم اللغة و تشكل المعجم الذهني.
3.  السجل البصري: يعالج و يخزن المعلومات البصرية.
4. السجل الأبيدوزي: يعمل على التخزين اللحظي للمعلومات الحسيمة الجديدة الواردة من مصادر مختلفة و يربطها لمعالجتها في سياقها الزمني لتشكل مصدرا للوعي باللحظة الراهنة.

الذاكرة و التعلم : Mémoire et apprentissage.

قبل تخزين المعلومات يتم ضبطها و إخضاعها للمعالجة وإلحاقها بالسجل العصبي، و تشكل هذه المرحلة مدخلا إلى نظام الذاكرة و ترتبط بالنظام الحسي و الوظائف الانتباهية و التنفيذية و السن و الشخصية و الحالة العاطفية و الانفعالية و التحفيز و… و تشكل وِظافة الذاكرة أساس التعلمات و خصوصا اللغة الشفوية و المكتوبة و التعلمات الأكاديمية.
المعجم : lexique
على مستوى الكفايات اللغوية  يعتبر المعجم الأكثر ارتباطا بالذاكرة الدلالية، فغنى المعجم و دقته و جاهزيته عوامل مهمة في النجاح الدراسي.
و يقوم إرساء المعجم على التنسيق بين ذاكرة الدلالية و ذاكرة العمل، كما تقوم  الذاكرة الدلالية بتشبيك المعجم الدلالي الذي يتيح تخزين الكلمات و استرجاعها مع معانيها.
و تكون تغذية هذه الشبكة ضمنية من خلال التواصل داخل المجال الاجتماعي، أو صريحة و قصدية من خلال الوضعيات التعلمية.
انعكاس قصور ذاكرة العمل على التعلمات:

ينعكس أي قصور في الذاكرة العاملة على قدرات الذاكرة البعيدة المدى، و من شأنه التأثير على ذاكرة العمل السمعية اللفظية و ذاكرة العمل البصرية المكانية. و عندما يكون القصور شديدا فإن الاضطراب يخترق كل الأنشطة السمعية اللفظية، فعلى مستوى اللغة الشفوية يجد الطفل نفسه أمام صعوبة فهم اللغة الحوارية و التعليمات اللغوية المرتبطة بالشرح، ما يعطي الانطباع بقصور ذهني أو اضطراب لغوي دلالي، لكن الاختبارات وحدها  يمكنها التمييز بين القصور في ذاكرة العمل و الخلل الوظيفي.
و يستلزم التعامل مع اللغة المكتوبة موارد الذاكرة العاملة، فعندما يعجز الطفل عن الاستجابة لثلاثة عناصر (صوت/ حرف) و يحتفظ بها تزامنيا في الذاكرة و يجمعها و يقرؤها و يلج إلى معناها فإن الأمر يدفع إلى الشك في “عسر القراءة” ، لكن وحدها الاختبارات يمكنها إثبات السبب الحقيقي لهذا العجز.
أما القصور المتوسط في ذاكرة العمل فلا يمنع الطفل من التمدرس، لكنه قد يتسبب في فشل دراسي بسبب صعوبة الولوج إلى اللغة و الكتابة. و للتخفيف من هذا الفشل يجب العمل توفير آليات التكفل بالطفل المعني بالأمر و تدريب ذاكرته العاملة.
تدريب الذاكرة العاملة:
يتكون التدريب من تمارين بسيطة و متنوعة و ممتعة (ألعاب) مستلهمة من مهام اختبارات سمعية لفظية أو بصرية مكانيك تنطلق من قدرات الطفل و تتوخي الرفع التدريجي للعناصر المخزنة القابلة للاسترجاع مع اعتماد التكرار، و يمكن لهذه التدريبات أن تكون مع مجموعة  القسم الدراسي الموجه و المراقب من طرف أستاذة مُكوَّنين، كما يمكن الاعتماد على برامج رقمية كبرنامج Cog-Med.
و اقترح (hommes et Al) تدريبات لمدة 35دقيقة يوميا لإحراز تقدم بالنسبة للأطفال ذوي القصور في الذاكرة العاملة كما أن ستة أشهر من التدريب يمكن أن تحرز تقدما في التعلمات خصوصا في الرياضيات.

المراجع: علم النفس العصبي و اضطرابات التعلمات (ميشيل مازو) بتصرف

أترك تعليق