عبد الواحد كناش إطار الدعم الإجتماعي وباحث في علم النفس العصبي المعرفي.
محمد المير أستاذ علم النفس المعرفي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز فاس
ملخــــــــص
اهتمت هذه الدراسة بموضوع أداء مكونات الذاكرة العاملة لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد ومقارنته بأداء الأطفال الأسوياء، تمثل هدفها الأساسي في استكشاف المشخاص المعرفي الخاص باشتغال الذاكرة العاملة لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، ولبلوغ هذا الهدف تم الاعتماد على ثلاثة اختبارات سيكولوجية (اختبار سعة الأرقام العادية، اختبار سعة الأرقام المعكوسة، واختبار مهمة النمط). تشكلت عينة الدراسة من 34 طفلا من نفس السن، يتوزعون إلى 17 طفلا يتمتع بنمو نمطي و17 طفلا من ذوي اضطراب طيف التوحد. أسفرت نتائج الدارسة عما يلي: (أ) وجود قصورات واضحة في الذاكرة العاملة لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، تتمظهر هذه القصورات، بشكل واضح، في المهام التي تتطلب تدخل الذاكرة العاملة؛ سواء تعلق الأمر بحفظ وصيانة المواد المبنية على الخطاب (المعلومات اللفظية) أو تخزين وصيانة المعلومات البصرية والمكانية في الذاكرة العاملة لمدة زمنية وجيزة؛ (ب) هناك عجزا واضحا لدى هؤلاء الأطفال في المهام التي تتطلب تدخل مكونا المعالجة والتخزين بشكل متزامن في الذاكرة العاملة. وتمت مناقشة هذه النتائج على ضوء الخلاصات التي توصلت إليها الدراسات السابقة.
الكلمات المفتاحية: الذاكرة العاملة؛ اضطراب طيف التوحد، الملمح المعرفي.
Abstract
This study examines the performance of working memory components in children with autism spectrum disorder and compares them to typical children. This study aimed at exploring the cognitive profile of working memory of children with autism spectrum disorder. To achieve this goal, three psychological tests (digit span forward test, digit span backward test, and pattern task) were conducted. The sample group of participants consisted of 34 children having the same age (distributed to 17 children with typical developement and 17 with autism spectrum disorder). The outcome of this study resulted in the following: (a) There are obvious deficiencies in working memory for children with autism spectrum disorder, which are clearly manifested in tasks that require working memory intervention; whether it is related to the maintenance of speech-based materials (verbal information), Or storage and maintenance of visual and spatial information in working memory for a short period of time ; (B) A clear deficit of these children in tasks requiring simultaneous treatment and storage in working memory. The pattern of results is discussed in terms of previous studies about working memory and autism spectrum disorder.
Keywords : working memory ; autism spectrum disorder ; cognitive profile.
مدخــــــــــــل
إن الاهتمام المتزايد بتحديد اضطراب طيف التوحدAutism Spectrum disorder ، والأثر الذي يتركه في الحالة الوجدانية لعائلة الأفراد المصابين به، والعلاج والدعم الذي يتطلبه في الحياة اليومية، بالإضافة إلى التحدي المرتبط بالتمويل الذي يفرضه، كلها عوامل تجعل من اضطراب طيف التوحد، اليوم، مرضا ذا أهمية بالغة بالنسبة لمعظم الباحثين باختلاف مشارب تخصصاتهم، والساهرين على الصحة العامة وحقوق الإنسان. إن مصطلح اضطراب طيف التوحد في معناه العام يشير إلى مجموعة من الاضطرابات النورو-نمائية، التي تتحدد من خلال وجود شذوذات في ثلاثة ميادين رئيسية: التفاعل الاجتماعي، التواصل أو الاستعمال اللفظي وغير اللفظي للغة، بالإضافة إلى نمط من السلوكات والأنشطة والاهتمامات المتسم بالتكرار والنمطية والمحدودية (APA، 2000).
لقد أثار اضطراب طيف التوحد منذ بداية الخمسينيات من القرن الماضي إلى اليوم اهتمام العديد من الباحثين في مختلف ميادين البحث: كالتحليل النفسي، علم النفس العصبي المعرفي، الطب النفسي، طب الأطفال، العلوم العصبية المعرفية وعلم الوراثة العصبية للسلوك…إلخ، وذلك لما له من وقع كبير وواضح على الأسر بشكل خاص والمجتمع بشكل عام، ولما يتميز به كذلك من أعراض غريبة ومثيرة إلى حد ما. يعود تطوير مصطلح “اضطراب طيف التوحد” إلى “لونا وينغ” lorna Wing، ويحيل إلى اضطراب نمائي عصبي شديد ينتج عن نمو غير نمطي للدماغ، ولازال تشخيصه يعتمد على معايير سلوكية فقط، وذلك راجع إلى عدم اكتشاف العامل البيولوجي أو الوراثي الذي له علاقة مباشرة به.
تبعا للجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA، 2013)، فإن اضطراب طيف التوحد يشكل وحدة فريدة، حيث يعتمد تشخيصها على المعايير التالية: (أ) قصورات دائمة في التواصل والتفاعل الاجتماعي التي لا تفسر بتأخر عام في النمو؛ (ب) وجود قائمة محدودة و/أو متكررة من السلوكات، الأنشطة والاهتمامات؛ (ج) ظهور الأعراض منذ الطفولة المبكرة (لكن يمكن ألا تتمظهر بشكل تام إلا عندما تتجاوز المتطلبات الاجتماعية القدرات المحدودة للطفل المصاب)؛ (د) وجود صعوبات ومحدودية الاشتغال في الحياة اليومية للطفل. إن الأعراض السلوكية السالفة الذكر، لها ارتباط وثيق بعدد من القصورات المعرفية من قبيل: القصورات اللغوية، مشاكل في المراقبة التنفيذية، صعوبات كبيرة في استنباط الحالات الذهنية للأفراد الأخرين، والميل إلى التركيز على التفاصيل بدل التركيز على ما هو عام (Kenworthy وآخرون، 2011).
رغم أن القصورات في القدرات المعرفية لا تشكل جزء من تشخيص اضطراب طيف التوحد، إلا أن الممارسون والباحثون غالبا ما يضعون تمييزا بين التوحد ذو الأداء المتدني (بمعدل ذكاء أقل من 65 أو 70) والتوحد ذو الأداء العالي (بمعدل ذكاء أكبر من 65 أو 70)، وعلى الرغم أيضا من أن القصورات النوروسيكولوجية لا تمثل معيارا للتشخيص، فإن العديد من الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد يظهرون قصورات معرفية دالة (Habib وآخرون، 2019). تسعى الدراسة الحالية إلى تبيان مواطن الخلل في اشتغال الذاكرة العاملة function of working memory لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، إذ تندرج اشكالية الدراسة الحالية في إطار تحديد الملمح المعرفي cognitive profile الخاص بالذاكرة العاملة للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، وجرى التركيز على تقييم مكونات الذاكرة العاملة بالاعتماد على اختبارات سيكولوجية لفحص أداءهم ومقارنته بأداء أطفال يتمتعون بنمو نمطي، بغية الوقوف عند الفروقات الموجودة بين المجموعتين والخروج بخلاصات تجيب عن السؤال المركزي التالي: هل يعاني الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد من قصورات في الذاكرة العاملة أم لا؟ وإذا كانت هناك قصورات، فهل هذه القصورات تنسحب على كل مكونات الذاكرة العاملة أم أنها قصورات انتقائية أو تفضيلية، بحيث يصاب مكون محدد في الذاكرة العاملة، بينما تظل المكونات الأخرى سليمة وغير متضررة؟ وانطلاقا من الأسئلة السالفة الذكر، افترضنا أن مكونات الذاكرة العاملة كلها عاجزة لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، ولا مجال للحديث عن قصورات انتقائية.
إن معظم الأطفال الذين يظهرون ضعفا في أداء الذاكرة العاملة، يواجهون صعوبات بالغة الأهمية، خلال سنوات التمدرس داخل الأقسام الابتدائية والثانوية، في تعلم واكتساب مهارات القراءة والحساب، بحيث يجدون صعوبة كبيرة في تتبع التعليمات المقدمة لهم خلال أنشطة التعلم، التي تتطلب المعالجة والتخزين، إذ تبدو بالنسبة لهم غير مفهومة، بالإضافة إلى أنهم يجدون صعوبة كذلك في الحفاظ على الانتباه المستمر أو التركيز، بحيث غالبا ما يكون انتباههم مشتتا (Gathercole، 2008)، وبالتالي فإن ضعف التعلم الملاحظ لدى التلاميذ داخل الأنشطة المدرسية يرتبط بشكل مباشر بوجود عجز أو ضعف في ذاكرتهم العاملة. وقد أشار الباحثون إلى أنه بدون التدخل المبكر في مثل هذه الحالات، لا يمكنهم التغلب على هذه الصعوبات، إذ قد تستمر مع الأطفال المتمدرسين وتقلل من احتمال نجاحاتهم الأكاديمية على وجه الخصوص (Alloway وGathercole، 2006). ومن هنا تأتي أهمية دراسة الذاكرة العاملة في اضطراب طيف التوحد، بحيث إذا تمكن الباحثون من تحديد طبيعة وامتداد قصورات الذاكرة العاملة لدى هذه الفئة، سيوفر إمكانية مهمة للممارسين للتدخل المبكر، قصد تعديل أو تأهيل هذه الوظيفة، حتى يتمكن هؤلاء الأفراد من تطوير كفاءاتهم المعرفية والاجتماعية وتحقيق الاندماج السوسيو-مهني. وهكذا، فإن الحصول على فهم واضح وأفضل لقصورات الذاكرة العاملة لدى هؤلاء الأفراد من الساكنة العامة يعد مطلبا له راهنيته، ذلك قصد استثماره في خلق وبناء برامج تدخلية ذات فعالية في تحسين قدرات هذه الفئة، خاصة برامج التأهيل التي تعتمد على التدريب المعرفي cognitive training.
لتفسير الأعراض السلوكية التي تتمظهر عند الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد، انطلاقا من وجهة نظر السيكولوجيا المعرفية، تم اقتراح عدة نماذج تفسيرية، تتجلى أبرزها في النظريات التالية:
- نظرية عجز نظرية الذهن: The theory of mind deficit theory
تؤكد نظرية عجز نظرية الذهن أن الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد لا يمتلكون القدرة على ما يمكن أن نسميه بالتذهين mentalization أو غير قادرين على إسناد حالات ذهنية للذات واستنباط الحالات الذهنية للأفراد الآخرين (Baron-Cohen وآخرون، 1985).
- نظرية ضعف التماسك المركزي: The weak central coherence theory
تؤكد نظرية ضعف التماسك المركزي على أن الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد يظهرون أسلوبا مختلف نوعيا لمعالجة المعلومة، إذ يميل هؤلاء الأفراد إلى التركيز على الجزئيات أو المعلومات المرتبطة بتفاصيل الأشياء أو الوضعيات ومعالجتها (المعالجة المحلية Local processing) عوض الاهتمام بمعناها العام (المعالجة الشاملةglobal processing ) (Frith، 1989). ترى “أوتا فريث” وزملاؤها أن الإعاقات المعرفية الأولية أو الأساسية التي يعاني منها الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، تعود بالأساس لافتقارهم إلى ما أسمته بضعف التماسك المركزي، وهو القدرة التي تنشأ لدى الأطفال العاديين بشكل تدريجي وتدفعهم إلى جمع وتنظيم المعلومات المستقاة من البيئة المحيطة بهم، لكي يصل الفرد منهم إلى تقديم تفسير وفهم شامل للمواقف التي يواجهها، من خلال قراءة أفكار الآخرين ومقاصدهم وإيماءاتهم وغيرها من الإشارات والتلميحات البيئية المهمة (valeri وseperonza، 2009).
- نظرية اختلال الوظائف التنفيذية: The executive dysfunction theory
تعتبر نظرية اختلال الوظائف التنفيذية في التوحد من بين أهم النماذج التفسيرية، التي نجحت إلى حد كبير في تفسير المظاهر غير الاجتماعية لاضطراب طيف التوحد، المتمثلة أساسا في البعدين المعرفي والسلوكي معا. يرى رواد هذه النظرية أن كل الشذوذات التي تتمظهر لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد لها علاقة وطيدة بوجود اختلالات في أحد مكونات الوظائف التنفيذية من قبيل: التخطيط، الكبح، المرونة الذهنية، المراقبة الذاتية، التنظيم والذاكرة العاملة (Hill، 2004). إن ما يدعم هذه النظرية هو أن “دامازيو” Damasio و “مورر” Maurer (1978) قد لاحظا أن الأعراض التي تتمظهر لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد تتشابه مع الأعراض السلوكية التي يبديها الأفراد الذين يعانون من إصابة على مستوى الفص الجبهي.
تشكل الوظائف التنفيذية بناء واسعا، حيث لا يوجد تعريف واحد وموحد لها. بشكل عام، تمثل الوظائف التنفيذية مصطلح مظلة umbrella term للعديد من القدرات من قبيل: التخطيط، المبادرة، التحويل، حل المشاكل، المراقبة monitoring، المراقبة-الذاتية self-control، الكبح والذاكرة العاملة (Chan وآخرون، 2008 ؛ Jurado وRosselli، 2007). تكمن أهمية الذاكرة العاملة في كونها تلعب دورا مهما في المعرفية الانسانية بشكل عام ودورا مركزيا في الوظائف التنفيذية بشكل خاص (Habib وآخرون، 2019)، وكونها أيضا تشكل الدعامة الأساسية للاشتغال اليومي، فعلى سبيل المثال لا الحصر، حينما يكون شخص ما بصدد إجراء محادثة مع شريك معين، فهو يحتاج إلى الذاكرة العاملة بالضرورة؛ إذ ينبغي أن يتذكر ما يقال له من طرف شريكه، وفي نفس الوقت، يجب أن يفكر مليا في ما سيقوله للرد عليه (Wang وآخرون، 2017)، وبالتالي فالذاكرة العاملة هي تلك السيرورة التي من خلالها يتم الاحتفاظ بالمعلومات في حالة نشيطة on-line state لدعم الاستمرارية الزمنية للسلوك (Baddeley، 1986).
لقد حظيت الذاكرة العاملة، باعتبارها مكونا مهما من مكونات الوظائف التنفيذية، باهتمام العديد من الباحثين في مجال التوحد، إذ حاول العديد من الباحثين فحصها لدى الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد (Boucher وآخرون، 2012 ؛ Kercood وآخرون، 2014 ؛ Ya Wang وآخرون، 2017)، وأكدت مجموعة من الدراسات أن هناك ارتباطا وثيق الصلة بين قصورات الذاكرة العاملة واضطرابات التعلم (Alloway وGathercole، 2006)، والعديد من المشاكل التي لها علاقة بالتضبيط السلوكي والقصورات المعرفية التي تخص الانتباه المستمر والتفكير المجرد (Kercood وآخرون، 2014 ؛ Ozonoff وMcEvoy، 1994). وتجدر الإشارة، إلى أنه تم الإقرار أن القصورات في الذاكرة العاملة عند الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد لها علاقة بالقصورات في التواصل الاجتماعي (Gilotty وآخرون. 2002 ؛ Oliveras-Rantas وآخرون، 2012) والأعراض السلوكية المتكررة والمحدودة (Lopez وآخرون، 2005 ؛ Sachse وآخرون، 2013).
في دراسة مقارِنة لأداء الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد ذوي الأداء العالي The high-functioning autism والأطفال ذوي قصور الانتباه وفرط الحركة بخصوص تدابير التخطيط والمرونة المعرفية ومهام معرفية أخرى، تبيّن أن المشاركين ذوي التوحد العالي الأداء يواجهون صعوبات كبيرة في مهام الذاكرة العاملة (التخطيط والمرونة المعرفية) مقارنة بالمجموعة الأخرى (Guerts وآخرون، 2004). وفي دراسات مقارنة أخرى أجراها مجموعة من الباحثين Goldberg وآخرون، (2005) وLanda وآخرون، (2005) بين أفراد ذوي اضطراب طيف التوحد وأفراد عاديين وأفراد يعانون من اضطرابات أخرى، تبيّن من المقارنة بين المجموعة الأولى والثانية أن هناك انخفاض في أداء الذاكرة العاملة لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد، حيث ارتكبوا أخطاء كثيرة وأظهروا أداء ضعيفا في المهام التي تتطلب المرونة المعرفية، التخطيط، سعة الذاكرة العاملة، والذاكرة العاملة المكانية، خاصة عندما يزداد تعقيد المهمة. وتوصل “ماسيزو” Macizo وآخرون (2016) إلى أن الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد يظهرون استرجاعا فونولوجيا ضعيفا جدا مقارنة مع الأفراد الذين يتمتعون بنمو نمطي، والأكثر من هذا أنهم لاحظوا أيضا، أن الذاكرة العاملة تنمو بشكل واضح مع مرور الوقت لدى الأطفال العاديين، بينما لا يوجد هذا النمط من النمو عند الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، الأمر الذي قد يعنى أن لمتغير السن أو المراحل العمرية تأثيرا في تمظهر قصورات الذاكرة العاملة عند هذه الفئة. وهكذا، يبدو من المهم جدا الحصول على فهم واضح وأفضل لقصورات الذاكرة العاملة لدى هؤلاء الأفراد من الساكنة.
على الرغم من أن بعض الدراسات قد فشلت في تحديد قصورات في الذاكرة العاملة لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد (Morsanyi وHolyoak، 2010 ؛ Ozonoff وStrayer، 2001)، فإن العديد من الدراسات أوضحت أن الذاكرة العاملة عاجزة لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد، وهذا العجز يكون ممتدا عبر كل مناحي النمو وفي مختلف المراحل العمرية للفرد؛ أي من مرحلة الطفولة المبكرة إلى مرحلة الرشد (Luna وآخرون، 2007). في إحدى الدراسات الأولى التي حاولت تحديد الذاكرة العاملة في مجال التوحد، فحص Morris وزملاؤه (1999) الذاكرة العاملة البصرية لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد والأفراد العاديين من نفس السن ومعدل الذكاء، وذلك بالاعتماد على مهمة الغولف التنفيذية The executive golf task (اختبار يقيس تكوين الاستراتيجيات البصرية والشحنة المعرفية)، وتبين أن الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد يظهرون قصورا في الذاكرة العاملة البصرية فقط عندما تكون شحنة الذاكرة مرتفعة (من 6 إلى 8 كرات الغولف)، في حين لم يظهروا أي عجز في تكوين الاستراتيجيات البصرية. وفي دراسة مماثلة وجد كل من “لاندا” Landa و”غولدبرغ” Goldberg (2005) نفس النتائج تقريبا رغم الاختلاف في أداة القياس المستعملة، إذ اختبرا الأطفال ذوي التوحد عالي الأداء والأطفال العاديين بالاعتماد على مهمة السعة البصرية، ولاحظا بأن الأطفال ذوي التوحد عالي الأداء يرتكبون أخطاء كثيرة، لكن فقط عندما تكون شحنة الذاكرة عالية (8 بنود). غير أن بعض الدراسات لم تتمكن من الكشف عن هذا النوع من القصورات في الذاكرة العاملة البصرية (Ozonoff وStrayer، 2001).
إن السبب الكامن وراء تباين نتائج الدراسات السابقة، يمكن إرجاعه إلى كون أن هذه الدراسات لم تعتمد على مبدإ التفريق أو الفصل بين الذاكرة العاملة اللفظية والذاكرة العاملة البصرية-المكانية تبعا لنموذج Baddeley، حيث إن نموذج بادلي وآخرون (1986) يفترض أن الذاكرة العاملة تتشكل بالدرجة الأولى من: مركز التنفيذ ونظامين تابعين للتخزين؛ (1) الحلقة الفونولوجية وهو النظام المسؤول عن معالجة المعلومات المبنية على الخطاب؛ (2) المفكرة البصرية-المكانية وهو النظام المسؤول عن تحليل ومعالجة المعلومات البصرية والمكانية. إن ما يدعم هذه الفكرة هو أن الدراسات التي فحصت مكونات الذاكرة العاملة بشكل منفصل توصلت إلى نتيجة مفادها أن الذاكرة العاملة البصرية عاجزة لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد، بينما الذاكرة العاملة الفونولوجية سليمة وغير متضررة (Cui وآخرون، 2010 ؛ Williams وآخرون، 2005).
كما أن المهام التي تم اختيارها كأدوات لقياس الذاكرة العاملة في هذه الدراسات، يمكن أن يكون لها دور في تباين نتائجها، حيث أن هذه الاختبارات يمكن أن تتضمن مكونات مختلفة للمعالجة المعرفية، المتمثلة أساسا في الصيانة والتحريك manipulation، فمنها ما يتضمن الصيانة فقط، ومنها ما يشمل الصيانة والتحريك معا؛ على سبيل المثال لا الحصر، تعتبر مهمة سعة الأرقام الأمامية (العادية) digit span forward ومهمة سعة الأرقام الخلفية (المعكوسة) digit span backward اختبارات لتقييم أداء الذاكرة العاملة، غير أن الاختبار الأول يقيس مكون الصيانة، بينما الاختبار الثاني يقيس مكونا الصيانة والتحريك معا في الذاكرة العاملة (Redick وLindsey، 2013).
تأكد من دراسة ميطا-تحليلية لــ Ya Wang وآخرون (2017)، جرى التركيز فيها على دور المتغيرات الوسيطة في العلاقة بين اضطراب طيف التوحد وقصورات الذاكرة العاملة لدى ذوي هذا الاضطراب، أن هناك قصورات دالة في اشتغال الذاكرة العاملة لدى ذوي اضطراب طيف التوحد، إلا أن هذه القصورات لم تكن مرتبطة بمتغير السن ولا بمكون المعالجة المعرفية، الذي بدوره لا يؤثر على شدة هذه القصورات، وبشكل دقيق، أفضت نتائج تحليل المتوسطات إلى أن: الذاكرة العاملة البصرية-المكانية تصاب بدرجة كبيرة مقارنة بالذاكرة العاملة الفونولوجية التي تصاب بدرجة أقل حدة في بعض الحالات وتبقى سليمة في حالات أخرى. وهذه الخلاصة، تجد ما يؤكدها في دراسة حديثة العهد قام بها كل من “فنابكي” Funabiki و “شيوا” Shiwa (2018)، حيث توصلا إلى نتيجة أساسية مؤداها أن الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد لديهم قصورات رئيسية في الذاكرة العاملة البصرية، خاصة في المعالجة البصرية السريعة.
منهج الدراسة وأدواته
- عينة الدراسة
تتألف عينة الدراسة من مجموعتين؛ مجموعة ضابطة تتضمن مجموعة من تلاميذ الطور الأول من التعليم الأساسي يصل عددهم إلى 17 تلميذا وتلميذة، ويتراوح سنهم ما بين 6 و12 سنة، تم انتقاؤهم بشرط ألا يكونوا مصابين بأي مرض عضوي أو اعاقة حسية أو حركية أو ذهنية التي من شأنها أن تؤثر على أداءهم المعرفي، ومجموعة تجريبية تشمل مجموعة من الأطفال الذين تم تشخيص اصابتهم باضطراب طيف التوحد، يتراوح سنهم ما بين 6 و12 سنة، وبشرط كذلك ألا يكون لديهم اضطراب مصاحب لاضطراب طيف التوحد؛ كفرط الحركة وتشتت الانتباه أو ساندروم ريت….إلخ.
- أدوات الدراسة
اعتمدنا في هذه الدراسة على ثلاث مقاييس في شكل اختبارات كفيلة بقياس مكونات الذاكرة العاملة للأفراد العاديين و المرضى على حد سواء، تبدأ باختبار الأرقام المعكوسة الذي يوظف لقياس قدرة الذاكرة العاملة على المعالجة والتخزين بشكل عام، ويتم استخدامه كذلك من أجل قياس مركز التنفيذ على وجه التحديد، ثم اختبار سعة الأرقام العادية الذي تم توظيفه لتقييم الحلقة الفونولوجية أو الذاكرة العاملة السمعية، وتنتهي باختبار مهمة النمط لـ Wilson الذي يستعمل في تقييم المفكرة البصرية-المكانية، وللإشارة هنا، أن هذا الاختبار يوظف عادة لتقييم السجل البصري بشكل محدد، لأن الدراسات التجريبية الحديثة في علم النفس العصبي تتيح إمكانية التمييز أو الفصل بين السجل البصري والسجل المكاني، الذي يقاس عادة بالاعتماد على اختبار “مكعبات كورسي”.
- الأساليب الإحصائية
اعتمدنا في معالجة المعطيات احصائيا على برنامج STATISTICA، حيث عملنا على حساب المتوسطات والقيم الدنيا والقيم القصوى والفروق النمطية لكل مجموعة على حدة. بالإضافة إلى التحليل العاملي لعلاقات الترابط بين أداءات الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد في مختلف الاختبارات.
نتائــــج الدراسة
- المتوسطات والقيم الدنيا والقيم القصوى والفروق النمطية لكلا المجموعتين.
جدول رقم (1): المتوسطات والقيم الدنيا والقصوى والفروق النمطية الخاصة بأداء الأطفال العاديين.
| الحد الأدنى | المتوسط | الحد الأقصى | الفارق النمطي | ||
| ســــعة الارقام العادية | 2 | 3,82 | 5 | 1,01 | |
| سعة الارقام المعكوسة | 1 | 2,64 | 4 | 0,93 | |
| مهمــــــة النمـــــــــط | 1 | 7,60 | 13 | 3 | |
جدول رقم (2): المتوسطات والقيم الدنيا والقصوى والفروق النمطية الخاصة بأداء الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد.
| أدنى حد | المتوسط | أقصى حد | الفارق النمطي | |
| ســـــعة الارقام العادية | 00 | 1,17 | 3 | 1,01 |
| سعة الارقام المعكوسة | 00 | 0,5 | 2 | 0,62 |
| مهمــة النمــــــــــــط | 00 | 0,8 | 2 | 0,66 |
انطلاقا من الملاحظة الأولية للمعطيات الرقمية المتوصل إليها في الدراسة، يظهر بشكل واضح أن هناك فرقا جليا في أداءات الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد مقارنة بأقرانهم الأسوياء في اختبارات تقييم الذاكرة العاملة، بحيث كان الحد الأدنى لأداء الأطفال الأسوياء في اختبار سعة الأرقام العادية (2) ووصل الحد الأقصى إلى (5) ومتوسط الأداء (3,82)، في حين كان الحد الأدنى لأداء الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد في نفس الاختبار (0) والحد الأقصى (3) وبلغ متوسط الأداء (1,17). أما فيما يخص اختبار سعة الأرقام المعكوسة، فقد كان الحد الأدنى لأداء الأطفال الأسوياء (1) والحد الأقصى (4) وبلغ متوسط الأداء لهذه الفئة إلى (2،64)، بينما كان الحد الأدنى لأداء الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد في نفس الاختبار (0) والحد الأقصى (2) والمتوسط بلغ فقط (0,5). وفي اختبار مهمة النمط فقد كان الحد الأدنى لأداء الأطفال العاديين (1) والحد الأقصى (13) وبلغ متوسط الأداء للأطفال الأسوياء في مهمة النمط (7,60)، غير أن الحد الأدنى لأداء الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد كان (0) والحد الأقصى (2) وبلغ متوسط الأداء لدى هذه الفئة فقط (0,8) (أنظر الجدولين (1) و(2)).
بناء على مقارنة متوسطات الأداء بين الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد والأطفال العاديين في اختبارات تقييم الذاكرة العاملة، يبدو واضحا أن الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد قد أبانوا عن أداء ضعيف في المهام التي تتطلب الذاكرة العاملة، سواء تعلق الأمر بصيانة المواد اللفظية أو المواد البصرية والمكانية أو المهام التي تتطلب المعالجة والتخزين، كما هو الشأن في اختبار سعة الأرقام المعكوسة مقارنة مع نظرائهم العاديين الذين سجلوا أداء جيدا في كل المهام التي قدمت لهم، الأمر الذي يفيد وجود قصورات في الذاكرة العاملة لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، وهذا الأمر قد يعد من بين العوامل التي تجعل ذوي اضطراب طيف التوحد يواجهون صعوبات في تخطيط السلوك، المرونة الذهنية، السلوك التكيفي، القدرة على الاستدلال والتفكير المجرد. بالإضافة إلى مواجهة صعوبات كبيرة في اكتساب المهارات الأكاديمية كالقراءة والكتابة والحساب التي تتوقف بالأساس على مدى فعالية وقدرة الذاكرة العاملة، حيث من المؤكد أن أي ضعف في أداء الذاكرة العاملة ينعكس سلبا على اكتساب المهارات والمعارف بشكل خاص وعلى فعالية الجهاز المعرفي (الذهن) بشكل عام. بشكل مختصر، تتمثل أهم نتائج الدراسة الحالية في ثلاث خلاصات أساسية: (1) يعاني الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد من قصور في المفكرة البصرية-المكانية؛ (2) يعاني الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد من قصور في وظيفة الحلقة الفونولوجية. (3) يعاني الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد من قصور واضح في اشتغال مركز التنفيذ.
- التحليل العاملي لعلاقات الترابط بين أداءات الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد في مختلف الاختبارات.
الجدول رقم (3): مصفوفة الترابطات بين أداءات الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد في مختلف الاختبارات.
| سعة الأرقام العادية | سعة الأرقام المعكوسة | مهمة النمـــــــــط | |
| ســــــعة الأرقام العادية | 1 | ||
| سعة الأرقام المعكوسة | 0,90 | 1 | |
| مـــــهمة النمــــــــط | 0,75 | 0,74 | 1 |
انطلاقا من مصفوفة الترابطات يتضح أن هناك علاقة ارتباط قوية بين أداءات الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد في مختلف الاختبارات المستعملة في تقييم الذاكرة العاملة، الأمر الذي يعني أن أداء الأطفال متقارب جدا في كل الاختبارات، فمن خلال الجدول رقم (3) يتضح أن درجة الارتباط بين أداء الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد في اختبار سعة الأرقام العادية واختبار سعة الأرقام المعكوسة كانت هي (0,90)، معناه أن الحلقة الفونولوجية ومركز التنفيذ يتضرران بنفس الدرجة تقريبا لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد. أما فيما يخص درجة الارتباط بين الأداء في اختبار سعة الأرقام العادية واختبار مهمة النمط كانت هي (0,75)، الأمر الذي يدل على أن المفكرة البصرية-المكانية تتضرر هي الأخرى بنفس الدرجة التي تتضرر بها الحلقة الفونولوجية، وإن كان الأداء الضعيف للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد يتمظهر بشكل واضح في اختبار مهمة النمط مع تزايد تعقيد المهمة، نفس الأمر ينطبق على درجة ارتباط الأداء في اختبار سعة الأرقام المعكوسة واختبار مهمة النمط، بحيث نلاحظ أن درجة الارتباط هي نفس الدرجة الموجودة بين الأداء في اختبار سعة الارقام العادية والأداء في مهمة النمط. وبالتالي نستنتج مما سبق، أن القصورات التي تلحق مكونات الذاكرة العاملة لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد تكون بنفس الدرجة تقريبا.
مناقشــــة النتائج
يتبيّن بشكل واضح وجود قصورات في الذاكرة العاملة، على الأقل في المكونات الثلاثة التي فحصناها، لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد. فالفروقات الإحصائية الملاحظة في أداء الأطفال ذوي اضطراب التوحد مقارنة بالأطفال الأسوياء، قد تكون ناتجة عن النمو غير النمطيatypical developement للبنيات العصبية التي تسند النشاط الذهني المتعلق بمكونات الذاكرة العاملة، خاصة، أن أنماط التنشيط العصبي لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد مختلفة بشكل دال عن أنماط التنشيط لدى الأطفال العاديين (Vogan وآخرون، 2018)، التي تؤدي إلى اختلالات معرفية تتمظهر أساسا في ضعف المرونة الذهنية وغياب الاستدلال، وصعوبة في التفكير المجرد، بالإضافة إلى صعوبة في حل المشاكل الحسابية البسيطة جدا.
من الملاحظ، أن هناك فروقات في الأداء بين الأطفال الأسوياء والأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد في اختبار سعة الأرقام العادية، إذ اتضح أن الأطفال الأسوياء كانوا أدق وأسرع في عملية حفظ واسترجاع الأرقام العادية، بينما الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد كان مستواهم ضعيفا، خصوصا عندما يزداد تعقيد هذه المهمة، وهذا يدل على أن الحلقة الفونولوجية عاجزة، وهو المكون الذي تسند إليه مهمة الاحتفاظ المؤقت بالمعلومات اللفظية أو اللسانية، وذلك استنادا إلى التكرار الذهني الذاتي والترميز الفونولوجي، وتتدخل خصيصا في التخزين اللحظي أو المؤقت للمثيرات الصوتية أو المسموعة. وبالتالي، إن قصور هذا المكون يمكن اعتباره عاملا من بين العوامل التي تلعب دورا مهما في جعل الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد يواجهون صعوبات كبيرة على مستوى السلوك التكيفي، والتي تجعلهم يدخلون في وضعية اللاتواصل، حيث إن عملية التواصل السليمة تتوقف بالضرورة على سلامة الحلقة الفونولوجية وفعاليتها، الشيء الذي يفتقدون إليه الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد.
إلى جانب ذلك، هناك فروقات واضحة في أداء الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد في اختبار سعة الأرقام المعكوسة بالمقارنة مع أقرانهم الأسوياء، بحيث سجلت الفئة الثانية أداء عاليا، وكانت كذلك أدق وأسرع في عملية حفظ ومعالجة واسترجاع الأرقام المعكوسة، في حين سجلت الفئة الثانية أداء ضعيفا جدا في هذه المهمة، ويتمظهر هذا الأداء الضعيف بشكل واضح عندما يزداد تعقيد هذه المهمة، الأمر الذي يفيد وجود عجز واضح في مركز التنفيذ لدى هذه الفئة. وإذا كان مركز التنفيذ يعتبر نظاما غير متخصص يسمح بتدبير عمليات الذاكرة العاملة وإجراءاتها المتمثلة أساسا في تحويل المعلومات ومعالجتها وتنسقيها والمسؤول عن توزيع الموارد الإنتباهية بين معالجة المعلومات وتخزينها، وينسق بين مهمتين تنجزان في نفس الوقت مع إعطاء الأولوية لواحدة منهما على حساب الأخرى، حسب ما تقتضيه كل مهمة على حدة. ويعمل مركز التنفيذ على كف المفعول المشوش للمثيرات غير الملائمة، لكونه يتمتع بالقدرة على التركيز الانتقائي على مثير دون المثيرات الأخرى، فإن الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد يفتقدون إلى هذه القدرات للنجاح في اختبار سعة الأرقام المعكوسة، حيث فشلوا في الاحتفاظ بالمادة المقدمة لهم وصيانتها التي تتطلب بالضرورة تدخل مركز التنفيذ، إذ يتطلب من المبحوث في هذا الاختبار معالجة المعلومات وتخزينها واسترجاعها بشكل معكوس تبعا لتعليمات الباحث، الأمر الذي يعجز عنه الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد نتيجة إصابة مكون مهم من مكونات ذاكرتهم العاملة ألا وهو مركز التنفيذ، وبالتالي يمكن القول إن القصور في مركز التنفيذ يمكن أن يكون من بين العوامل التي تجعل الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد يواجهون جملة من المشاكل في عدة مستويات؛ من قبيل: تخطيط الفعل، التفكير المجرد، المرونة الذهنية.
بالنسبة للمفكرة البصرية-المكانية، تبين أنها عاجزة هي الأخرى؛ حيث إن الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد لم يتمكنوا من اجتياز هذا الاختبار بنجاج، وهذا راجع إلى كونهم يجدون صعوبة في التعرف على الخانة الناقصة وتحديدها بشكل صحيح. بمعنى آخر، إذا كانت تسند للمفكرة البصرية-المكانية، تبعا لنموذج بادلي، مهمة الاحتفاظ المؤقت بالمعلومات البصرية والمكانية الواردة من العالم الخارجي، فإن الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد لا يستطيعون الاحتفاظ بالمعلومات البصرية و/أو المكانية التي تلج نظامهم المعرفي، الأمر الذي يمكن أن ينتج عنه مشاكل على مستوى التوجه في المكان والتعرف على الوجوه والأشكال. وهناك معطيات تشير إلى أن ذوي اضطراب طيف التوحد يعانون من عجز واضح في التعرف على الوجوه والأشكال والتمييز Discrimination، الأمر الذي قد يسهم في صعوبات التواصل الاجتماعي لدى هذه الفئة من الساكنة العامة (Jiang وآخرون، 2013).
وتجدر الإشارة أيضا، إلى أن النتائج التي توصلنا إليها، تشير إلى وجود إصابة عامة تشمل مكونات الذاكرة العاملة وبنفس الدرجة، كما تأكد ذلك في بعض الدراسات السابقة المشار إليها أعلاه، بحيث تتماشى نتائج الدراسة الحالية مع نتائج الدراسات المقارنة بين الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد والأفراد الأسوياء، والتي خلصت إلى أن هناك قصور في الذاكرة العاملة لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد؛ إذ يرتكبون أخطاء كثيرة ويظهرون أداء أقل من الأفراد الأسوياء في المهام التي تتطلب المرونة المعرفية والتخطيط وسعة الذاكرة العاملة والذاكرة العاملة المكانية، خاصة عندما يزداد تعقيد المهمة.
كما تنسجم أيضا نتائج الدراسة الحالية مع النتائج التي توصلت إليها دراسة قام بها Guerts وزملائه (2004)، قارنوا فيها بين الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد والأطفال المصابين بفرط الحركة وتشتت الانتباه فيما يخص تدابير التخطيط والمرونة المعرفية ومهام معرفية أخرى، وأشارت النتائج إلى أن المشاركين ذوي اضطراب طيف التوحد أظهروا صعوبات كبيرة في مهام الذاكرة العاملة مقارنة مع المجموعة الأخرى. والجدير بالذكر أيضا، أن النتيجة المرتبطة بوجود قصور عام في مكونات الذاكرة العاملة في هذه الدراسة، لا تتفق ونتائج دراسة قام بها “وليام” Williams وزملائه، بحيث أكدت نتائج هذه الدراســـة على أن الاضطرابات التي تلحق الذاكرة العاملـــة تكون ذات طبيعـــة انتقائية أو تفضيلية في المفكرة البصرية-المكانية؛ إذ تحفظ الحلقة الفونولوجية وتظل سليمة، بينما تتضرر المفكرة البصرية-المكانية بشكل انتقائي. وفي دراسة أخرى قدم “مينشاو” Minchew فرضية تؤكد على عدم وجود قصورات في الذاكرة العاملة مرتبطة بصيغية حسية محددة (بصرية أو لفظية) لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد، بل يتعلق الأمر بعجز يتمظهر مع تزايد تعقيد المادة المحفوظة ( Gras-Vincendon وآخرون، 2008).
يتضح مما سبق، أن النتائج التي توصلنا إليها في هذه الدراسة، تشير إلى وجود قصور في اشتغال الذاكرة العاملة لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، وهي نتيجة تتقاطع مع نتائج بعض الدراسات السابقة، في حين تتماشى مع نتائج دراسات أخرى، والتي تؤكد بدورها على وجود قصورات تهم الذاكرة العاملة عند ذوي اضطراب طيف التوحد، وهذا إن دل عن شيء فهو يدل على وجود علاقة ارتباط لها دلالة بين ضعف أداء الذاكرة العاملة واضطراب طيف التوحد. إن معاناة الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد من قصورات في الذاكرة العاملة، من شأنها أن تجعلهم يواجهون وابل من المشاكل في عدة ميادين من قبيل: تضبيط السلوك، المرونة المعرفية، التواصل الاجتماعي، التفكير المجرد والمراقبة الإنتباهية، وذلك في مواقف وسياقات متعددة؛ كالوسط الأسري والمدرسة، خاصة، أن الذاكرة العاملة تشكل الدعامة الأساسية لكل الأنشطة اليومية، ومتضمنة كذلك في التفاعلات البين-شخصية المعقدة وتلعب دورا محوريا في معالجة الاشارات الانفعالية والاجتماعية الموجودة في المحيط، وتلعب دورا مركزيا في الفهم اللغوي والمعرفية الاجتماعية (Habib، 2019).
خــــلاصـــــــــة
على الرغم من وجود سجال في الدوائر العلمية حول ما إذا كانت هناك قصورات رئيسية في الذاكرة العاملة لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد، أم أن المسألة مرتبطة بقصور يتمظهر مع تزايد تعقيد المهمات، أم ليس هناك أي قصور في هذه الوظيفة، فإن العديد من الأبحاث والدراسات المنجزة حول الذاكرة العاملة في مجال التوحد، بما فيها الدراسة الحالية، تؤكد على وجود قصورات في الذاكرة العاملة لدى ذوي اضطراب طيف التوحد. ومن الراجح، أن تكون هذه القصورات عاملا مهما يجعل هذه الفئة تواجه صعوبات كبيرة في السلوك التكيفي، وإنجاز المهمات التي تتطلب المرونة المعرفية، التفكير المجرد، الاستدلال. بالإضافة إلى الصعوبات الكبيرة التي يجدونها في تعلم القراءة والكتابة والحساب. وفي الأخير، يمكن القول أنه رغم وجود معطيات تشير إلى وجود قصورات في الذاكرة العاملة الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد، فهي معطيات تبقى غير كافية، لأن طبيعة وامتداد هذه القصورات تظل، إلى اليوم، غير واضحة وتتطلب من الباحثين توضيحها عن طريق إجراء دراسات وأبحاث إضافية في المستقبل، قصد تحديد المتغيرات الوسيطة في هذا الإشكال، واستثمار نتائجها في التدخل والعلاج.
- المصادر والمراجع
Alloway, T. P., & Gathercole, S. E. (2006). How does working memory work in the classroom?. Educational Research and Review, 1, 134–139.
American Psychiatric Association. (2000). diagnostic and statistical manual of mental disorders (4th ed., text revised). Washington, DC: American Psychiatric Association.
American Psychiatric Association. (2013). diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th edition). American Psychiatric Pub.
Baddeley, A. (1986). Working memory. Oxford: Oxford University Press.
Baron-Cohen, S., Leslie, A. M., & Frith, U. (1985). Does the autistic
child have a “theory of mind”?. Cognition, 21(1), 37–46.
Boucher, J., Mayes, A., & Bigham, S. (2012). Memory in autistic spectrum disorder. Psychological Bulletin, 138(3), 458–496.
Chan, R. C. K., Shum, D., Toulopoulou, T., & Chen, E. Y. H. (2008). Assessment of executive functions: review of instruments and identification of critical issues. Archives of Clinical Neuropsychology, 23, 201–216.
Cui, J., Gao, D., Chen, Y., Zou, X., & Wang, Y. (2010). Working memory in early-school-age children with Asperger’s syndrome. Journal of Autism and Developmental Disorders, 40(8), 958–967.
Damasio, A. R., & Maurer, M. G. (1978). A neurological model for childhood autism. Archives in neurology, 35, 777-786.
Frith, U. (1989). Autism: Explaining the enigma. Oxford: Blackwell.
Gathercole, S.(2008). Working memory in the classroom. Presented at her presidents’award lecture at the annual conference. The Psychologist, 21, 382–385.
Gas-vincendon, A., & Bursztejn, C., & Danion, J. (2008). Fonctionnement de la mémoire chez les sujets avec autism. L’Encéphal, 12, 550-556.
Gilotty, L., Kenworthy, L., Sirian, S., Black, D. O., & Wagner, A. E. (2002). Adaptive skills and executive function in autism spectrum disorders. Child Neuropsychology, 8, 241–248.
Goldberg, M. C., Mostofsky, S. H., Cutting, L. E., Mahone, E. M., Astor, B. C., Denckla, M. B., & Landa, R. J. (2005). Subtle executive impairment in children with autism and children with ADHD. Journal of Autism and Developmental Disorders, 35(3), 279–293.
Habib, A., Harris, L., Pollick, F., & Melville, C. (2019). A meta-analysis of working memory in individuals with autism spectrum disorders. PLoS ONE 14 (4).
Hill, E. L. (2004). Evaluating the theory of executive dysfunction in autism. Developmental Review, 24 (2), 189–233.
Jiang, X., & Bollchi, A., & Cox, P., & Hyder, E., & James, J., & Gowani, S.A., et al. (2013). A quantitative link betwen face discrimination deficits and neuronal selectivity for faces in autism. Neuroimage clin. 2, 320-331.
Jurado, M. B., & Rosselli, M. (2007). The elusive nature of executive functions: a review of our current understanding. Neuropsychology Review, 17(3), 213–233.
Kenworthy, L., Black, D. O., Harrison, B., della Rosa, A., & Wallace, G . L. (2011). Are executive control functions related to autism symptoms in high-functioning children? Child Neuropsychology, 15, 425-440.
Kercood, S., Grskovic, J. A., Banda, D., & Begeske, J. (2014). Working memory and autism: a review of literature. Research in Autism Spectrum Disorders, 8(10), 1316–1332.
Lopez, B. R., Lincoln, A. J., Ozonoff, S., & Lai, Z. (2005). Examining the relationship between executive functions and restricted, repetitive symptoms of autistic disorder. Journal of Autism and Developmental Disorders, 35(4), 445–460.
Landa, R. J., & Goldberg,M. C. (2005). Language, social, and executive functions in high functioning autism: a continuum of performance. Journal of Autism and Developmental Disorders, 35(5), 557–573.
Luna, B., Doll, S. K., Hegedus, S. J., Minshew, N. J., & Sweeney, J. A. (2007). Maturation of executive function in autism. Biological Psychiatry, 61(4), 474–481.
Oliveras-Rentas, R. E., Kenworthy, L., Roberson, R. B., Martin, A., & Wallace, G. L. (2012). WISC-IV profile in high-functioning autism spectrum disorders: impaired processing speed is associated with increased autism communication symptoms and decreased adaptive communication abilities. Journal of Autism and Developmental Disorders, 42, 655–664.
Ozonoff, S., & McEvoy, R. E. (1994). A longitudinal study of executive function and theory of mind development in autism. Development and Psychopathology, 6(3), 415–431.
Ozonoff, S., & Strayer, D. L. (2001). Further evidence of intact working memory in autism. Journal of Autism and Developmental Disorders, 31(3), 257–263.
Macizo, P., Soriano, M . F., & Paredes, N. (2016). Phonological and visuospatial working memory in autism spectrum disorders. Journal of Autism and Developmental Disorders, 46 (9), 2956–2967.
Morris, R. G., Rowe, A., Fox, N., Feigenbaum, J. D., Miotto, E. C., & Howlin, P. (1999). Spatial working memory in Asperger’s syndrome and in patients with focal frontal and temporal lobe lesions. Brain and Cognition, 41, 9–26.
Morsanyi, K., & Holyoak, K. J. (2010). Analogical reasoning ability in autistic and typically developing children. Developmental Science, 13(4), 578–587.
Redick, T. S., & Lindsey, D. R. B. (2013). Complex span and n-back measures of working memory: a meta-analysis. Psychonomic Bulletin & Review, 20(6), 1102–1113.
Russell, J., Jarrold, C., & Henry, L. (1996). Working memory in children with autism and with moderate learning difficulties. Journal of Child Psychology and Psychiatry, 37(6), 673–686.
Sachse,M., Schlitt, S.,Hainz,D., Ciaramidaro,A., Schirman, S.,Walter, H., & Freitag, C.M. (2013). Executive and visuo-motor function in adolescents and adults with autism spectrum disorder. Journal of Autism and Developmental Disorders, 43(5), 1222–1235.
Valeri, G., & Seperanza, M. (2009). Modèles neuropsychologique dans L’autisme et les troubles envahissants du développement. Revue de développement, Juin.
Vogan, M. V., Francis, E. K., Morgan, R. B., Smith, L. M., & Taylor, J. M. (2018). Load matters : neural correlates of verbal working memory in children with autism spectrum disorder. Journal of Neurodevelpmental Disorders
Wang, Y., Zhang YB., Liu LL., Cui JF., Wang, J., Shum, DH., Amelsvoort, V. T., & Chan, RC. K. (2017). A meta-analysis of working memory impairments in autism spectrum disorders. Neuropsychology review, 27(1), 46–61.
Williams, D. L., Goldstein, G., Carpenter, P. A., & Minshew, N. J. (2005). Verbal and spatial working memory in autism. Journal of Autism and Developmental Disorders, 35(6), 747–756.
Yasuko, F., & Taiko, S. (2018). Weakness of visual working memory in autism. Autism Research, 11 (9), 1245-1252.







