يوسف العزوزي
صادفت قرائتي لكتاب “علم النفس السياسي” لمؤلفه “كريستيان تيلغا” و إجرائي لحوار مع الأخصائي النفسي في علم النفس الإكلينيكي نبيل شكوح، تعيين الطبيب النفسي سعد الدين العثماني رئيس حكومة مكلف بتشكيل الحكومة .
ساعد الحوار مع نبيل شكوح في استحضار أهمية الأخصائي النفسي في تشخيص الحالات الفردية و بناء البرامج التربوية في مراكز ذوي الاحتياجات الخاصة، و التدخل لمعالجة صعوبات التعلم و الانتباه و انحراف التلاميذ بالمؤسسات التعليمية. و ظهر بالنتيجة دور استثمار المعرفة العلمية بالنفس البشرية في التنمية التربوية و الرفع من جودة المنتوج البشري و الكفايات التعليمية .
يغري إذن تعيين رئيس حكومة طبيب نفسي بالمتعة في قراءة كتاب “علم النفس السياسي” للبحث في صياغة فرضيات تتعلق بالبحث في سلوكه السياسي أثناء مرحلة تشكيل الحكومة مقارنة مع سابقه عبد الإله بنكيران. بتعبير آخر للبحث في دور الشخصية الفردية و أثرها في تحديد السلوك السياسي .
يرى “علم النفس السياسي” بأن له تراث ممتد و محترم من البحث حول الرابط بين الشخصية و السلوك السياسي ، و قد اتخذ أشكالا كثيرة و اشتمل على عديد من النماذج و الافتراضات النظرية و دراسات القادة السياسيين .. فمن التراجم السيكولوجية المؤثرة القائمة على التحليل النفسي للقادة السياسيين عند لاسويل (عالم سياسة و منظر أمريكي) .. فهمت الشخصية السياسية باعتبارها جوهر السلوك السياسي. و تتصل الاهتمامات الأخرى لدى المشتغلين بعلم النفس الاجتماعي و السياسي بالربط بين الشخصية و الإيديولوجية و الشخصية و التسامح السياسي.
فلا مجال للكلام حسب “علم النفس السياسي” عن رأي عام أو قيم أو خطاب سياسي و هويات اجتماعية بمعزل عن الممارسات الاجتماعية للناس و بمعزل عن “العقد الاجتماعي النفسي” كما يشاهد في نسخ من الحقيقة الاجتماعية التي يتأتى لها أن تهيمن على المجتمع و التي تبنى على نحو تشاركي و يجري اعتناقها على نحو جمعي .
مقابل ذلك ” انتهى الكلام” عبارة سياسية صوتية نحتها عبد الإله بنكيران بعد إصرار فريق “أخنوش” السياسي على فرض “لشكر” شريكا في الحكومة المفترضة المقبلة، تعبيرا عن رفضه للاتحاد الاشتراكي مقابل رفض هؤلاء لدخول حزب الاستقلال لنفس الحكومة المفترضة . بعد الرفض القبلي لإشراك حزب الأصالة و المعاصرة بسبب مواقفه المعارضة للعدالة و التنمية ، و هي المواقف نفسها التي عبر عنها حزب الاستقلال في وقت سابق. فتحول القيل و القال معيارا فاعلا في تحديد معالم التشكيلة الحكومية، ما يصنف النخبة السياسية المعنية بالأمر في خانة مرحلة نمائية سياسية طفولية.
و بقليل من الموضوعية في استقراء منهجية بنكيران في تشكيل الحكومة التي طبعها نقاش المواقف على حساب البرامج و مدى استجابتها لتشخيص حاجة الدولة المغربية للتفاعل مع مستجدات الإكراهات الدولية (وعلى رأسها انتخاب شخصية شعبوية على رأس أكبر قوة سياسية و اقتصادية عالمية) و المشاريع الإستراتيجية الإفريقية التي يراهن عليها المغرب لانتزاع مكانة الصدارة في السياسة الإقليمية و تصريف ذلك لتحقيق طفرة اقتصادية و تقدم في ملف الوحدة الترابية ، يبدو صحة فرضية تأثير سمات الشخصية الفردية على على السلوك السياسي، و يزيد من تعزيز هذه الفرضية لجوء سعد الدين العثماني إلى “التسامح” “التشاركية”اللذين تحدث عنهما “علم النفس السياسي” عندما قرر إشراك كل الأحزاب في مشاورات تشكيل الحكومة وفق حجم ترتيبها بعدد المقاعد في البرلمان في إشارة إلى المساهمة الفاعلة في احترام التوجه الديموقراطي الذي يتوخى المغاربة إرساءه ببلدهم.
و هكذا يكون الملك بالإضافة إلى نجاحه في ترسيخ خيارهذا التوجه الديموقراطي تحت مظلة دستور 2011 بتعيينه للرجل الثاني في الحزب الأول (رئيس المجلس الوطني)،قد عمل على إيقاف منهجية غير سليمة في تشكيل الحكومة .
و يكون رئيس الحكومة المكلف أمام رهانات أولها تحدي التخلص من العباءة الحزبية الإسلامية المرفوضة من طرف إجماع القوى العظمى العالمية و تقديم صورة عن ثقافة الاعتدال المغربي، دون التفريط في ثوابت الهوية المغربية .
فيما يتجلى الرهان الثاني لوزير الخارجية الأسبق في استيعاب متغيرات الشأن الإفريقي بعد مجهود الجالس على العرش الذي تحولت بموجبه الرباط إلى عاصمة إفريقية، و ما يستتبع ذلك من القطع مع الشعبوية و قاموس “التبوريدة” لفائدة البراغماتية في التعامل الدولي و علم المصطلحات .
و يرتبط الرهان الثالث للطبيب النفسي بمهمة رئيسية في علم النفس السياسي تتجلى في تحليل الطبيعة الاجتماعية للهويات و لممارسات الجماعات و تذهب إلى أن الهويات لا يجري تنشيطها فحسب بل تُستدعى و تعدل بفعل السياق الاجتماعي الذي تكتسب فيه مغزاها الذي يتوخى إعادة الإنتاج التلقائية للهوية الوطنية و الحشد الجمعي ضد جهات تحاول الركوب على مطالب اجتماعية بالحسيمية لتحقيق رهان تفتيت الهوية المغربية بشمال المملكة ، لإيجاد نقطة ضعف تضغط من خلالها القوى المنافسة للمغرب لتحقق مكتسبات في ملفات التفاوض البين- دولية .
و عودة إلى كتاب “علم النفس السياسي فتجدر الإشارة إلى أن مؤلفه كريستيان تيليغا يحاول أن يؤمن مدخلا إلى علم النفس السياسي بالتركيز على سياسات وقضايا أوروبية ، فهو يصف أسلوب إنتاج علم النفس السياسي في اوروبا، ذلك الاسلوب الذي تخلق عبر الحوار مع المضاربات الاميركية الشمالية ونفذها، وبالتأكيد على التنوع النظري والمنهجي لعلم النفس السياسي، فالكتاب يسهم في تحقيق
فهم أفضل لقوة هذا الحقل وجدواه. ويسعى الكتاب إلى توسيع المعرفة بالعلاقات العربية بين علم النفس والسياسة والمجتمع، ويرسم صورة عامة وواضحة للمقاربات النقدية، وفي طريقة تدبر دور اللغة والاتصال والتمثيلات الهوياتية والاجتماعية وإنشاء الدلالات السياسية تدبرا واضحا. تركز فصول الكتاب في البرهنة على أن السلوك السياسي يتعين النظر إليه باعتباره مسألة قائمة بذاتها، ويشمل ذلك استكشاف فترة مؤداها أن السلوك السياسي يتعين معالجته باعتباره أكثر من أي شيء آخر، حقلا ناشئاً ومتحولا من حقول النشاطات والممارسات الاجتماعية ويتعين تسجيل مظهراته الرمزية والاتصالية والاجتماعية التفاعلية التي تجري إقامتها وهدمها في العلاقات الاجتماعية بين الناس.







