يوسف العزوزي/ افتتاحية
إن السعي نحو تدويل قضية محلية مصطنعة في عالم تحركه المصالح و تحكمه قوانين الهيمنة يعني مباشرة وضع القضية في سوق مصالح دول الهيمنة الغربية، حيث يلعب الساعي دور المضارب و المتاجر في عرضه تحت شعار الحقوق و الكرامة و العدالة، و هو في الحقيقة لا يهتم إلا بالعمولة التي تدرها عملية “السمسرة” .
تعبر الجملة أعلاه عن لسان الحالة التي يمكن أن تراود أي كان و هو يقرأ عنوانا عن تدويل قضية الريف وإعطائها الطابع والاشعاع الدولى بهولندا وكامل أوروبا ، يتحدث موضوعه على إيقاع نفس أنغام المعزوفة المعاكسة للوحدة الترابية جنوب المملكة، لأن شركة الإنتاج الممولة للملحن هي نفسها. علما أن ما يسمى بعناصر الحراك في الحسيمة لا يمثلون الحسيمة نفسها ولا ساكنتها
يتعلق الأمر ببيان نشر على صفحات موقع إلكتروني صدر عما سمي ب:”لجنة الشهيد محسن فكري” لدعم الحراك الشعبي بهولندا و تنفيذ وقفة إحتجاجية أمام البرلمان، حضرها سياسيون هولنديون على رأسهم البرلماني عن حزب العمل الهولندي أحمد مركوش “المنحدر من الريف” حسب المعزوفة المشار إليها أعلاه. مضيفا أن هذه الوقفة التي دعت إليها لجنة الشهيد محسن فكري جاءت لدعم الحراك الشعبي -هولندا- كخطوة أولى نحو تدويل قضية الريف وإعطائها الطابع والإشعاع الدولي إن على مستوى هولندا أو على مستوى أوروبا.
و تحدث البيان عن لجينة مكونة من أساتذة وأكاديميين ينحدرون من الريف صاغت رسالة/ملفا سلمت لممثل حزب العمل الهولندي، البرلماني “أحمد مركوش” الذي سيسلمها بدوره لرئيسة الفريق البرلماني لحزب العمل…وقد سلمت لباقي رؤساء الفرق البرلمانية نفس الرسالة ما عدا حزب فيلدرز اليميني العنصري…فيما ستسلم في الأيام المقبلة نفس الرسالة لوزير الخارجية الهولندي.
المثيرللغرابة هو أن أحمد مركوش الذي حضر الوقفة الاحتجاجية بهولاندا لدعم ما أسموه ب”الحراك الريفي” قدم نفسه كنائب عربي مسلم في تصريح لجريدة الشرق الأوسط ضمنته جريدة “إيلاف” الإلكترونية في مقالة تحت عنوان “الديموقراطية الهولاندية أمام اختبار التطرف”، و تحدث أحمد مركوش كنائب في البرلمان الهولندي من أصل مغربي عن حظوظ حزب العمل منوها بوجود حزبه الذي يمثل يسار الوسط و يدعو إلى الاستقرار السياسي والاجتماعي بهدف ضمان استقرار الدولة الهولاندية وتحقيق الرخاء والازدهار.
و قال مركوش أن التطرّف الذي يقوده خيرت فيلدرز، يعمل على الإساءة إلى هولندا من خلال تمرير خطابات حاقدة قائمة على كراهية المهاجرين والمسلمين معًا و لا يقدم حلولا للمشكلات الراهنة، بل العكس صحيح، إذ إنه ينتج الخبث من خلال سمومه العنصرية لكون زعيمه زعيمًا فاشلاً لا يستطيع قيادة البلاد ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية، ولذا يعمل على تشتيت المجتمع الهولندي… ما يفوت على هولاندا الاستقرار الذي يفضي إلى الرفاهية والتعايش لجميع المواطنين رغم اختلاف دياناتهم وقناعاته .
و الحقيقة أن أحمد مركوش الذي انخرط في عملية احتجاجية تحت يافطة عرقية عنصرية بدولة أجنبية
من خلال رموز بيان غابت فيه كلمة “مغرب” أو”مغربي” أو مغربية” و حضرت فيه كلمة “ريف” ، قدم نفسه كعربي مسلم من أصل مغربي بهولاندا للحصول على أصوات الجالية العربية السعودية و اليمنية و التونسية و الجزائرية و الأردنية و المصرية و السورية الكوويتية و القطرية و السودانية و الموريطانية .
فلا غرابة إذن أن يكون مركوش نفسه الذي يدعو إلى الاستقرار السياسي و الاجتماعي بهدف ضمان استقرار الدولة الهولاندية و تحقيق الرخاء و الازدهار بها يساند الحركات الاحتجاجية في بلده المغرب. و لا غرابة أن يمقت مركوش خيرت فيلدرز ويصفه بالمتطرف العنصري الذي يعمل على تشتيت المجتمع الهولاندي ، و يشتغل هو نفسه على ما من شأنه تشتيت المجتمع المغربي من خلال المساهمة في نشر خطاب عرقي .
إن ازدواجية الخطاب عند مركوش بين الدعوة لتأجيج حراك ذو طابع عرقي بالحسيمة و التعبير عن رفضه للعنصرية بهولاندا لأنها تشتت المجتمع الهولاندي، محك لاختبار فرضيات “ويل كيمليكا” الكاتب و أستاذ الفلسفة السياسية في مؤلفه”أوديسا التعددية الثقافية” عندما قال بأن “الرغبة المتفائلة لخلق مساحة أوسع لسياسة التعددية الثقافية الديموقراطية تشوبها مخاوف قوية من أن السياسات العرقية كثيرا جدا ما تكون قوة مزعزة للاستقرار تضعف الديموقراطية و التنمية و بالتالي لا بد من احتوائها”.مستبدلا الحديث عن المجتمع الدولي بالحديث عن القوى الغربية.
فتصبح المنظمات الدولية حسب كيمليكا وسائل لتقديم المصالح السياسية الجغرافية للدول الغربية الأكثر قوة، و ليست آلية لتوحيد و تنمية القيم المشتركة لشعوب العالم ، و من ثمة فإن نشرها للتعددية الثقافية هو جزء من دهاء العقلية الاستعمارية.
في الماضي غالبا ما شكل ذلك قضية في الغرب فمثلا كانت إيطاليا قبل الحرب العالمية الثانية تخشى أن تكون الأقلية التي تتحذث الألمانية في تيرول TYROL أكثر ولاءا للنمسا أو ألمانيا من إيطاليا ، و في هذه الحالة ستساعد النمسا أو ألمانيا في أي محاولة لغزو أو ضم جنوب تيرول .
لكن المغرب محصن بوعي المغاربة و المؤسسات التي تتمثلهم في التسيير المحلي أو التشريعي. فثالث مؤسسة من حيث الأهمية انتخب فيها مواطن مغربي من شمال المملكة و من المنطقة نفسها تم انتخاب رئيس جهة طنجة. بالإضافة إلى التمثيل في الجماعات المحلية الترابية الذي يضمن لكل ساكنة تدبير شؤون نفسها.
كما أن الذاكرة الجمعية لسكان الريف الأشاوس لا زالت تحتفظ بمشاركة رجال أكنول في حرب الرمال، و بطولات مثلث الموت من التي انتهت بدحر المستعمر الأوربي عن المغرب. لكن المستعمر الأوروبي هذا لن يكل و لن يمل في البحث عن أشكال جديدة تسمح له بمعاودة بسط هيمنته من خلال أعوان له من بني جلدتنا .
لكل هؤلاء رسالتنا من تازة إلى هولاندا عنوانها “وحدة المغرب منيعة على الأعداء و العملاء”.و على كل الذي يراهنون على النيل منها اللجوء إلى أقرب صيدلية من محل سكنهم لاقتناء كميات من الأدوية المضادة للاكتئاب لأن خيبة الأمل تنتظرهم.








