يوسف العزوزي
رغم الحضور الواسع لخطاب “التنمية المحلية و الإقليمية و الجهوية ” على المستويين الرسمي الموازي لدسترة الجهوية، و المدني المعبر عنه على لسان الأحزاب السياسية و الجمعيات المختصة ، إلآ أنه بقي سجين البعد الشعاراتي الإنشائي أو الفعل العشوائي المزاجي المرتبط بالفهم الخاص (كل على حسب مستواه الأكاديمي و أفق تفكيره). وصار مفهوم التنمية المحلية فضفاضا معلقا بين سماء الخطب الرنانة و أرض الواقع الصعب.
لأجل ذلك ارتأيت أن أخصص سلسلة حلقات لمناقشة مفهوم التنمية (تازة نموذجا) أستنير من خلالها بالكتابات العلمية ذات الصلة بالموضوع ، لاعتمادها كمرجعية لحوارات أجريها مع كل الفاعلين في الحقل التنموي بتازة و جهة فاس مكناس و معرفة المعنى الذي يخلعه هؤلاء على سلوك مؤسساتهم أثناء اشتغالها في الحقل التنموي.
و أستهل مشروعي ب”التنمية و التغيير الاجتماعي” و هو كتاب قيم لمؤلفه الأستاذ الحبيب المعمري نشره مختبر البحث و الدراسات النفسية و الاجتماعية بكلية الآداب و العلوم الانسانية ظهر المهراز بفاس. و يتطرق الكتاب حسب ديباجة صاحبه إلى الصعوبات التي تكتنف موضوع “التنمية” من الناحية النظرية من خلال المقابلة بين بعض المفاهيم أو المكاشفة السريعة لبعض البراديغمات، فالتنمية و الهوية هي من المفاهيم الأساسية المتداولة في الميدان لأنها ترتبط بباراديكمين اثنين ميزا بداية مرحلة ما بعد الحرب، باراديكم “التنمية” و باراديكم آخر حل محله خصوصا في المجتمعات العربية الاسلامية هو باراديكم ” الهوية”.
و يضيف المعمري أن التنمية عبارة عن تحولات تمس جوانب مختلفة سياسية و اقتصادية و اجتماعية ، فيها ما هو سطحي و ما هو جوهري، ما هو ظرفي و ما هو ممتد، ما يشكل امتدادا طبيعيا و ما يشكل قطيعة مع الماضي ، ما يحدث بإيقاع سريع و ما يصطدم مع طبيعة التقاليد، ما ينسجم مع انتظارات الجماهير، قد يؤدي إلى تنمية مستدامة و قد تكون لنتائج عبارة عن أوضاع عابرة Ephemene ، فالتنمية ينطبق عليها ما ينطبق على التغيير الاجتماعي ..أي كثرة الاحتمالات و تنوعها و صعوبة حصر هذا المحتمل الممكن و غير المتوقع او اختزاله في خطاطات بسيطة و نماذج ضيقة . فالمؤشرات التي اعتمد عليها خبراء “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي” PNUD منذ 1990 متأثرين في ذلك ب”أمارتيا سي” هي مؤشر التمدرس و الأمية و متوسط العمر و الناتج الداخلي الخام، لكنها تبقا مؤشرات مجحفة بالنسبة لبعض المجتمعات لأنها تخفي حقيقة الوضع بذاخلها…لأن معاير المقارنة تتجاهل جوانب أخرى لا تقل لأهمية عن تلك التي تقوم على ما يسمى بمؤشرات التنمية البشرية.و هذا يتعلرض مع الأبحاث الرائدة في علم الاقتصاد و علم الاجتماع و إدارة المقاولات التي اعتمدت في نفس المرحلة تقريبا على مفهوم آخر هو “الرأس مال اللامادي”.
و قبل أن أواصل حول مفهوم الرأس المال اللامادي في عدد مقبل لا بد من الوقوف على أن المعطيات المقدمة من طرف الأستاذ الحبيب المعمري تتعلق بمفهوم التنمية بشكل عام ، و أننا بصدد الحديث عن التنمية المحلية أو الجهوية على أبعد تقدير ، هدفنا هو اقتباس أدوات التحليل و بعض من منهجه و مصطلحاته و استنباتها في حقل المجال الترابي المحلي .
لأخلص إلى ما يلي في هذا العدد: يفتقد رؤساء الجماعات بإقليم تازة إلى تعريف موحد للتنمية فكيف سينجزون مخططا مندمجا للتنمية الإقليمية و يفتقد رؤساء المجالس الإقليمية إلى نقس الشيء فكيف سينجزون مخططا جهويا للتنمية.
من هم رؤساء الجماعات الذين يعرفون أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي PNUD و مؤشره في التنمية البشرية الذي يعتبر كأداة مركبة تهدف إلى قياس التنمية البشرية عن طريق دراسة العلاقة بين مستوى النمو الاقتصادي ومستوى التنمية الاجتماعية.
من منهم يدعم التمدرس لينعكس ذلك على لتحصين المجتمع المحلي معرفيا و عليما تحسين مؤشر التمدرس ببلادنا . من منهم يعرف بأن دعم قطاع الصحة يرفع متوسط العمر لأنه يخفظ متوسط الوفايات، من منهم يعرف فتح المسالك الطرقية بالمعايير الحديثة يرفع معدل إنتاج للمجالات الترابية المحلية و ينمي مجالات إنتاجيتها.
للأسف فإن دواعي سعي مجلس المستشارين لتعيين طلبة لمساعدة مستشاري الأمة (الأميين)على أداء مهامهم ، هي نفسها تستدعي الأخد بعين الاعتبار خبرة بعض رؤساء الجماعات و مستشاريهم أثناء الحديث عن مفهوم التنمية المحلية و علاقة ذلك بالصفقات العمومية.








