رحلة ولهان عبر الزمان و المكان بين تازة و سان جرمان
الجزء الثاني:
التماثلات المعلماتية – الحضرية – السياحية بين المدينتين.
دراسة تماثلية بين مدينة تازة المغربية و مدينة سان جرمان الفرنسية.
فكرة و إعداد: ذ.عبد الله الأزرق .
رئيس جمعية نداء تازة .
عضو هيأة الخبراء القضائيين في الحسابات .
عضو هيأة المحاسبين المعتمدين .
بعد الطوبوغرافية و الجغرافية و التي هي في مجملها هبة من السماء إلى المدينتين ولا دخل أساسا للبشر فيها، جاء الدور على التماثلات المعلماتية – الحضرية – السياحية و التي كان للإنسان التازي كما الجرماني الأثر البارز في بصمها و طبعها.
أولا: طريق منعرج ثلاث مرات في شكل حرف “S” اللاتيني لكل مدينة:
أول التماثلات المعلماتية – الحضرية – السياحية ولوج مدينة سان جرمان قدوما من الشرق عبر الطريق الرئيسيةD 190 وبعد اجتياز جسر جورج بومبيدو و قبل الوصول شرفة “Le Notre” عليك اجتياز طريق متشكل من حرف “S” من أسفل الحرف صعودا نحو أعلاه كالتالي:
–1الانعطاف يمينا مع ارتفاع مضطرد في طوبوغرافية الطريق.
–2الانعطاف يسارا مع ارتفاع طوبوغرافية الطريق دائما وتيمنك لسور ممر المغارات “Rampe des Grottes et Mur des lions” .
3- الانعطاف يمينا عبر اقتراضك لشارع كامبيتا “Gambeta” لتجد نفسك على أبواب فضاء قصر سان
جرمان.
4- على يمين فضاء القصر تجد نفسك على شرفة “Le Notre”.
ووجهك منجذب نحو تأمل منظر خلاب في نهايته تنتصب مباني باريس المركز
الشاهقة.
في المقابل و حتى تتمكن من ولوج مدينة تازة العتيقة و أنت قادم من شرق المدينة عبر شارع مولاي يوسف عليك اجتياز طريق مشكل من حرف “S” من أسفل الحرف صعودا نحو أعلاه كالتالي:
- الانعطاف يمينا مع ارتفاع مضطرد في طوبوغرافية الطريق.
- الانعطاف يسارا مع ارتفاع طوبوغرافية الطريق دائما وتيمنك لسور بوقلال.
- الانعطاف يمينا عبر اقتراضك للطريق المؤدي إلى باب الريح و فضاء المسجد الأعظم.
- من فوق سور بوقلال تجد نفسك مضطرا للتوقف فوق شرفة السور من أجل تأمل منظر رائع في اتجاه مركز المدينة الجديدة .
و هذا تماثل تعميري حضري أول في منتهى التلاؤم و التطابق(18).
ثانيا: معلمة معمارية تاريخية نادرة لكل مدينة:
و أنت واقف على الشرفة الشرقية و أنت متجه بنظرك نحو مركز المدينة سواء كنت في مدينة سان جرمان أم كنت في مدينة تازة، فكما تنطبق الرؤيتان المصوبتان نحو مركز المدينتين، يتطابق من وراء ظهرك وعلى بعد 100 متر تقريبا تواجد بنايتين عمرانيتين تاريخيتين تشكلان بالنسبة للمدينتين إرثين تاريخيين و ثقافيين يعتبران بالنسبة للمدينتين أبرز معلمتين على الإطلاق !!:
- في سان جرمان يتعلق الأمر بقصر شاطو سان جرمان في نسخته القديمة أُسس سنة 1124 م على يد الملك لوويس VI وهجره الملك لويس XIV سنة 1682 م بعد بناء قصر شاطو فيرساي. بعد ذلك شهد القصر تغييرات عديدة في معماره و في وظائفه من سجن في فترة الثورة حيث سجن فيه روجي دوليست مؤلف النشيد الوطني الفرنسي -لامارسييز-. وفي سنة 1867م خرج قصر سان جرمان من دائرة النسيان عندما قرر الملك نابوليون III تحويله إلى متحف النوادر القديمة الوطنية و هي وظيفته الأساسية إلى يومنا هذا.(12)
- أسس المسجد الأعظم في تازة في سنة 1142م ( لاحظوا التناظر الرقمي العجيب بين التاريخين مما يشكل تناظرا رقميا داخل تماثل معماري والعبارة حتى أكون أمينا للصديق الصحفي يوسف العزوزي)، أسس المسجد من طرف الإمبراطور عبد المومن بن علي الكومي المؤسس الفعلي لدولة الموحدين حيث بنى قصرا إلى جانب المسجد الأعظم و الذي مع الأسف الشديد لم يعد موجودا بعد ما استولى المرينيون على المدينة في سنة 1216م. والمسجد المذكور مصنف تراثا إنسانيا عالميا على ما أعتقد و يعتبر من أشهر المساجد في العالم الإسلامي، حضي منذ تأسيسه بأدوار كبرى، دينية وسياسية و علمية و المسجد المذكور مشهور بمعلمتين، الأولى مكتبة متوفرة على 900 من الكتب والمخطوطات اليدوية المختصة في شتى العلوم خاصة علم الفقه والطب والفلك (وقد كانت تعد ببضعة آلاف سابقا قبل أن تتعرض المكتبة إلى عمليات نهب وإتلاف) “الصفحة 7 فهرس مخطوطات الخزانة العلمية بالمسجد الأعظم بتازة. د. عبد الرحيم العلمي”.(24)
والمعلمة الثانية تتجلى في الثريا البرونزية التي أهداها السلطان المريني المنصور أبو اليعقوب إلى مدينة تازة سنة 1294م. تلك التحفة الفريدة التي تزن حوالي 3200 كلغ والمزينة ب 514 سراجا والمنقوشة على حاشيتها قصيدة شعرية شهيرة يقول مطلعها:
يا ناظرا في جمالي دقق النظر ******* ومتع الطرف في حسني الذي بهرا
أنا الثريا التي تازة بي افتخرت ******* على البلاد فما مثلي الزمان يرى
و هذا ثاني تماثل عمراني حضري بين المدينتين.
ثالثا: توسع المجال العمراني غربا وجنوبا انطلاقا من المعلمة المعمارية التاريخية النادرة لكل مدينة:
تماما كما انطلقت مدينة سان جرمان العتيقة في توسعها العمراني نحو الغرب و الجنوب جاعلة من قصر شاطو سان جرمان نقطة بداية انتشار مجالها العمراني.
كذلك الشأن بالنسبة للمدينة العتيقة لمدينة تازة حيث توسع عمرانها في اتجاه الغرب كما في اتجاه الجنوب جاعلا نقطة انطلاقته من المسجد الأعظم.
رابعا: المدينة العتيقة بالنسبة للمدينتين مركز تجاري – سياحي بامتياز:
تشتهر المدينة العتيقة لسان جرمان ببناياتها القديمة و كذلك بضمها لأكثر من 800 متجر مما يجعل منها المركز الأكثر تجارة في كل مدينة باريس الغربية.
كذلك الحال بالنسبة لمدينة تازة العتيقة المتميزة بأزقتها الضيقة و دكاكينها و قيسارياتها المتعدي عددها عتبة 500 دكان، مما يؤهلها لتكون أكبر تجمع تجاري على مستوى الإقليم ككل (12).
خامسا: الأسبقية للراجلين واحترام البيئة اختيار أولوي قديم لكلتا المدينتين:
إذا كانت مدينة سان جرمان العتيقة تخصص أسبوعا في السنة، يطلق عليه أسبوع الراجلين و تخصصه للراجلين فقط دون العربات و السيارات مستهدفة بذلك تحسيس الرأي العام بالمحافظة على البيئة و تقليص التلوث وتنشيط الحركة التجارية بالمدينة.
فمدينة تازة العتيقة صممت منذ قرون لتكون مدينة خاصة بالراجلين فقط و على امتداد طول السنة، مما جعل منها فضاء بيئيا بامتياز بعيدا عن مختلف مصادر التلوث، خاصة المعامل و السيارات والعربات.
سادسا: قلعة عسكرية أثرية لكل مدينة:
تعيش مدينة سان جرمان هذه الأيام على وقع فرحة اكتشاف قلعة سان سيبايتيان المشيدة في سنة 1669 م في شمال غابة المدينة من أجل استعمالها كمعسكر لتدريب قوات الملك لويس XIV. وشيدت القلعة على مساحة من 600مx380م و كان الهدف من تشييدها هو محاكاة عمليات الحصار و الاستيلاء على القلع و الحصون. و تشكل هذه الحقبة من تاريخ فرنسا حقبة هامة من تاريخ فن الحروب و تُوَقِعُ على انتقال في التاريخ العسكري الفرنسي قوامه ظهور و لأول مرة جيشٌ مهني يجند الجنود مع كسوتهم بأزياء موحدة وتدريبهم وتخصيص أجرة لهم و ليس فقط تعبئتهم(12).
في المقابل و في الجهة المقابلة من البحر الأبيض المتوسط ينتصب بشرق المدينة العتيقة لتازة معسكر حصن البستيون شامخا ببناياته نحو السماء منتصب القامة يجثو ولا يركع و كأنه يرفض النظر إلى أسفل قدميه لما طاله من إهمال ولا مبالاة!. و الحصن الأساسي في المعسكر مشيد وسط مجموعة من الأسوار التاريخية و الأبراج، أسس المعسكر سنة 1580م على يد السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي و لعب المعسكر المذكور على مر السنيين دورا أساسيا في الحفاظ على استقلالية الدولة المغربية خاصة من المخاطر و الغزوات العثمانية القادمة من شرق البلاد، و يعتبر الحصن المذكور من أبرز المعالم التاريخية للمدينة العتيقة لكنه يحتاج إلى عمليات ترميم و إعادة تأهيل عاجلة (16).
سابعا: سبع معالم تراثية – سياحية مميزة لكل مدينة:
في الموقع الالكتروني الرسمي لمدينة سان جرمان في الصفحة الخاصة بتقديم المدينة، فقرة ثروات وتراث “Richesses et Patrimoine” ورد ذكر سبع معالم تراثية – سياحية مميزة للمدينة حسب الترتيب التالي(12):
- قصر شاطو سان جرمان
- الغابة المُلكية
- شرفة “Le Notre”
- كنيسة سان جرمان
- موسم خمر المغارات
- عين لابيسوت
- حصن سان سيباستيان
وبإسقاط تقنية التماثلية للآثار والثروات التراثية لمدينة سان جرمان على نظيراتها في مدينة تازة نحصل على التماثلات التالية:
قصر شاطو سان جرمان ——-<– فضاء المسجد الأعظم
الغابة المُلكية ——-<– المنتزه الوطني لتازكة
شرفة “Le Notre ” – ——-<– شرفة بوقلال، الشرفة الشرقية ثم الشمالية فالغربية
وسط المدينة العتيقة ——-<– قبة السوق، العطارين، ساحة أحراش
كنيسة سان جرمان ——-<– مسجد الأندلس
موسم خمر المغارات ——-<– موسم تقطير الزهر
عين لابيسوت ——-<– عين رأس الماء .
بالنسبة للعناصر الأثرية والعتيقة المرقمة من 1 إلى 4 فقد سبق تقديمها في الفقرات السابقة من هذا البحث، أما ما تبقى من العناصر الأخرى فنعرضها في الفقرة التالية مع بعض الإيجاز.
· كنيسة سان جرمان:
منذ سنة 1018م أعيد بناؤها 4 مرات أخرها في سنة 1827م، وتعتبر هذه الكنيسة نموذجا في الهندسة الدينية الكلاسيكية في أسمى دقتها الجمالية، والكنيسة مسجلة في قائمة المعالم الأثرية منذ سنة 1937م (12).
· مسجد الأندلس:
أعترف أني وجدت صعوبة بالغة في العثور على المصادر التاريخية الخاصة بالمسجد المذكور لجأت معها إلى الاستعانة بالأستاذ عبد الإلاه بسكمار الذي أمدني مشكورا بالمعلومات القيمة التالية:
“بالنسبة لمسجد الأندلس يرجح أن تأسيسه يعود إلى القرن الثامن أو التاسع الهجري حيث ازدهرت تازة سياسيا وثقافيا وعسكريا وهناك قرائن تاريخية تؤكد هذا التحقيب التاريخي:
– أولا، انطلاق المرينيين من تازة على الأندلس في محاولة إنقاذ ما تبقى من دولة الإسلام هناك ثم هجرة جالية أندلسية إلى المغرب واتجاه عدد من الأسر الأندلسية إلى تازة خلال فترة سقوط المدن الأندلسية في يد القشتاليين أو بعد سقوط الأندلس سنة 1492 م وذلك حسب مختلف المصادر التاريخية للفترة كالإحاطة في أخبار غرناطة لابن الخطيب ..نفح الطيب للمقري التلمساني. نزهة الحادي للإيفراني …تاريخ إفريقيا الشمالية لشارل أندري جوليان وغيرهم.
– ثانيا، تشابه الطابع المعماري لهذا المسجد مع مساجد الأندلس من حيث القباب والنقوش والمحراب والأقواس …
– ثالثا، وجوده في زنقة تحمل اسم الأندلس بالحي الجنوبي الذي كان يسمى أهله بالفوقيين (نظرا لعلوه بالقياس مع الحي الشمالي) وتأكيد الطوبونيميا المحيطة به على نفس الحقبة كضريح سيدي علي الدرار المجاور، وهو عالم أندلسي مات ودفن بتازة. وباب الشريعة التي توجد شقيقة لها تحمل نفس الاسم بغرناطة.
– رابعا، عرفت هذه الفترة أوج التفاعل بين الأندلس والمغرب وانعكس ذلك في تازة من خلال العلماء والشيوخ والمتصوفة والفقهاء، كابن حمدون الشريشي شيخ العلامة علي بن بري التازي التسولي ودفين تازة، ومالك بن المرحل السبتي المالقي، وابن الزبير القرطبي …كما يؤكد ذلك تنقل علماء تازة وفقهائها بين المغرب والأندلس خلال نفس الفترة التي يحتمل أنها شهدت تأسيس مسجد الأندلس كالطبيب الشاعر أبي العباس الجزنائي والقاضي السفير أبي اسحق إبراهيم التسولي”.
رسالة إليكترونية توصلت بها من لدن ذ. عبد الإلاه بسكمار بتاريخ 14 أبريل 2016. (25)
· عين لابيسوت:
أو عين الأرجل ذات الروائح الكريهة. مختبئة من وراء باب صغير في أسفل حائط كبير، سميت كذلك لأن لصوص المنطقة في العصور الوسطى كانوا يُعاقَبُون بتقييد أرجلهم من تحت الماء البارد إلى درجة النتن.واسم لابيسوت يعود إلى ضباط ملكة كاستيي البيضاء. عشق مِيَاهَهَا الملوك وأم الملك لويس IX لم تكن ترضى ببديل عن مياهها فوق طاولتها.
المصدر: الموقع الرسمي الإلكتروني لمدينة سان جرمان (12).
· عين رأس الماء:
على بعد 12 كلم تقريبا جنوب مدينة تازة وغير بعيد عن المنتزه الوطني لتازكة تتدفق عين رأس الماء الصافية ذات المياه العالية الجودة مخترقة الصخور الصلبة لمنطقة جبلية شديدة الانحدار في مقدمة جبال الأطلس الشهيرة. عين رأس الماء قديمة قدم صخور المنطقة وصبيبها عال يبلغ 150 لتر في الثانية وتعتبر الخزان المائي الأول والأساسي في تلبية حاجيات المدينة العتيقة من المياه العذبة. موقع العين موقع سياحي بامتياز نظرا لتضاريسه الجبلية الغنية بمختلف الأشجار المثمرة وبالعديد من الشلالات المتساقطة من على مسافات شاهقة محدثة أصواتا مجلجلة وبجانب العين أقيم صهريج في شكل مسبح تتجمع فيه مياه العين المتدفقة قبل سلك قنوات الخزان الرئيسي للمياه. (26).
· موسم خمر المغارات:
في سنة 1999م قامت جماعة سان جرمان وجاراتها بإعادة غرس كروم العنب في المنطقة الواقعة شرق شرفة المدينة (شرفة Le Notre) وذلك من أجل إحياء هذه الزراعة في مكانها الأصلي كما خطط لها المهندس البستاني “le Notre” وذلك بهدف إحياء 13 قرنا من التاريخ، ويعتبر الخمر المنتوج من هذه الكروم من أجود الخمور ذات الإقبال الكبير عليها.
· موسم تقطير الزهر
دأبت العائلات التازية منذ زمن بعيد على تقطير الزهر في ربيع كل سنة، وتعمد العائلات التازية إلى إحياء هذه العادة القديمة المتجذرة في التراث التازي الأصيل. ويعتبر زهر أشجار البرتقال البري والورد البلدي مادتين أساسيتين يتم تقطيرهما بطريقة تقليدية خاصة وذلك باستعمال آليات تقليدية محلية الصنع (لم تعد تصنع محليا مع الأسف الشديد) وسط طقوس عائلية خاصة أيضا من أجل الحصول على منتوج عالي الجودة يطلق عليه ماء الزهر أو ماء الورد حسب المادة المستعملة في التقطير، ولهذا المنتوج الطبيعي الجيد عدة استعمالات منها التطبيب التقليدي والحلويات المحلية البلدية.
على نفحات ماء الورد و الزهور أختم الجزء الثاني من هذا الموضوع و أضرب للسادة والسيدات القراء و القارئات موعدا قادما إن شاء الله نخصصه للتماثلات التاريخية والثقافية بين المدينتين والله الموفق لما فيه خير المدينتين و ساكنتهما.
تنبيه:
– بالنسبة للمراجع و المصادر التوثيقة تمت الإشارة إليها عبر هذا البحث بواسطة الأرقام العربية المصغرة وسيتم نشر اللائحة الخاصة بها في الجزء الثالث والأخير من هذا العمل.
– بالنسبة للصور الطبوغرافية المعززة لهذا البحث والخاصة بمدينة سان جرمان فهي مأخوذة من الموقع الإلكتروني الرسمي للمدينة و المدرج ضمن مراجع هذا البحث، أما بالنسبة للصور الطبوغرافية الخاصة بمدينة تازة وقد حصلت عليها من مختلف المواقع الالكترونية و المتعددة و لا أدعي ملكيتها، منها ما ذكرت مصدره ومنها ما تعذر علي ذلك.







