يوسف العزوزي /الوطنية
كنت أتهيأ لإعداد ما وعدت به في العدد السابق و كتابة موضوع حول think tank و دعم المثقف للفساد بالبرهنة على أن كل مثقف يقاطع الانتخابات يشارك بشكل مباشر في الفساد السياسي من خلال معادلات رياضية بسيطة الفهم، إلا أن متابعتي للدورة الاستثنائية لمجلس جماعة تازة يوم الإثنين 11 يوليوز 2016 ، غيرت منحى اهتمامي، إلى موضوع آخر لا يقل أهمية عن الموضوع الأول .
ففي هذه الدورة حضر نصف أعضاء التجمع الوطني للأحرار و غاب النصف الآخر، و غاب نصف فريق التقدم و الاشتراكية و حضر النصف الآخر. و حضر نصف فريق الحركة الشعبية و غاب النصف الآخر، فيما توزع فريق الأصالة و المعاصرة في أماكن متبعثرة. أما الاستقلال فأثار ترديد أحد المنتميين إليه أكثر من مرة بأنه لا ينتمي إلا إلى الوطن و المدينة سؤال انتمائه لحزب الاستقلال من عدمه، كلام يستحق المتابعة لمعرفة إن كان المعني بالأمر فردا أو نواة لمشروع محدد. أما فريق العدالة و التنمية فانقلب على نفسه في نسخته الأول عندما كان يشكل القوة الضاربة لأغلبية كوسكوس آنذاك, وحول بإيعاز من الأصالة و المعاصرة الدورة إلى محاكمة لتسيير المجلس السابق،حيث طالب بعض الأعضاء بتقديم وصولات طلبيات “des bons de comandes” إلى القضاء لأنها مزورة،و كأن الاجتماع مخصص لتسليم المهام، و أن كوسكوس يتموقع في المعارضة. و الحاصل أن العدالة و التنمية اختارته حليفا للمرة الثانية على التوالي رافضة عرضا بالتحالف مع الأصالة و المعاصرة و الاستقلال بأغلبية مريحة.
و في جماعة أخرى لا تبعد كثيرا قدم فريق حزب سياسي محلي معارض شكاية ضد رئيس الجماعة بتهمة تبذير المال العام، إلا أن الحزب المشتكي نفسه هرول للدخول في أغلبية هذا الرئيس بعد إخراج فريق آخر بسبب حسابات سياسوية انتخابوية.
ثلاث رؤساء جماعات بتازة من نفس الحزب يدعمون مرشحا من حزب آخر و يواصلون التواصل من مرشح حزبهم و يحضرون اجتماعاته و أنشطته.
توصلت إذن إلى أن أقرب وسيلة معرفية لفهم وتحليل و متابعة مجريات السياسية الحزبية و إسقاطاتها على تسيير الشأن المحلي الجماعي و الإقليمي بتازة هو السكيزوفرينيا. المفهوم الذي ينتمي إلى حقل علم النفس المرضي، و يهتم بدراسة الجانب الباطولوجي للسلوك الفردي. و لاستنباته في حقل خاص بمتابعة السلوك الجمعي للأحزاب السياسية بتازة يجب أولا تقريب القارئ من مفهوم السكيزو فرينيا
“السكيزو فرينيا”، الفصام أو ( Schizophrenia ) اضطراب نفسي يتسم بسلوك اجتماعي غير طبيعي وفشل في تميز الواقع. يشمل الأعراض الشائعة كالوهام واضطراب الفكر والهلوسة السمعية بالإضافة إلى انخفاض المشاركة الاجتماعية والتعبير العاطفي وانعدام الإرادة. و عرفه البعض بأنه مرض عقلي مزمن يُفقد المريض القدرة على التعبير بشكل سليم أو التفكير بشكل واضح ومنطقي ومترابط . و حاول البعض الآخر تمييزه عن مزدوج الشخصية.
و إذا كان المريض بالفصام لا يملك شخصيتين بل يملك شخصية واحدة انما يعيش حالة تداخل بين الواقع و الخيال لا شعوريا لانه يعيش في عالمين في نفس الوقت عالم الهلوسة و الخيال و عالم الواقع ما يؤثر بالتالي على تفكيره و سلوكه و كلامه ، فإن الأحزاب بتازة تبعا لما تم استنتاجه أعلاه تعيش حالة تداخل بين الأخلاق و المصلحة ما يؤثر بالتالي على حكمتها و ثباتها .
و حيث أن وظيفة اللغة للتعبير و التواصل بين الناس تختل عند المريض بالفصام قليلاً أو كثيراً، حسب درجات الفصام وأنواعه. وتلتبس ألفاظه ويضطرب بناؤها ومحتواها فتجده ينتقل في نفس الجملة و نفس الخطاب من فكرة الى اخرى و من موضوع الى آخر لا علاقة رابطة بينهما و كذلك بالنسبة لمشاعره التي تتلبد او تضطرب أحيانا و أفكاره التي تبدو كالهذيان ..فإن وظيفة الخطاب السياسي تختل عند الأحزاب السياسية و السياسيين بتازة و تلتبس دلالاته لأن مواقفهم أصبحت ميكانيكية تتغير حسب تموقهم في خندق المصالح الضيقة.
و بناءا على أبجديات علم النفس السياسي الذي يقوم على دراسة السلوك السياسي يمكننا أن نخلص إلى فرضيتين أساسيين لفهم السلوك السياسي المرضي للأحزاب و السياسيين بتازة : فقد يكون المحيط و البيئة ، أكثر أهمية في تشكيل سلوك شخصية الأفراد وما لديه من اعتقادات وقيم أو حتى موروثات جينية،هما المحركين الأساسيين للسلوك السياسي أو أن هذا السلوك السياسي مدفوع بأسباب سيكولوجية و أخرى سوسيولوجية .
و للوقوف على أسباب مرض السكيزوفرينيا الذي أصاب أحزابنا السياسية بتازة لا بد من إخضاع الممارسين للسياسة بتازة إلى تحليل نفسي للوقوف على دوافعهم اللاشعورية من مرحلة الطفولة ، حتى إدراك أنماط السلوك التي يمكن أداؤها ليتمكن الباحث من الوصول إلى توقع دوافع واستراتيجيات اتخاذ القرارات. هذا لأن سلوك السياسي و مهارته في اتخاذ القرارت يتحددان عامةً من خلال تفاعل أنظمة شخصيته الثلاث الهُوَ و الأنا و الأنا العليا إلى جانب تحكمه على مبدأ اللذة، ومبدأ الحقيقة.
إلا أن ضعف المشاركة السياسية يفسح المجال أمام حالة السكيزوفرينيا التي أصابت الأحزاب السياسية بتازة ، لأن انخراط المواطنين في شؤون تدبير أمورهم هو الكفيل بمراقبة العمل السياسي ، و إحالة المرضى السياسيين إلى مستشفى الأمراض الحزبية








