يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت في أجرأة تصادمها مع المواقف المغربية، والتي برزت بشكل واضح في الخلاف المغربي مع الأمين العام للأمم المتحدة، ثم في التقرير الأمريكي حول حقوق الإنسان في المملكة، كما كان أيضا من أوضح تجلياتها الخطاب الملكي في قمة الخليج الأخيرة، والذي تميز بنوع من النقد الحاد لسياسة القوة العظمى في إدارة المنطقة وشعوبها ولمخططاتها الخفية.
هذه المرة تتخذ الولايات المتحدة قرارا بوضع قوات مختصة بالقواعد الإسبانية، بعدما كان متوقعا أن تتواجد هذه القوات على التراب المغربي قصد ترصد ومراقبة الاتجار الدولي في المخدرات الصادرة من المغرب. الخبر أكدته المصادر الدبلوماسية الرسمية الإسبانية وكذلك جهات أمريكية معنية.
قد يبدو الأمر عاديا ويدخل في إطار التعاون الدولي من أجل الحد من هذه الآفة المضرة بالاقتصاد الدولي وباقتصاد عدد من الدول، غير أنه في نظرنا المتواضع، يظل هذا الإجراء عملا له أبعاد متعددة في عمقه، من خلاله توجه الدولة الكبرى رسائل عدة إلى الداخل المغربي في شقه الرسمي والسياسي الحزبي يمكن تلخيصها في ثلاثة عناوين أساسية:
الرسالة الأولى تفيد بعزم الولايات المتحدة الرسمية على فرض قواعد جديدة في التهريب الدولي للمخدرات في المنطقة، بعدما كان تدخلها مقتصرا على بعض المناطق الجغرافية في العالم، وتحديدا في أمريكا اللاتينية، لتوسع بذلك من دائرة رقابتها على طرق ومعابر الاتجار في مناطق شمال إفريقيا وجنوب أوروبا المقابل للمغرب. هذه المهمة التي كانت من صميم عمل أجهزتها السرية نظرا لتخصيص جزء مهم من المداخيل المادية الضخمة للعمليات الاستخباراتية السرية، أو تمويل أنشطة متعددة عبر صناديق ذات ألوان متعددة، للتملص من الرقابة الداخلية وإدارة الصراعات الإقليمية بكل حرية بما في ذلك تمويل التنظيمات المتعددة الموالية لأمريكا عبر العالم.
هذه القواعد الأمريكية الجديدة من شأنها أن تفرض نوعا من الولاء لفائدتها على المهربين المغاربة وتوجيهم الوجهة التي تريد، إضافة إلى كونها قد تكون مادة دسمة للتقارير الأمريكية في هذا الصدد.
الرسالة الثانية مرتبطة باختيار أمريكا لإسبانيا لوضع قواعدها بدلا عن المغرب، الشيء الذي يعطي الانطباع بأن المغرب لم يعد بلدا متعاونا في هذا المجال، وأنه فاقد للمصداقية في محاربة الاتجار الدولي للقنب الهندي غير المستأنس، وبالتالي أصبح من الضروري وضعه تحت المراقبة ولِمَ لا التدخل عند الاقتضاء، لتفكيك شبكات التهريب داخل المملكة بما يمكنها من محاصرة المغاربة المتاجرين المعرضين للابتزاز أو الملاحقة القانونية الدولية.
الرسالة الثالثة، وهي الأهم في اعتقادنا، موجهة إلى الداخل السياسي المغربي، وتحديدا للنقاش الدائر حول الترخيص لزراعة القنب الهندي، والذي وصل إلى حد التفكير في السماح ببيع جرعات مناسبة للمخدرات داخليا. هذا النقاش الذي كان قطباه المتناقضان الممثلان في توجه الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة الذي يرى ضرورة رفع الحظر عن زراعة وإنتاج “العشبة”، في مقابله توجه حزب العدالة والتنمية الذي يرفض الحديث عن أي ترخيص لها خارج الإطار الصيدلاني لفائدة الدولة، وأن الرقابة الأمريكية الجديدة قد تكون بمثابة ورقة يلعبها بنكيران بجعلها فزاعة في وجه الدولة نظرا لنتائجها المحتملة على صورة المغرب خارجيا، وبذلك تعد ورقة تدعم موقفه في موضوع منع الزراعة.
في ظل هذا التناقض تأتي الولايات المتحدة لتتدخل على الخط، وبطريقة محكمة وبغطاء قانوني أخلاقي، لتوجه رسالة مفادها تدعيم موقف بنكيران من المخدرات، وأنه في حال استجابة الدولة لمطلب الترخيص، فإن القوة العظمى ستكون بالمرصاد لأي سوء استعمال أو أي رغبة في التحايل من أجل الاتجار الدولي في “الكيف”. وبذلك تفقد المتاجرين والمنتجين السريين الأمل في أي انفتاح للدولة على زراعتها الذي سيكون غير ذي نفع بوجود حارس قوي على الأبواب الدولية.
خلاصة القول إن الإجراءات التي تتخذها الولايات المتحدة عبر العالم، عسكرية كانت أو حتى إنسانية، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياقات الدولية والمحلية، وإنما هي بمثابة أساليب ضغط وتدخل في إعادة هندسة المجال المتدخل فيه خصوصا عند وجود تيار معاكس لسياستها الخارجية، وأنه بذلك يتعين على المغاربة أن يعوا جيدا تناقضات المرحلة وأن يقتنعوا تماما بضرورة فتح نقاشات عميقة، من أجل بلورة تصور جديد لدولة وطنية قوية، قوامها الديمقراطية الحقيقية والتنوع الثقافي واللغوي المفعل، والتوزيع العادل للقرار وللثروات، بدل الخوض في من له الحق في قيادة من دون بوصلة واضحة.







