الوطنية/يوسف العزوزي
أبانت وسائل الإعلام المحلية في السنوات الأخيرة عن ارتفاع ملحوظ في عدد الوفيات الناجمة عن الانتحار بتازة، بلغت أحيانا ثلاثة ضحايا في شهر واحد، و عبر عدد كبير من الأشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي عن حزنهم لفقدانهم صديقا أو زميلا أو جارا، و غضب آخرون من استعمال الإعلام لكلمة “انتحار” و كأنها نوع العار أو اللعنة، التي أصابت صاحبها و أسرته، على اعتبار أن ثقافة المجتمع تنهل من الدين الإسلامي، الذي يحرم قتل النفس أو الغير بدون حق ، و لا أحد حاول أن يفهم شعور المنتحر قبيل إقدامه على فعله أو النظريات المتعلقة بالظاهرة، في هذا السياق برزت الحاجة إلى تحقيق يزاوج بين التقصي الميداني و النظري لتقريب المهتم من هاته الظاهرة السيكوجتماعية .
و بعيدًا عن لغة الإعلام والمعطيات الإحصائية الغير متوفرة لدينا بشكل رسمي، فإنّ الواقع الحالي ينبئ بتحول عميق في منظومة القيم المجتمعية . حيث برزت بشكل حاد، حالات من القلق الذي بدأ ينتاب شريحة مهمة من الساكنة، وبدأ معها السؤال الوجودي يتجدد؟ ما مصير المواطن في ظل غياب ملامح سياسة تنموية كفيلة بإعطائه جرعة أمل ؟ وما هو هدفه في مجال سيطرت عليه حفنة من المستنفعين ؟ وما معنى الحياة في أفق غير واضح المعالم ؟ إلى غيرها من الأسئلة المحرقة التي باتت تؤرقه في ظل الظروف القاسية للحياة . فبعدما أصبح البعض يلهث وراء المال، ووراء البحث عن الجديد والمتفرد، بدأ البعض الآخر ينغمس في العوالم الافتراضية الوهمية بحثًا عن التسلية الواهية، فيحصل له التبدد ثم الضياع “. وأصبح العديد يعيشون في عزلة تامة ، مع إحساس بالانعزال و كلاهما وسط مجتمع طغت عليه الفردانية ، ما يدفع منهم في حالة اضطراب نفسي إلى التفكير في مجموعة من الحلول، تتراوح بين اللجوء إلى الله أو الطبيب النفسي أو الانتحار.
الاقتراب من شخصية المنتحر في الاضطراب النفسي .
بعد إقدام صديق مشترك على وضع حد لحياته ، تبادلت أطراف الحديث مع حميد _ل (دكتور في الاقتصاد) حول مفهوم الانتحار في شأن القصدية والصحة العقلية و النفسية و علاقتها بالمسؤولية الشرعية و القانونية، فأجابني بأن يمتلك تجربة شخصية يمكنها إغناء التحقيق الذي أجريه، من خلال تقريب إحساس الشخص في حالة الاضطراب نفسي.
تعرض حميد لخلل في إحدى عضلات جسمه ، و كان في حالة نفسية جيدة نظرا لمكانته العلمية و التزامه الأخلاقي و الديني و استقرار بنيته الاجتماعية، عندما زار الطبيب ليتخلص من هذا الخلل الوظيفي، فرأى الطبيب بأن الحل يكمن في منحه أدوية من شأنها وضع كل عضلات جسمه في حالة استرخاء، لكن ذلك أثر سلبا على أداء رئته و بدأ يشعر بصعوبة كبيرة في التنفس،فعاود زيارة الطبيب الذي وصف له أدوية أخرى، نجحت في معالجة الخلل الآنف الذكر، لكنها أعطت انعكاسات سلبية تجلت في فقدان القدرة على النوم لمدة 20 يوما، بالإضافة إلى رؤية شخصيات وهمية لا أساس لصحة وجودها في الواقع.
حميد الذي كان يرى أشعة الشمس بطريقة تختلف عن تلك التي يراها بها في العادة الطبيعية، تغير مفهوم الوجود بالنسبة له، و لم يعد يدرك آليات التمييز بين هذا الفعل و ذاك، و رغم أنه إبان هذه الفترة لم يفكر في الانتحار، إلا أن قيمة الحياة لم تعد هي نفسها بالنسبة إليه مقارنة مع حالته السابقة، كما أن عناية أسرته الفائقة به ساعده على استعادة قدرته على النوم روديا رويدا، إذ يستحضر شعوره بارتياح كبير بعد أول نصف ساعة نعاس في يوم واحد.
هكذا تساعدنا قصة حميد الذي قبل بنشرها تعميما للفائدة العلمية ،في فهم خطورة بعض العقاقير الطبية و ضرورة احترام المقادير الموصوفة من طرف الطبيب المعالج، علما أن الأصل في الداء عضوي و ليس سيكولوجي، لكن حولته العقاقير الطبية إلى اضظراب نفسي .
حورية _م تنفشل في وضع حد لحياتها بعد حمل غير شرعي
ارتبطت حورية التي برجل يعمل خارج المغرب على أساس الزواج به، فأقامت علاقة غير شرعية معه انتهت بحمل، و بمجرد أن علم بالأمر طار إلى بلاد المهجر و قطع كل قنوات الاتصال به. فأيقنت المسكينة أنها كانت ضحية لوحش بشري عديم المسؤولية، و رأت أن الحل الوحيد هو الانتحار، فأقدمت على شرب كمية كبيرة من العقاقير، لكن أسرتها نقلتها إلى المستشفى و حيث تم إنقادها و انكشف أمرها ، و انتقلت إلى العيش مع خالتها حيث وضعت مولودها تحت رعاية جمعية مختصة في دعم الأمهات العازبات، حورية التي قبلت نشر حكايتها تحت إسم مستعار من أجل بعث رسالة لكل الفتيات في سنها تجد صعوبة في استحضار اللحظات التي سبقت محاولتها الانتحارية مرددة :”كنت غنمشي لا دنيا لا آخرة”.
عبد الله _ع : محاولتين فاشلتين للانتحار و الثالثة أدت للوفاة
يستحضر حميد بحزن كبير مأساة انتحار عبد الله الذي كان يمتلك شخصية مرحة، انطلقت مشاكل عبد الله مع أخيه الأكبر الذي كان يستغل راتبه الشهري في قروض لإنعاش مشاريعه. كان حميد يشتكي من ظلم أخيه، تزوج و أنجب بنتا، لكن دفع عدم الاستقرار المادي زوجته إلى المغادرة إلى الرباط حيث منزل أسرتها، و لعبت الرفقة السيئة دورا أساسيا في تشجيع حميد على تعاطي المخدرات التي كانت سببا في إحساسه باضطرابات نفسية انتهت به عند طبيب نفسي، لكن ذلك لم يمنع من قيامه بمحاولتين فاشلتين للانتحار لكن الثالثة انتهت بوضع حد لحياته.
ربيع : انتحر بسبب الديون
وضع ربيع (51 سنة) الذي كان يعمل موظفا بإحدى المؤسسات العمومية، حدا لحياته بعد عجزه عن إيجاد حل لتسديد ديونه التي تراكمت جراء طلبات أسرته التي أدمنت أسلوب حياة استهلاكي، فأغرق الرجل نفسه في بحر خدمات وكالات السلف، و نتهى به الأمر بوضع حد لحياته شنقا.
الانتحار هي ظاهرة سيكواجتماعية هي سلوك عنيف أو عدوان موجّه من الذات إلى الذات، دفع تكاثره داخل المجتمعات العديد من الباحثين في مجالات مختلفة كعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم الاجتماعي الإجرامي، وعلم الإجرام، وعلم الضحيّة،… إلى القيام بالعديد من الأبحاث والدراسات ، قصد معرفة أسبابه ودوافعه وللحد من انتشاره، و فيما يلي بعض المرجعيات النظرية كما تم التطرق حسب عدد من الدراسات:
-1– نظريّة التحليل النفسي:
تنطلق نظريّة التحليل النفسي من تحاليل “فرويد” للغرائز، والتي تقر بوجود حوافز عدوانيّة فطريّة لدى الفرد، موجه بصورة تدميريّة نحو الذات، ولا تتجه إلى الآخرين إلاّ كظاهرة ثانويّة… وحسب التحليل الفرويدي تنقسم غرائز الإنسان إلى قسمين:
– غريزة الحياة، المتجسّدة في الغريزة الجنسيّة والهادفة إلى بقاء النوع.
– غريزة الموت، المتمثّلة في صورة غريزة أو دوافع عدوانيّة موجهة نحو الذات، كما يمكن أن توجّه إلى الآخرين…
ومن هذا المنطلق تصبح الممارسات العدوانيّة الموجة من الذات وإلى الذات حالات طبيعيّة لدى الإنسان وبالتالي لا تنضوي ضمن الحالات الباتولوجيّة، فهي فطريّة وتحرّكها دوافع كامن في الإنسان، ولكنها قابلة لأن تتحول إلى حالات باتولوجية عند تفاقمها وتجاوزها لحدود معينة، أو عندما تصبح مسيطرة بشكل كلي على الفرد، قد تصل إلى درجة الانتحار.
-2- النظريّة الإحباطيّة:
لا ترتكز النظريّة الإحباطية في تحليلها لظاهرة العنف الموجه من الذات وإلى الذات ومنها الانتحار على الدوافع الغريزيّة والفطريّة كما هو الحال بالنسبة لنظريّة التحليل النفسي، وإنّما أضافت بعدا تحليليّا جديدا يتمثّل في البعد الاجتماعي المنتج للشعور بالإحباط ، أي الحالة التي يتعرّض لها الفرد جرّاء فشله في تحقيق هدف ما أو شعوره المسبّق بالفشل. وهذا الإحباط يفرضه المحيط الاجتماعي من ناحيتين: أوّلا، عبر الضغوطات والإكراهات والعراقيل التي تحول دون تحقيق الأهداف والرغبات، وخاصة عدم تكافؤ الفرص في النجاح. و من خلال المكانة التي يوليها المحيط الاجتماعي للنجاح والفشل وكيفيّة التعامل معها .
-3– النظرية المازوشيّة Masochisme :
تعني المازوشيّة إيقاع الألم على الذات والاستمتاع بذلك، وارتبط هذا المصطلح بالروائي النمساوي Leopold Zacher Masoch صاحب الرواية الشهيرة “فينوس في الفراء. ويرجع الباحثين هذه النزعة المازوشيّة (Masochisme) لدى مازوش إلى مرحلة طفولته. وكان مازوش Masoch في طفولته يعيش مع عمّته التي كانت تعاشر عشيقها. و دفعه حبّ الاستطلاع ذات مرّة إلى الاختفاء في الدولاب ليشاهد ما يحدث بينهما، وبينما كان يرصد ذلك باهتمام وحماس اكتشف أمره من طرف عمّته وعاقبته بضرب مؤلم… وهكذا يفسّر المحلّلين قيام ارتباط وثيق بين الألم واللذة في هاته النظريّة.
-4- المقاربة السوسيولوجية:
أمّا في ما يتعلّق بالمقاربة السوسيولوجية لظاهرة الانتحار فيمكن الانطلاق من المدرسة الدوركايمية، حيث أكد إيميل دوركايم E.Durkheim في كتابه “الانتحار” Le Suicide (1897) أنه لا يمكن اختزال هذه الظاهرة في كونها مجرّد ظاهرة نفسية أو نفسانية مرضية، مشيرا إلى عدم وجود علاقة إحصائية بين معدل الانتحار ومؤشرات حدوث الأمراض العقلية، وركز في كتابه على فكرة أساسية مفادها أنه ” كُلَّما قَلَّت وتيرة الاندماج الاجتماعي كلما ارتفعت وتيرة الانتحار، و كلما ارتفعت وتيرة الاندماج الاجتماعي كلما قَلَّت وتيرة الانتحار” …، كما اعتبر بروز وتفاقم هذه الظاهرة نتيجة طبيعية للتحول الذي تعرفه المجتمعات، التي انتقلت من حالة “التضامن الآلي” إلى حالة “التضامن العضوي”. ونفس الفكرة تقريبا نجدها عند”هربرت سبنسر” Herbert Spencer والذي تحدث عن انعكاسات الانتقال من حالة التجانس إلى حالة اللاتجانس. واعتبر دوركايم أيضا أن الانتحار ليس قرارا فرديا منعزلا عن العوامل الاجتماعية.
كما حدد دوركايم ثلاثة أشكال للانتحار انطلاقا من علاقة الفرد بتركيبة المجتمع الذي يعيش فيه :
“الانتحار الاناني”، والذي يكون فيه الفرد فاقدا لأي ارتباط بالجماعة، وخاصة عندما يشعر أن محيطه الاجتماعي غير مؤثرة فيه، أي يشعر أنه لا يؤثر ولا يتأثر بمحيطه الاجتماعي حتى عندما يراوده ميل الانتحار.
“الانتحار الغيري”، أو الانتحار الذي يدفع إليه الغير، و هو ناتج عن فقدان الفرد لفردانيته بسبب قوة وشدة اندماجه بالمجتمع… وهذا النوع من الانتحار نجده خاصة عند الأفراد الذين يرتكبون أفعال وممارسات ينبذها المحيط الاجتماعي… وفي هذا الإطار يقول دوركايم في الصفحة 225 من كتابه ” فعندما ينفصل الإنسان عن المجتمع فإنه ينتحر بسهولة، و هو ينتحر أيضا حينما يكون مسرفا جدا بالاندماج فيه”.
“الانتحار الفوضوي”، أي الانتحار الناجم عن فقدان نظام الشرعية وعن انكسار معايير الجماعة التي من شانها أن تضبط الحياة الاجتماعية كالقيم و العادات و المعتقدات…، وهذا النوع من الانتحار عرفته العديد من المجتمعات التي عاشت ثورات سياسية واقتصادية واجتماعية مثلما هو الحال اليوم بالنسبة لتونس ومصر، حيث برزت معايير غير ملائمة لأشخاص عاشوا في ظروف وقيم تختلف عن ظروف الحاضر و قيمه الجديدة، وتفسره المدرسة الدوركايمية بكونه انتحار ناتج عن فقدان القيم أو غيابها وخاصة عن اختلال في التوازن الاجتماعي للمجتمع.
ونفس التوجه تقريبا ذهب إليه هالبواش في دراسته للأزمة البولانجية (Boulangiste) ولقضية دريفوس وفي تقييمه لنظرية دوركهايم (بعد مرور ثلاثين سنة عليها)، حيث أكد أن معدلات الانتحار تميل إلى النمو في فترة الأزمة السياسية وما شابهها…. وفي هذا الإطار نشير إلى أن مجتمعنا أصبح له استعداد للانتحار.
.
المنظمة الصحة العالمية و الانتحار
تقر منظمة الصحة العالمية بالانتحار كأحد قضايا الصحة العمومية التي تحظى بالأولوية. حيث كان أول تقرير لمنظمة الصحة العالمية حول الانتحار بعنوان “الوقاية من الانتحار: ضرورة عالمية” والذي نشر في عام 2014، يهدف إلى زيادة الوعي بأهمية الانتحار ومحاولات الإقدام عليه من منظور الصحة العمومية، وإلى جعل الوقاية من الانتحار أولوية قصوى على جدول أعمال الصحة العمومية العالمي. كما يهدف التقرير إلى تشجيع البلدان ومساعدتها في تطوير أو تعزيز استراتيجيات شاملة للوقاية من الانتحار في سياق نهج متعدد القطاعات للصحة العمومية.
في كل عام يضع أكثر من 800000 شخص نهاية لحياته، هذا فضلا عن الكثيرين ممن يحاولون الانتحار. وتمثل كل حالة انتحار مأساة تؤثر على الأسر والمجتمعات والبلدان بأكملها بما تحدثه من آثار طويلة الأمد على من تركوهم وراءهم. يحدث الانتحار في مختلف مراحل العمر، وقد سجل ثاني أهم سبب للوفيات بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً على الصعيد العالمي في عام 2012.
ويمثل الانتحار مشكلة خطيرة للصحة العمومية بيد أنه يمكن توقيه بفضل تدخلات آنية مسندة بالبينات والتي عادة ما تكون منخفضة التكاليف. ولضمان فعالية الاستجابة الوطنية يتعين توفير استراتيجية شاملة متعددة القطاعات للوقاية من الانتحار.
الاضطرابات النفسية والعصبية والمتعلقة بتعاطي مواد الإدمان. وقد التزمت الدول الأعضاء في المنظمة بموجب خطة عمل منظمة الصحة العالمية للصحة النفسية 2013-2020 بالعمل من أجل تحقيق الهدف العالمي المتعلق بخفض معدل الانتحار في البلدان بنسبة 10% بحلول عام 2020
الوقاية والمكافحة
يعتبر الانتحار من الأمور التي يمكن الوقاية منها. فهناك عدد من التدابير التي يمكن اتخاذها على مستوى السكان، والسكان الفرعيين والمستويات الفردية لمنع الانتحار ومحاولات الانتحار. وتشمل هذه الأمور ما يلي:
- الحد من فرص الوصول إلى وسائل الانتحار (مثل مبيدات الآفات، الأسلحة النارية، وبعض الأدوية)؛
- إعداد وسائل الإعلام للتقارير بطريقة مسؤولة؛
- تطبيق سياسات الكحول للحد من استخدام الكحول على نحو ضار؛
- التشخيص والعلاج والرعاية المبكرة للمصابين باضطرابات نفسية أو الاضطرابات الناجمة عن تعاطي مواد الإدمان والآلام المزمنة والاضطرابات العاطفية الحادة.
- تدريب العاملين الصحيين غير المتخصصين في تقييم وإدارة السلوك الانتحاري؛
- توفير رعاية المتابعة للأشخاص الذين أقدموا على الانتحار وتوفير الدعم المجتمعي لهم.
يعتبر الانتحار من القضايا المعقدة، وبالتالي تتطلب جهود الوقاية من الانتحار التنسيق والتعاون بين العديد من قطاعات المجتمع، بما في ذلك القطاع الصحي والقطاعات الأخرى مثل التعليم والعمل والزراعة والعدل والقانون، والدفاع، والسياسة، والإعلام. وينبغي أن تكون هذه الجهود شاملة ومتكاملة حيث انه لا يمكن لأي نهج أن يؤثر بمفرده على قضية معقدة مثل قضية الانتحار.
الانتحار و سارتر و بيداغوجيا المشروع
يوسف العزوزي: إذا كان ديكارت قد أسس للفلسفة الحديثة بالكوجيتو :”أنا أفكر غذن لأنا موجود” و ذهب كانط إلى “أنا أمتلك أخلاقا إذن أنا موجود “فإن كون بول سارتر اتجه إلى ما يعادل:” أنا أمتلك مشروعا إدن أنا موجود” و هو الكوجيطو الذي ينبغي استحضاره عند الحديث ارتفاع ظاهرة الانتحار ، لأن امتلاك المشروع ينطوي على امتلاك آليات تجاوز العقبات التي من شأنها أن تواجهه، و سواء نجح المشروع أم لم ينجح فإن حامله يكون قد نجح في تحقيق تراكم معرفي و سلوكي من شأنه تقوية شخصيته من خلال تقوية كفايات صاحبها .
هكدا يرى سارتر أن الإنسان كشخص هو مشروع مستقبلي، يعمل على تجاوز ذاته ووضعيته وواقعه باستمرار من خلال اختياره لأفعاله بكل إرادة وحرية ومسؤولية، ومن خلال انفتاحه على الآخرين. ولتأكيد ذلك ينطلق سارتر من فكرة أساسية في فلسفته وهي «كون الوجود سابق على الماهية»، أي أن الإنسان يوجد أولا ثم يصنع ماهيته فيما بعد.إنه الكائن الحر بامتياز، فهو الذي يمنح لأوضاعه معنى خاصا انطلاقا من ذاته؛ فليس هناك سوى الذات كمصدر مطلق لإعطاء معنى للعالم. إن الشخص هو دائما كائن في المستقبل، تتحدد وضعيته الحالية تبعا لما ينوي فعله في المستقبل.فكل منعطف في الحياة هو اختيار يستلزم اختيارات أخرى، وكل هذه الاختيارات نابعة من الإنسان باعتباره ذاتا ووعيا وحرية.
الفرنسي جون بول سارتر الذي يشدد أن الإنسان مشروع أي أن الذات الإنسانية هي مشروع ذاتي يتمتع بحرية الوجود على الطريقة التي تناسب كل شخص على حيدة . هذا المشروع هو في حد ذاته إرادة الشخص لتحقيق و جوده و حريته و إنسانيته . و هذا لا يتم إلا عبر الأنشطة التي يمارسها الشخص في حياته اليومية ، مثل الشغل و الفعل و الحرية . كما يرفض ، سارتر أن تكون هذه الحرية التي يتمتع بها الشخص في إبداع ذاته هي حرية للممارسة و الإنتاج على غرار الآلات و الثقافة الصناعية ، التي تنمط الإنسان .
من هذا التأطير الفلسفي تستمد بيداغوجيا المشروع أهميتها في قدرتها على تكوين شخصية تلميذ قوية قادرة على تجاوز محن و عقبات الحياة عند خروجه من من المدرسة إلى المجتمع بإكراهاته و صعوباته . بيداغوجيا المشروع تستمد أسسها من المقاربة التربوية لجون ديوي و المتمثلة في جعل المدرسة بمثابة مقاولة للتربية والتعليم، حيث تقدم وضعيات تعلم ذات معنى للتلاميذ، في صيغة مشروعات تدور حول مشكلة اجتماعية واضحة، فتجعل المتعلمين أمام تحد حقيقي للبحث فيها وحلها حسب قدرات كل منهم، وبتوجيه وإشراف من المدرس ،و ضمن إطار تعاقدي، وذلك اعتمادا على ممارسة أنشطة ذاتية متعددة و متنوعة .
وتنطلق هذه الطريقة من مبدأ تجاوز الحدود الفاصلة بين المواد الدراسية، حيث تتداخل هذه المواد لكي تشكل مجموعة من الأنشطة الهادفة، وبهذا تصبح المعلومات والمعارف مجرد وسيلة لا غاية في ذاتها. ويصير المشروع وضعية حقيقية و واقعية و مناسبة لدمج كل القدرات و الكفايات و المهارات التي اكتسبها المتعلم في جميع المواد الدراسية، وذلك من أجل استثمارها في تجاوز كل العقبات التي تعترض تنفيذ المشروع التربوي في أفق تمكنه من تجاوز العقبات التي ستعترضه و يصير قادرا على الاندماج في المحيط الاجتماعي والاقتصادي المحيط به، دون أن يعلن فشله و يفكر في الانتحار.
تازة شخصين يقدمان على احراق نفسيهما بعد لعنة البوعزيزي التي حرقت العالم العربي
لم يعد البوعزيزي التونسي الذي ألهب فتيل ثورات الغباء العربي بطلا، بل أضحى لعنة أصابت شعوب دول عربية، فحولت أعزة أهلها إلى أدلة يتسولون ما يسدون به جوعهم في الشوارع و الأزقة و على جنبات طرق الدول التي فروا إليها من الفوضى بعد أن انكشف أن الثورة هي في حقيقة الأمر آلية حولت بلدانهم إلى ساحة صراع بين الكبار و اتضح أن شعار الكرامة و الدمقراطية لم يكن إلا مخططا لتعبيد الطريق أمام وحش اسمه –داعش-.
لكن و رغم كل هذا الدمار، لازالت مفردات التعامل مع ظاهرة احراق النفس تعزف على إيقاع زمن الغباء العربي بجعلها من المحرق لنفسه بطلا يناضل من اجل رفع الظلم او الحكرة , و ان كان مطلبة مخالف للقانون .
ما يشجع على انتشار هذه الظاهرة المحرمة في عرف كل الأ ديان السماوية و الأرضية .
في هذا السياق ندرج ضمن تحقيقنا في ظاهرة الانتحار و إحراق النفس نموذج شخصين أقدما على إحراق نفسيهما بتازة في أقل من شهر .
الأول أحرق نفسه بعد أن صادرت السلطة المحلية صندوق فراولة في ملكيته , أثناء قيامها بواجبها في تحرير ملك العام .
المعني بالأمر الذي لم يمض على خروجه من السجن إلا أسابيع معدودات تسلق عمودا كهربائيا مهددا بالانتحار قبل أن يكسب على جسده مادة كحولية و يشعل النار، متجها نحو باحة مقر الاتحاد العام المغربي للشغل في رمزية إلى رغبته في تحويل سلوكه الاجتماعي إلى سياسي.
و تتعلق الحالة الثانية بشاب أقدم على حرق نفسه بثانوية الوحدة بوادي امليل بعد زوال يوم الجمعة 8 ابريل، حيث أصدرت في شأن ذلك المديرية الاقليمية لوزارة التربية الوطنية بيان حقيقة، موضحة أن المعني بالأمر غريب عن المؤسسة التي كان يدرس بها إلى غاية الموسم الدراسي 2014/2015 حيث انقطع عن الدراسة , و أن الأسباب التي دفعته لإحراق نفسه لا علاقة لها بالمؤسسة كما نفت المديرية ما راج من كون سبب محاولة هذا الشخص إحراق نفسه بسبب امتناع الادارة تسليمه شهادة مدرسية .







