تفعيلا لدوره المركزي بما هو امتداد مؤسساتي للجهات، مجاليا، مهنيا، اجتماعيا، واقتصاديا، وبما هو حاضنة أساسية للأسئلة المستجدة في الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ينظم مجلس المستشارين “الملتقى البرلماني للجهات” في دورته الـتأسيسية، يوم 6 يونيو 2016 بمقر المجلس، وذلك بمشاركة المجالس الجهوية والغرف المهنية ووكالات التنمية الجهوية، والمؤسسات الدستورية، والقطاعات الوزارية، والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والمجتمع مدني، وغيرهم من الفاعلين المعنيين بالجهوية المتقدمة.
يهدف هذا الملتقى، الأول من نوعه، إلى تحقيق جملة من الأهداف الإستراتيجية يتأتي على رأسها:
ـ الشروع الجدي في التفكير في خلق إطار مؤسساتي يلتئم فيه كل والفاعلين والمعنيين بقضايا الجهوية المتقدمة والتنمية المجالية والتكامل البين جهوي، واللامركزية وعدم التركيز في أفق الانتقال إلى تنظيم الدورات المقبلة للملتــــقى( بالتناوب) بمقرات المجالس الجهوية؛
ـ إعادة موضعة ورش الجهوية المتقدمة في صدارة الأجندة الوطنية؛
ـ بلورة أجوبة تشاركية مؤسساتية لرفع العقبات والتحديات التي تحول دون الإنطلاقة الفعلية والميدانية لتفعيل هذا الورش الإصلاحي الهيكلي الكبير.
لقد ظل موضوع الجهوية المتقدمة في صلب اهتمامات وانشغالات مجلس المستشارين، فقد خصص المجلس أولى الجلسات السنوية لتقييم السياسات العمومية، التي أقرها دستور 2011 لأول مرة، لموضوع “الحكامة الترابية ومتطلبات التنمية الجهوية”،كما نظم ندوة وطنية بتنسيق مع “اللجنة الاستشارية للجهوية”، تمخضت عنها مجموعة من التوصيات الهامة، شكلت بالإضافة إلى توصيات “المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي”، أرضية هامة للنقاش حول هذا الورش الإصلاحي الهيكلي والإستراتيجي.
ويتوخى هذا “الملتقى البرلماني للجهات” خلق آلية للتفاعل الإيجابي بين المجالس الجهوية المنتخبة ومختلف الفاعلين والبرلمانيين، وإطلاق دينامية للتفكير الجماعي في آليات وسبل إنضاج وإنجاح ورش الجهوية المتقدمة، وذلك من خلال تنظيم مجموعة من الأوراش الفكرية في المواضيع ذات الارتباط بأسئلة تفويض الاختصاصات ونقل الإمكانيات، وإشكاليات التمويل واستخلاص المداخيل على المستوى المحلي، ورهانات التنمية المندمجة والمستدامة، والأهمية الإستراتيجية لتنمية الكفاءات البشرية على الصعيد الجهوي، وإشكاليات الاستهداف وتنسيق المهام والمسؤوليات في السياسات الاجتماعية اللاممركزة، ودور الديمقراطية التشاركية في إنجاح الجهوية المتقدمة.
-أرضية تأطيرية-
السياق العام
شكلت الانتخابات الجماعية والجهوية للرابع من شتنبر 2015، وما تلاها من انتخاب للمجالس الجهوية والجماعية ولمجلس المستشارين، محطة أساسية في مسار تنزيل الجهوية المتقدمة التي انخرط فيها المغرب بكل فعالياته وحساسياته، والتي كرسها دستور 2011 كإطار ملائم لبلورة إستراتيجية بديلة لتحقيق تنمية سوسيواقتصادية متوازنة، من خلال الاستثمار الأمثل للمؤهلات والموارد الذاتية لكل جهة واستنهاض همم مختلف الفاعلين المحليين والمشاركة في إقامة وإنجاز المشاريع المهيكلة الكبرى وتقوية جاذبية الجهات.
لذلك، يعتبر ورش الجهوية المتقدمة ورشا إصلاحيا هيكليا عميقا، يقتضي تفعيله اعتماد مقاربة تقوم على التدرج والتقييم المستمر، ويحتاج إنضاجه وتطويره بشكل خاص إلى تنسيق مؤسساتي فعال بين مختلف الفاعلين، من مجالس جهوية وغرف مهنية ومؤسسات دستورية وقطاعات وزارية وفاعلين اقتصاديين واجتماعيين ومجتمع مدني، وهو التنسيق الذي يتطلع مجلس المستشارين، باعتباره امتدادا للمجالات الترابية، إلى أن يضطلع فيه بأدوار طلائعية.
التحديات والرهانات
النموذج المغربي للجهوية، كما أعلن فلسفته جلالة الملك ورسمت ملامحه اللجنة الاستشارية للجهوية وماتلاه من ترسيم دستوري وقانوني، يأتي استجابة لضرورة تاريخية تحصن المكتسبات الديمقراطية وتفتح آفاقا جديدة تشكل فيها الجهوية المتقدمة رافعة لتكريس التنمية المستدامة والمندمجة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وبيئيا، ومدخلا لإصلاح عميق لهياكل الدولة من خلال السير الحثيث المتدرج على درب اللامركزية واللاتمركز الفعليين النافذين، والديمقراطية المعمقة، والتحديث الاجتماعي والسياسي والإداري للبلاد، والحكامة المسؤولة.
ومما لاشك فيه، أن بلوغ أهداف ومرامي الجهوية المتقدمة لا يتوقف فقط على إنتاج نصوص تشريعية، مهما بلغت جودتها، لا سيما في ظل الصعوبات والإشكاليات الميدانية التي تعترض أجرأتها وتدبيرها، في ارتباط مع الموارد البشرية والمالية، ونمط الحكامة ورهانات التنمية المندمجة، ذلك أن مجالات مثل العقار، والملك العمومي، والصفقات العمومية المحلية، والتدبير المفوض، والعلاقات البين-جماعاتية والبين-مؤسساتية، كلها مجالات يستوجب التعاطي معها ابتكار آليات ومقاربات جديدة ومتجددة، وتوفير إمكانيات بشرية وتقنية كفيلة بالرقي بتدبير الشأن المحلي إلى مستوى التطلعات.
على صعيد آخر، وجب التأكيد على أن الحد من أسباب التداخل والتنازع في الاختصاصات بين المجالس المنتخبة المتراكبة في مجال ترابي واحد، يستدعي تطوير التجمع البيني للجماعات (Intercommunalité) بهدف تعضيد (Mutualisation) المشاريع والوسائل لدى الجماعات في إطار تنظيمها البيني الديناميكي، الأمر الذي يقتضي تفكيرا جماعيا إستباقيا في الإشكالات والأسئلة المرتبطة بما يمكن أن يصطلح عليه ب”النقل الأفقي للاختصاصات”.
أهمية وراهنية التنسيق المؤسساتي
بالنظر إلى كل هذه الإكراهات التي تطبع فترة التأسيس لورش الجهوية المتقدمة، وحجم الرهانات والتحديات التي تكتنف هذا الورش الإصلاحي الهيكلي، فإن إنضاجه يقتضي إحداث إطار منظم للتنسيق المؤسساتي لتحقيق الالتقائية والتكامل في وجهات النظر.
ومن جهة أخرى، فإن راهنية وملحاحية هذا التنسيق المؤسساتي يفرضها الطابع التراكمي لإكراهات التنمية المحلية، وعلى رأسها التباين الصارخ بين الجهات في مجال الاستثمارات العمومية، والذي ينعكس على مجالات عديدة ومختلفة، إذ نجده ينتج ويتسبب في تراكم تباينات أخرى، لاسيما على مستوى الخدمات الاجتماعية، كما ينعكس سلبا على مناخ الأعمال، ويضعف قدرة الكثير من الجهات على جلب الاستثمارات الخاصة. ذلك أن مستوى البنيات التحتية، وتبسيط المساطر والإجراءات، وحسن التدبير والسرعة في الإنجاز، كلها عوامل تميز جهات عن أخرى، وتخلق بالتالي جهات غنية لها إشعاع وإغراء، وجهات فقيرة مغبونة لا مكانة ولا صيت لها على الخريطة.
الملتقى البرلماني للجهات: آلية مبتكرة للتنسيق المؤسساتي
جدير بالذكر، أن موضوع الجهوية كان دائما في صلب اهتمامات وأشغال مجلس المستشارين، باعتباره امتدادا لتمثيلية المجالات الترابية، ولا أدل على ذلك أن أولى الجلسات السنوية لتقييم السياسات العمومية، التي أقرها لأول مرة دستور 2011، خصصها المجلس لموضوع “الحكامة الترابية ومتطلبات التنمية الجهوية”، وهو الموضوع الذي أنجزت فيه المجموعة الموضوعاتية المؤقتة المكلفة بالتحضير للجلسة السنوية لتقييم السياسات العمومية سنة 2015، تقريرا شاملا، بناء على تقارير ودراسات أنجزتها مجموعة من القطاعات الوزارية والمؤسسات الدستورية في الموضوع، لاسيما المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الأعلى للحسابات.
اليوم، وبالنظر إلى دخول مجلس المستشارين في مرحلة دستورية جديدة، عززت اختصاصاته وأغنت تنوع تركيبته، نتطلع إلى جعل مجلسنا الموقر رافعة مؤسساتية للجهوية المتقدمة ومجلسا حاضنا للتنسيق المؤسساتي وللتفكير الجماعي في سبل ومقومات نجاح هذا الورش الإصلاحي المهيكل، وذلك من خلال إحداث “الملتقى البرلماني للجهات”، بمثابة لقاءات دورية مشتركة مع المجالس الجهوية المنتخبة والغرف المهنية وجميع القطاعات الوزارية والمؤسسات الدستورية والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين وهيئات المجتمع المدني المعنية بالشأن المحلي، بمعدل دورتين في السنة تخصص للنقاش والتداول في المواضيع ذات الارتباط، توخيا لتحقيق الالتقائية في وجهات النظر وبناء التراكمات الإيجابية في سبيل إنضاج وإنجاح ورش الجهوية المتقدمة.
ونطمح من خلال إحداث “الملتقى البرلماني للجهات”، الذي نعتزم تنظيم أولى دوراته (الدورة التأسيسية) خلال الأسبوع الأول من شهر يونيو المقبل بمقر مجلس المستشارين، في أفق الانتقال إلى تنظيم الدورات المقبلة للملتقى بمقرات المجالس الجهوية، إلى خلق آلية للتفاعل الإيجابي بين المجالس الجهوية المنتخبة ومختلف الفاعلين والبرلمانيين، بغية تمكين أعضاء مجلس المستشارين، بمختلف انتماءاتهم، من تملك الملفات والقضايا ذات الارتباط بالجهوية المتقدمة حتى يتسنى لهم بلورتها وتوظيفها بالأولوية في عملهم البرلماني، سواء على مستوى التشريع، أو على مستوى الرقابة وتقييم السياسات العمومية، أو غيرها من أوجه العمل البرلماني.
توصيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بشأن الجهوية المتقدمة: أرضية ملائمة للتنسيق المؤسساتي
لقد أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي مجموعة من الآراء والدراسات ذات الارتباط بموضوع الجهوية المتقدمة، من ضمنها النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، الذي أعطى الانطلاقة الرسمية لعملية تفعيله جلالة الملك، بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، والذي يشكل الأرضية الأساسية، ويتضمن المقاربة المناسبة التي يمكن أن تعتمدها الجهات الأخرى، كي تقوم بإعداد برامج تنميتها الجهوية، مع تكييف ذلك النموذج مع خصوصيات كل جهة ومؤهلاتها.
ومن ضمن الإصدارات القيمة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، نذكر أيضا الرأي الذي أعده لفائدة مجلس المستشارين في موضوع “التوزيع المجالي للاستثمار العمومي في أفق الجهوية المتقدمة، ودور المراكز الجهوية للاستثمار في إعداد وبلورة المخططات التنموية على الصعيد الجهوي”، والتقرير حول “تدبير وتنمية الكفاءات البشرية: رافعة أساس لنجاح الجهوية المتقدمة”.
وتضمن التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي برسم سنة 2014، عددا من التوصيات لضمان شروط إنجاح الجهوية المتقدمة، والتي يمكن اعتبارها أرضية لانطلاقة أوراش الملتقى البرلماني للجهات. ومن جملة هذه التوصيات، نذكر:
- الإسراع بوضع ميثاق يتعلق بتفويض الصلاحيات والوسائل، ويوحد مجموع الآليات التشريعية والتنظيمية والإدارية لضمان نقل الصلاحيات والموارد التي من شأنها تمكين الجهات من الاضطلاع الكامل بالمهام والمسؤوليات الموكولة إليها؛
- التأكيد على دور الرأسمال البشري في تعزيز الكفاءات الجهوية، وإثارة انتباه السلطات العمومية إلى الحاجة الملحة لجعل مسألة تنمية كفاءات الموارد البشرية التي تتحمل عل الصعيد المحلي مسؤولية التسيير والتدبير (المنتخبون المحليون، موظفو الجماعات المحلية، وموظفو المصالح اللاممركزة) في مقدمة أولوياتها؛
- العمل على إحداث تنسيق مؤسساتي فعال بين مختلف الفاعلين الذين يمثلون الدولة والجهة والجماعات، وبين مختلف الوكالات التي تعنى بالتنمية داخل الجهة، وخلق تكامل ناجع فيما بينها؛
- الإسراع بتدقيق وجدولة الترتيبات لضمان نقل الكفاءات والوسائل إلى الجهات؛
- إعداد برنامج التنمية الجهوية والتصميم الجهوي لإعداد التراب من طرف كل جهة على حدة، من أجل تهيئة ترابية تعزز الاستدامة والتنافسية وجاذبية الجهات…
وتجدر الإشارة إلى أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أصدر في متم شهر مارس المنصرم، تقريرا جديدا بعنوان “متطلبات الجهوية المتقدمة وتحديات إدماج السياسات القطاعية”، ضمنه 76 توصية لإنضاج وإنجاح ورش الجهوية المتقدمة، تهم بالأساس:
- تدعيم وتقوية البنية الإدارية الفاعلة جهويا، وتعزيز متطلبات استقلالية الفعل الإداري الجهوي بما يتناغم مع اختصاصات الجهات والتوجهات العامة للدولة؛
- إعادة تعريف مخططات التنمية الجهوية، في إطار النهوض بتنمية اقتصادية واجتماعية وبيئية مستدامة؛
- تحسين انسجام واندماج السياسات العمومية على المستوى الترابي؛
- تقوية القدرات التمويلية للجهات عن طريق فتح قنوات للتمويل والتعبئة الذاتية تتماشى مع القدرات التنموية للجهات، مع ترسيخ التضامن الذاتي للجهات، والتكامل فيما بينها وبين المركز؛
- تعزيز الديمقراطية التشاركية؛
- إرساء آلية دائمة للتقييم والتواصل.
أوراش الملتقى البرلماني للجهات
على أرضية التوصيات الصادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، يتوخى الملتقى البرلماني للجهات خلق دينامية للتفكير الجماعي في آليات وسبل إنضاج وإنجاح ورش الجهوية المتقدمة، وذلك من خلال تنظيم مجموعة من الأوراش الفكرية في المواضيع ذات الارتباط بأسئلة تفويض الاختصاصات ونقل الإمكانيات، وإشكاليات التمويل واستخلاص المداخيل على المستوى المحلي، ورهانات التنمية المندمجة والمستدامة، والأهمية الإستراتيجية لتنمية الكفاءات البشرية على الصعيد الجهوي، وإشكاليات الاستهداف وتنسيق المهام والمسؤوليات في السياسات الاجتماعية اللاممركزة، ودور الديمقراطية التشاركية في إنجاح الجهوية المتقدمة…
هذه الأوراش الفكرية، نتطلع إلى تنظيمها في شكل ندوات موضوعاتية على مستوى الجهات (بالتناوب)، على أن يحتضن مجلس المستشارين الدورة الأولى بمثابة ندوة تأسيسية تخصص للتداول في توصيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وللتحديد التشاركي للمواضيع التي يجب أن تحظى بالأولوية ضمن الندوات الموضوعاتية.








