ملاحظة أولية: يشتمل هذا العمل على ثلاث أجزاء أساسية، يعرض على الجريدة في ثلاث حلقات:
• الجزء الأول: أهم خصائص السياسات البيئية والمناخية إبان فترة الاستعمار التي طبعت مدينة تازة من 1914 إلى 1956.
• الجزء الثاني: أهم مميزات الحقبة الاستقلالية الممتدة من 1956 إلى 2015 والتي طبعت مناخ المدينة وحولته في عقود قليلة إلى مناخ شبه صحراوي.
• الجزء الثالث: توصيات بمثابة الخطوط العريضة لخارطة طريق بديلة في مجال سياسات التعمير الحالية.
تعرف مدينة تازة تراجعات كثيرة على جميع المستويات الإنمائية والاقتصادية وامتدادات هذه التراجعات على المستوى السكاني والاجتماعي والعمراني والبنية التحتية والمرافق التعليمية والصحية والرياضية والثقافية. فبعد استقلال المغرب سنة 1956 كانت المدينة مرشحة للعب أدوار طلائعية إقليميا وجهويا على الأقل بما كانت تتوفر عليه من أرصدة تاريخية أصيلة وأخرى عصرية. حلم مدينة بأكملها توقف مع الأسف الشديد مع بداية الاستقلال وتعرضت المدينة عكس كل التوقعات إلى مسلسل رهيب من الإقصاء والتهميش مازال مستمرا إلى يومنا هذا. وهنا يؤسفني أن أقول أن سياسات الاستعمار البيئية والمناخية رغم ما يمكن أن يؤاخذ عليها كسلطة استعمارية، كانت أرحم على مناخ المدينة وبيئتها من سياسات التعمير المتبعة بالمدينة منذ الاستقلال وهذا لعمري قمة الدراما والانتكاسة كان من ضحاياها على السواء وما زال كل من البشر والحجر والشجر.! إن السؤال الجوهري الذي سوف نحاول الإجابة عنه من خلال هذا المقال هو: كيف لمنطقة جبلية معروفة من زمان بتنوع غطائها النباتي ووفرة مياهها الجوفية والسطحية واعتدال طقسها بشهادة حضور دائم لطائري الحسون والسنون، أن تصبح بين ليلة وضحاها منطقة حبيسة ظاهرة الاحتباس الحراري والذي من تجلياته ظهور فصلين في السنة عوض أربعة فصول. وبدون مبالغة وحتى نتأكد من هول الكارثة البيئية التي تحدق بالمدينة فلنتفقد أرشيف إحصائيات المصلحة الجوية بالمغرب طيلة العقود الستة الماضية أي إحصائيات المصلحة منذ استقلال المغرب في سنة 1956 حتى أيامنا هذه، فسوف نصعق من استنتاج أن مدينة تازة في مستويات الحرارة العليا أصبحت تصنف مع الأقاليم الجنوبية الصحراوية للمملكة إن لم تفق هذه المستويات العليا المسجلة في تازة في كثير من الأحيان المستويات العليا المسجلة في الأقاليم الجنوبية. إذ كيف لمنطقة ذات خصائص طبيعية معتدلة من تربة خصبة في معظمها ومنطقة جبلية ذات غطاء نباتي غني ومتنوع، مستوى علو على مستوى سطح البحر لا يقل عن 500م، من أكثر مناطق المغرب معدلا في تساقطات الأمطار مع تراجع تصاعدي من عقد إلى آخر، من أغنى مناطق المغرب مياه سواء كانت جوفية أم سطحية في شكل ثلوج على قمم الجبال وتبعد بكيلومترات قليلة عن المنتزه الوطني لتازكا. إذا كيف لمنطقة ذات مواصفات شبيهة أن تفقد من طبيعتها المعتدلة على امتداد عقود قليلة حتى انقلب مناخها فجأة إلى مناخ شبه صحراوي؟؟. والجواب بالطبع أن العوامل الطبيعية المشتركة مع باقي مناطق المغرب والعالم قد لعبت دورا سلبيا أكيدا لكن هذا الدور (وهنا المفاجأة) يبقى ثانويا أمام العوامل البشرية والمتمثلة أساسا في السياسات التعميرية الفاشلة التي تعد في نظرنا السبب الرئيس في انتقال طقس تازة من طقس معتدل إلى طقس شبه صحراوي على امتداد عقود قليلة من الزمان )خمسة أو ستة عقود( وإليكم الأدلة الدامغة التي لا تخفى على عين بصير.
إن المتأمل لتموقع المدينة الفريد، يفهم بسرعة أن المدينة محمية طبيعية بفعل مرتفعات جبال الريف وجبال الأطلس من ثلاث جهات: الشمال والغرب والجنوب. يبقى الشرق إذن هو نقطة ضعف هذا النظام الطبيعي الحاضن لمدينة تازة وهي الفجوة التي من شأنها إن لم تواجه بمجموعة من الإجراءات القرارات الواعية أن تتسبب في اكتساح ظاهرة الاحتباس الحراري لمدينة تازة وتؤدي في نهاية المطاف إلى تصنيف طقس تازة من طقس معتدل إلى طقس شبه صحراوي. وقد فطنت سلطات الحماية الفرنسية مبكرا للخصوصية المناخية لهذه المدينة فقامت بإجراءات ذكية وفعالة لحمايتها من خطر رياح الشركي الآتية من الشرق وذلك عبر سياسة بيئية غابوية وفلاحية استفاد من ثمارها هو الأول بطبيعة الحال قبل أن تستفيد المدينة من هذه السياسة والتي ارتكزت على المحاور التالية المفصلة في الجزء الأول من هذا العمل:
الجزء الأول: أهم خصائص السياسات البيئية والمناخية إبان فترة الاستعمار التي طبعت مدينة تازة من 1914 إلى 1956.
أ – داخل المجال الحضري:
قامت سلطات الحماية الفرنسية بغرس أعداد كبيرة من مختلف أنواع الأشجار ملائمة لنوعية تربة المدينة ومناخها، الشجر الكندي(platane) وشجر تايدة وشجر الكاليبتوس وشجر العرعار والصفصاف وغيرها على امتدادا الشوارع الرئيسية للمدينة والذي مازال بعضها قائما إلى اليوم قبل أن يجتث معظمها من طرف القائمين على الشأن المحلي أو بفعل عامل الزمن والشيخوخة، ومن أهم الأماكن الشاهدة على هذه السياسة أماكن مثل حديقة جنان السبيل بالمدينة العتيقة، غابة علي بن بري المحيطة حاليا بعمالة تازة في شكل حزام اخضر للمدينة العتيقة في الجهة الجنوبية – الشرقية، غابة سيدي عيسى والتي تعتبر امتدادا لغابة علي بن بري حتى التقائها بالسور الأثري بباب الجمعة التحتي، الغابة المطلة على المسبح البلدي من جهة الجنوب وامتداد الأشجار في سفح الجبل لتقوم بتطويق المسبح البلدي من جميع الجهات وخاصة في اتجاه عين النساء وفندق افريواطو حاليا، حديقة مسجد موريتانيا بوسط المدينة وامتدادها شمالا حتى شارع محمد الخامس حيث أقيم محلها مركز تجاري والمقاطعة الحضرية الثانية بوسط المدينة وحديقة 20 غشت بوسط المدينة. ورغبة في الاختصار أتجاوز ذكر مناطق أخرى بوسط المجال الحضري لمدينة تازة استفادت من سياسة المستعمر البيئية كالجهة الغربية لشارع ولي العهد قرب إدارة الأمن الوطني وسط المدينة في اتجاه القاعدة العسكرية المتمركزة في الجهة الغربية للمدينة.
ب – خارج المجال الحضري:
فطنت سلطات الحماية الفرنسية مبكرا إلى ضرورة نهج سياسة بيئية استباقية تكون صمام أمان أمام المخاطر المناخية المحدقة بمدينة تازة فقامت عبر مدة قصيرة بخلق حزام أخضر شامل محيط بالمدينة من أربع جهات:
• الجهة الغربية والجنوبية: انطلاقا من جبل تومزيت مرورا بمرتفعات الشقة ورأس الماء في اتجاهات جنوبية عديدة مثل باب بودير ومغراوة وبويبلان قام المعمر الفرنسي بإنشاء غابات شاسعة ممتدة على آلاف الهكتارات ولعل أهم إنجاز يحسب للمعمر الفرنسي قيامه بتشجير المنتزه الوطني لتازكا والمتمركز على بعد 10 كيلومترات فقط جنوب مدينة تازة والذي يعتبر من أهم المنتزهات الوطنية على الإطلاق من حيث نوعية الغطاء النباتي والتواجد الحيواني وحضور أصناف هامة من الطيور المهاجرة والمقيمة.
• الجهة الشمالية: قام المعمر الفرنسي بغرس آلاف الهكتارات من الغابة في الجبال الخلفية لمقدمة جبال الريف انطلاقا من مدينة تازة وكهذا نجد أن غابات تايناست الشهيرة والكوزات واكزناية وأجدير وبورقبة وأكنول وتيزي وسلي وحد امسيلة هي من إنجاز الحقبة الاستعمارية.
• الجهة الشرقية (وهنا بيت القصيد) كما سبقت الإشارة إلى ذلك سابقا فإن الجهة الشرقية تشكل نقطة ضعف هذا النظام الجغرافي المتميز لمدينة تازة والذي هو عبارة عن محمية طبيعية تحيط بالمدينة من جميع الجهات باستثناء المنطقة الشرقية حيث توجد مرتفعات مقدمة سلسلة الهضاب الشرقية مصدر تدفق الرياح الشرقية والمعروفة بالشركي، قلنا سابقا أن المعمر الفرنسي فطن بسرعة إلى أهمية اتخاذ قرارات استعجالية بهذه المنطقة وذلك عبر سلسلة من الإجراءات العملية تمثلت في:
– خلق منطقة فلاحية في شكل ضيعات فلاحية بورية وسقوية تمثلت بالإضافة إلى زراعة الحبوب غرس عدد كبير من الأشجار المثمرة وغير المثمرة، وهي ذات الضيعات التي تحولت من بعد مرحلة الاستعمار إلى تعاونيات فلاحية.
– تخصيص مساحات شاسعة من الأراضي المنبسطة في زراعة كروم العنب الجيد بحيث أصبحت المنطقة الشرقية من مدينة تازة معروفة على الصعيد الوطني بجودة كرومها وعنبها. ومن المعروف أنه من خصائص كروم العنب بالإضافة إلى مردودها الاقتصادي الهام، تكوينها لغطاء طبيعي أخضر في أخطر فصول السنة سخونة واستقبالا لرياح الشركي المفرطة السخونة والآتية من الشرق. وبهذه السياسة الفلاحية والبيئية في نفس الوقت استطاع المعمر الفرنسي إكمال الحماية الطبيعية لمناخ مدينة تازة من أربع جهات وهكذا وبفضل هذه الرؤية العملية استطاع مناخ تازة الصمود لعقود عديدة أمام رياح الشركي العاتية الصحراوية وبالتالي الحفاظ على خصوصياته كمناخ متوسطي معتدل.
والآن وبعد هذه الإطلالة التاريخية على مناخ مدينة تازة آن الأوان لنعرف ماذا وقع منذ استقلال المدينة حتى أصبحت الكارثة المناخية لمدينة تازة واقعا معاشا يوميا وكابوسا لسكان المدينة الذين لا حول لهم ولا قوة.
عبد الله الأزرق
(*) خبير قضائي في الحسابات
تـازا24








