سيميائيات الفضاء في رواية “الأسود يليق بك”
تعتبر رواية “الأسود يليق بك” للمؤلفة الجزائرية “أحلام مستغانمي”من بين الروايات التي تستمد هويتها انطلاقا من الفضاء المكاني، باعتباره العنصر الذي يضفي معاني متعددة على الذوات والأفعال ويهيئ للدلالات المكونة لبناء النص، ويعمل على بيان اختصاصاته السردية والأجناسية. فالفقرات التي يوظفها النص لوصف المكان كثيرة ومتعددة الشيء الذي ينعكس على مستوى جغرافيته المرئية، وبذلك يدخل في تكوين تجربة فنية عميقة تضفي معنا مضافا على الأحداث وعلى الفواعل وكذا اللغة ليصير محورا ناظما لبنية السرد في الرواية.
يقصد بدراسة الفضاء سيميائيا إبرازه بوصفه قيمة تتمظهر على مستوى العلاقات التي تنسجها مع الفواعل، وهكذا لا تؤخذ التمفصلات الفضائية إلا بالقدر الذي تكشف فيه عن نفسية الفواعل وانتماءاتها الاجتماعية ومواقفها تجاه الوجود. فالرواية نظام سردي لغوي فني يتشكل من خلاله العالم مكانيا، والعلاقة بين الأمكنة تتسم بالتعارض وبالتعدد الدلالي، فوحدة “الجزائر” تجسد معنى الألم في حين نجد وحدة “سوريا” تجسد معنى الاستقرار والأمان، هذا فضلا عن وحدة “بيروت” المجسدة لمعنى العمل والشهرة وفي الأخير هناك وحدة “باريس” المجسدة لمعنى الانفتاح.
– ترسيمة الفضاء
ينقسم خطاب الرواية إلى نصين اثنين نص الذات “هالة الوافي” والإرهاب، ثم نص “طلال هاشم” وما يرتبط به من أموال وأعمال، الشيء الذي يتوزع جراءه فضاء الرواية إلى فضائين متغايرين ومنفصلين عالم فضاء “هالة الوافي” الانتكاسي ثم عالم “طلال هاشم” المغري. و يتوزع هذا التنظيم النصي لأيقونة الفضاء بين جدلية المكان الناقص المرفوض والمكان الكامل المطلوب، الأول عالم مكان عام يتمثل في الجزائر (الوطن) الذي تجمعت فيه الرداءة وعششت فيه جراثيم الفساد والظلم والاستبداد والعنف وانعدام الأمن والاستقرار، أما الثاني فهو عنوان المحبة والصفاء والعافية والاستقرار وقوة الأمل والمقاومة وبفضله تبرم هالة الوافي الصلح مع المستقبل.
تتناسل فضاءات الرواية لتشكل ما يصطلح عليه ب “أثار المعنى” في الصورة المكانية لعالم “الجزائر” الذي فقد معاني وظيفته بأن أصبح موقعا للصراع بعد أن كان رمزا للأمن والاستقرار.
الفضاء العام المشكل لمتن الرواية متناقض المعاني والقيم التي يرسخها كل فضاء على حده، بحيث كل فضاء ينعزل عن غيره الشيء الذي يجعل نص الرواية يستمد انسجامه ومصداقيته من صرامة العلاقات التي تجمع بين العوامل والأفعال. ويمكن ملاحظة ذلك كالآتي: الجبل (الغابة) يجسد المكان المعزول والمنفصل عن المجتمع والوطن، والذي يحتضن الإرهابيين باعتبارهم ذوات خارجة عن القانون. إنه عالم يستمد شرعيته من اللاقانون ولعل ربط الإرهابيين بالغابة فيه من المعاني الوحشية والحيوانية ما يكفي لتصوير مشاهد المذابح والتقتيل والتعذيب وسفك الدماء دون رحمة ولا شفقة ” شاهد أحدهم يخنق نفسه عبر أكل الرمل الممزوج بالأرض الممتدة حول الشجرة التي كان مربوطا إليها فعلى مرأى منه كان يسلخ أسير من جلده ويترك لأيام يحتضر إلى أن يفرغ من دمه”[1].
ويمكن رصد الدلالات الحكائية التي تنظم مكونات الفضاء على المستوى التالي:
الجزائر : بداية القصة مكان تراجيديا الإرهاب ومبدأ الشهرة.
الشام – بيروت : فضاء الحرية والاستقرار والتألق.
باريس : الفضاء الوجداني الذي يمثل الوظيفة العاطفية بالنسبة لعاملي الذات “طلال وهالة”.
فيينا : نهاية القصة الغرامية بين الذاتين (طلال-هالة) وانكشاف الحقيقة (السر).
من خلال هذه الدلالات نستنتج أن الفضاء مبني على منظومة توزيع القيم، أي أن القيم التي يرسخها متن الرواية تنسجم مع صور الفضاء نصيا و قيميا وهكذا يرتبط فهم نسق الأحداث مع الصور الذهنية المرتبطة بالأمكنة.
الذات \هالة الوافي \ التخلص من موضوع (التهديد) أدى بها إلى الهروب من الجزائر الفضاء الأول المتوحش والمستبد بحياة الأبرياء إلى سوريا فضاء الحرية والأمان. الشيء الجميل في هذا الفضاء الثاني هو \ الفن \ المهنة التي شكلت مصدر الخطر المحدق من طرف عائلة الذات \هالة الوافي \ وكذا من طرف الإرهابيين المتطرفين، فهذه المهنة التي
تحيط بها المخاطر من كل جهة قامت الذات “هالة الوافي” بتحولها إلى سلاح مضاد تواجه بها أعدائها بما فيهم عمها الذي يتهمها بتدنيس شرف العائلة.
داخل هذا الفضاء \الجزائر\ يكمن فضاء آخر غائب اسمه “مروانة” الذي يعتبر بمثابة مدرستها الموسيقية فمنه تعلمت الشجن فهي بمثابة الفضاء الغائب الذي يتم استرجاعه عن طريق الذكريات.
وحدة فضاء الشام: يشكل الشام عموما بما في ذلك حلب وحماه إلى جانب بيروت وحدة مكانية خاصة لجلبها هالة إلى عالمها، الشيء الذي تولد عنه موقفا دراميا لحالات وتحولات الذوات في استبدالها لعوالمها القديمة بعوالم جديدة خاصة \هالة\ و \أمها\. كما تشكل سوريا ولبنان وحدة مكانية خاصة بكونها قطبا ثقافيا وإعلاميا على مستوى العالم العربي هذا ما جعله يستقطب هالة إلى عالمه، وبهذا فإن هذه الوحدة الفضائية تكون قد خلقت موقفا دراميا مخالفا لما كانت عليه الفواعل في الوحدة الفضائية الجزائر، فالشام تجسد لوظيفة مغايرة لسابقتها “الجزائر” وهذه الوظيفة هي “الاستقرار \الشهرة \الحب ” وهي تبدو ايضا تحصينا وحماية للذات هالة الوافي من المخاطر.
جبال الأوراس: هذا الفضاء اختار أن ينتصب بعيدا عن الأمكنة البشرية، فهو فضاء الشموخ والتعالي ومدرسة هالة في القوة والشجاعة والكبرياء.
غابة بلونيا: تمثل فضاء الراحة الاستجمام والتأمل.
تأخذ العلاقة المكانية الجزائر \باريس شكل تضاد ثنائي يستثمره النص لبناء نموذج ثقافي تنتظم فيه الثنائيات الانغلاق\الانفتاح، الجمود\الحركة، القمع\الحرية، الحياة\الموت، الجهل\العلم، النظام\الفوضى، وهذا ما يستنتج من المقارنة التي أتت على ذكرها المؤلفة ولو بشكل غير صريح، بل من خلال كلمة “أحبك” التي كان يستحيل النطق بها حتى من طرف الأم مع أبنائها، في حين تصور لنا مشهد مغاير في باريس حيث يقبل طلال حبيبته هالة في الشارع العام، و”على مرأى من السماء ومن نهر السين ومن برج إيفل”، دون أن يستوقف أحد ما المشهد، فالمؤلفة تستهدف من خلال هذه المقارنة تلك العقول المتحجرة التي ما تزال تحكم الجزائر في القرن الواحد والعشرين، في حين أن هناك قضايا أخرى أهم من هذه الكلمة التي راح ضحيتها العديد من الأبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم أحبوا الحياة.
يعتبر فضاء الشام وحدة مكانية لها القدرة على تغيير الفضاء القديم “الجزائر” بفضاء جديد يتخطى كل الحواجز النفسية والعاطفية، فهو الفضاء الحاضن والحامي بضمه لمؤشرات تجاوز موضوع التهديد والخطر، إضافة إلى أنه يشمل صورة هالة الوافي وعائلتها بالتعاطف والتجاوب من خلال استقطابها وتخصيص حملة إعلامية مكثفة لها لترويج أغانيها وتسجيل ألبوماتها بالإضافة إلى اللقاءات التلفزيونية.
ترتقي وحدة فضاء “باريس” إلى درجة النموذج التصويري للواقع المتحضر والتحول من العالم المتخلف والتقليدي إلى الانفتاح على النظم الحضارية والانخراط في عالم الفكر والقانون والثقافة والتقنية.
الجزائر \ باريس: ينتميان إلى فضائين مختلفين ومتعارضين على المستوى التصويري والقيمي، فالأول يسير ضمن مجال القيم الدينية المقترنة بالتطرف والجهاد في سبيل الله كما يسمى عند الكتائب الإرهابية، بينما يروم الثاني الالتحام بالقيم الاجتماعية المقترنة بمعاني الانفتاح والحرية والتحضر(الحضارة).
فالشام اذن هو المكان المستقبل الذي تجري فيه الأمور بطريقة عادية بينما وثيرة الأحداث تكون مغايرة في المناطق الأخرى كلبنان المجاورة له والعراق وباريس. بينما يندرج فضاء الجزائر ضمن عالم قيم الإسلام المتشدد والذي يتمثل في المذابح فالنص يكرس معنا معارضا لهذه الاديولوجيات ورؤية مختلفة ايضا ، وتتبدى هذه القيم ضمن خطاب صريح جدا، وعلى هذا النحو يبرز فضاء “الأوراس” الذي يضمر مدلولات من الناحية الإيجابية على مستوى انطلاق شرارة التحرير ضد المستعمر الفرنسي (العدو) وليس ضد المواطنين الأصليين.
إذن سيمياء فضاء الجزائر له نسق قيمي صارم حيث أن انتهاك قيمه مثل علاقة غير شرعية لا يمكن أن ينتج عنها سوى معاني الأسى.
نظام فضاء عالم “مروانة”: كان يحمل معاني الأمن والتفاؤل بالمستقبل \مصطفى هالة\ \علاء هدى \ \ندير الدراسة \ قبل أن يتحول إلى فضاء يقف ضد مصائر الذوات ومشاعرها بشكل شبه مأساوي، مصطفى انتقل من المدرسة التي كان يشتغل فيها رفقة هالة، وهذه الأخيرة هي الأخرى هاجرت “مروانة” حين طردت من المدرسة في اتجاه
الشام، ثم موت علاء الذي أدى إلى انتقال هدى من مقدمة الأخبار في التلفزيون الجزائري إلى قناة الجزيرة، وكذا موت ندير غرقا في البحر بعد محاولة فاشلة في الهجرة إلى الضفة الأخرى (أوربا) ويتبين أن فضاء البحر هو الآخر يحمل كل معاني البؤس والشؤم.
تخفي الرواية اذن بعدا ايدولوجيا لرؤية الانكسار والفراق التي تحكم مصير الذوات، فهذه الدلالة تتناسل في الصورة المكانية “فيينا” ذلك أنه بعد أن كان مكان الأحلام والحميمية غدا موقعا للصراع والفراق حتى انه شكل امتدادا للجزائر التي احتضنت “هالة” في السابق، فنجدها تخرج عن عبودية الدولة والإرهابيين لتسقط في سطوة طلال هاشم وفي “فيينا” تنجح في تكسير قيود هذه العبودية التي كبلتها منذ تعرفها على هذا الشخص وبذلك تخرج من سطوته نهائيا.
يعد إجبار الذات علاء في عالم (السجن -الجبل -المنزل) صيرورة زمنية تتراوح بين الماضي، الحاضر، المستقبل، فالسجن اسم يحيلنا على معنى الجريمة بمختلف مستوياتها وهو نتيجة عقابية على ظاهرة انحرافية معينة، لكن ما هي الجريمة التي ارتكبها علاء؟ إن هذا الأخير لم يرتكب أي جريمة تمس بأمن الدولة أو بمصالح الإرهابيين، إنه كان فقط يحب فتاة تدرس معه في الجامعة، والمشكل لم يكن في حبه لتلك الفتاة وإنما كان هناك من يشاركه في حبها، والأمر يتعلق هنا بأحد الملتحين الذي وشى به إلى السلطات فألقي عليه القبض وزج به في السجن دون إجراء أي تحقيق أو تحري حول الموضوع.
إن حب هالة الوافي و إن بدا صادقا إنسانيا فإنه خارج عن قيم الجزائر والدين الاسلامي والنتيجة هي فراق الذاتين “هالة وطلال”، وذلك عندما علمت أنه لن يتزوجها وفق الأعراف الدينية والتقاليد الرسمية للعرب. و مما زاد من تعميق الانفصال نجد ذلك السر الذي كشف في المرحلة الأخيرة من القصة (رغبة طلال في إنجاب طفل ذكر ليحمل اسمه ويحمي ثروته)، الشيء الذي يعكس تقليديته وتلك الأفكار المتخلفة التي لطالما كان يتبرأ منها في كل وقت وحين ككل العرب، فهو يريد كما الآخرين تكريس تلك السلطة الذكورية، لتكتشف في الأخير أنها أمام نسخة أخرى من تلك الآلاف من النسخ التي تركتها في بلادها الجزائر و التي تتلاءم مع العقليات المتحجرة العربية.
المرجع: بحث لنيل شهادة الإجازة في “الدراسات العربية” بعنوان: الدراسة السميائية السردية، رواية “الأسود يليق بك” نموذجا. الكلية متعددة التخصصات تازة، موسم: 2013_2014 إنجاز الطالبتين: أبشي فاطمة الزهراء و يزر نعيمة تحت إشراف الدكتور محمد فكري.
[1] رواية “الاسود يليق بك” ص 89






