“المهنة أستاذ جامعي..و الصفة مستشار…” الظلاموية و الجوع السياسي”1و2

يوسف العزوزي30 سبتمبر 2015
“المهنة أستاذ جامعي..و الصفة مستشار…” الظلاموية و الجوع السياسي”1و2

د.المريزق المصطفى

أستاذ السوسيولوجيا
مستشار ب
مجلس جهة فاس مكناس و بالمجلس البلدي بمكناس

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

ما وراء الاعتراف العام بتكثيف و اقعي أو حقيقة الإدراك للترابط الموضوعي هناك جزء كبير من الحقيقة تتعلق بماهية التصور النقدي للقوى السببية المحركة للصراع، و قوة المرء أن يميز نتائجها البنيوية لكي لا يتيه و راء السراب.

لقد عاش المغاربة في الأيام الأخيرة ما لم يحلم  به عدد من الفاعلين السياسيين و المهتمين و الملاحظين و المراقبين. و يرتبط كثير من هذا بثورة المغاربة في الاهتمام بالشأن العام و في التكنولوجيات المرافقة له و التي استولت على الخيال الشعبي و أماطت اللثام عن و اقع المغرب بريفه و حواضره و جباله و صحرائه.

هذا الكتاب/المقال، لا يتوسل مقام المعرفة المجردة، و لا يندرج في شفف التيه و لا يبحث عن جمال الكلمات، فهو استمرارية لمداخلاتنا و مواقفنا التي تنزع إلى ربط الكتابة بالسياسة، بمعنى الدفاع عن انتزاع الشرعية من الطموح السياسي، و قد نقاتل بشكل سلمي من أجلها، لأنها رصيدنا الحقيقي…و هو ما نملك.

و أسباب النزول هو ما شهدته بلادنا يوم 4 شتنبر الماضي، وما تفجر من تغيرات سياسية – أكيد سيكون لها تداعيات اجتماعية و سياسية –عاشها المغرب بشكل مغاير إن لم نقل استثنائي، تمخضت عنه الثورة الهادئة التي طالما تنبأنا بها و كتبنا عنها أكثر من مرة. و تعتبر هذه الثورة “بنت الأنوار المغربية” التي تبحث عن إشعاعها العلمي و الثقافي و عن النهضة العقلانية المتصاعدة التي تؤمن بالتغيير و بالتطور و بنمط التفسير و التحليل الفلسفي و القانوني و السياسي و الديني المتنور.

فمن الثابت أن مفهوم التغيير بات ينتمي إلى دائرة التراث المتراكم لدى قوى التغيير المغربية. و لقد لحقته نتائج الاستحقاقات الأخيرة لتؤكد بالملموس أن التغيير ممكن و أن المدافعون على ضرورة أتباع طريق السلف في منهج و أسلوب العقيدة، بينهم و بين الحياة: سيادة التقليد و الجمود.

نعم، إن المادة التاريخية غير جاهزة الآن ليكون الحكم أكثر موضوعية، لكن لن نرجئ الخوض في حياتنا السياسية إلى ما بعد. فسواء أصبنا أو أخطئنا، فما نبوح به اليوم من دون مسافة، يعتبر إسهاما فيما سيحكي عنه المؤرخ غدا.

إن واقع الانشقاق و التذبذب الذي شهده الصف الديمقراطي في مرحلة من مراحل سيرورة يسارنا، استخدم ضدنا جميعا، و ما زال، و المستفيد الأكبر منه  كان هو الدين السياسي الأصفر، ما شجع هجرة الجماهير الشعبية بشكل جماعي بحثا عن السراب و أوهام الجوع السياسي.

لقد بينت الخريطة السياسية اليوم، إن الممارسة السياسية لا تعني بالضرورة الاستيلاء على السلطة و أن القيمة الكبرى للنقابات وسيلة للبناء الاقتصادي و ليس للدفاع فقط، و أن دور جمعيات المجتمع المدني هو التربية على المواطنة و حقوق الإنسان و الحرية و ليس ممارسة  الضغط على الدولة فقط، و أن دور المدرسة و الجامعة هو الكل في الكل…

كان قصدنا الأول نفض الغبار عن مسار تجربتنا و دخولنا إلى حلبة الصراع و ممارسة اللعبة، بعدما بات خطر الظلام يهدد أطيافنا. لأن خطر الظلامية لا يبرز فقط في مرجعيتها و استبدادها بل في مشروعها الهيمني على الدولة و المرتبط بصناعة سياسية تؤمن بالدمار الشامل للحرية و لحقوق النساء و الإنسان.

كان انخراطنا في حزب الأصالة و المعاصرة، و خوض تجربة الاستحقاقات الأخيرة، عنوانا لانتزاع الشرعية في ساحة الصراع المباشر بين السلطة السياسية و الاقتصادية و المالية، و من يمثلها من رأسمالية هجينة و أشباه النخب و الأطر التابعين لها و من يبيض أسهمها باسم الدين و الوعظ و الإرشاد، و بين عشاق الوطن و أبنائه الذين ضحوا بالغالي و النفيس من أجل الكرامة و العدالة الاجتماعية في ميدان مكشوف، و في أحد أقسى نضالات الشعب المغرب التي يذكرها التاريخ.

لقد تركز اهتمامنا لعقود طويلة على التدافعات الثانوية بين أفراد أسرة اليسار، و على صراع الزعامات و الشرعيات، في وقت كانت فيه الحركات الاحتجاجية ضد سياسات الليبرالية الجديدة و الشركات الرأسمالية تراكم تجاربها عبر العالم منذ 1944، أي منذ تحركات جيش التحرير الوطني لزاباتيستا في تشياباس بالمكسيك.

إن ما وصلت إليه الظلامية اليوم من هيمنة اسلاموية قسرية،  يفرض علينا صرخة موحدة: ” نريد ان نعيش أحرارا”، و حركة متماسكة، لأننا لسنا انعزاليين أو انفصاليين أو قوميين.

إننا حفدة عبد الكريم الخطابي و موحى وحمو الزياني و ماء العينين، و رفاق المهدي و عمر و سعيدة و زروال و شباضة و ايت الجيد و اللائحة طويلة.

و ايمانا بجذور هذه الشجرة، و وفاء لحياتها و ديمومتها، ركبنا مطايا عشق الوطن سعيا إلى التغيير و المشاركة من دون شك بخيال العموم، و برؤية بديلة أو تحويلية لمناهضة الظلامية.

شعارات سياسية كبيرة رفعناها طوال مسارنا النضالي، تحقق منها الجزء الكبير بفضل نضالات الشعب المغربي. لكن لماذا توقفنا في منتصف الطريق؟ لماذا أوقفنا رسائل العشق بيننا؟ لماذا هجرنا أمسياتنا الغنائية و الشعرية؟ لمذا خفتت أضواؤنا؟ لماذا تركنا طلبتنا من دون حماية و لا أمان؟ لماذا نهرب من ضيق المجتمع؟ لماذا عشعشت الأنانية في أعماقنا و أصبحنا نبيع حياتنا للتدبير المفوض؟

نعم كل واحد منا يحب أطفاله و يتمنى أن يعيشوا في أمن و أمان و أن يدرسوا في أحسن المدارس، كل و احد منا يعشق السفر و قضاء العطلة في أجمل المنتزهات الوطنية و العالمية، كل و احد منا يريد أن يعالج عند أحسن الأطباء، كل واحد منا له طموحاته…و هذا من حق الجميع. لكن أن نفوض حياتنا لمن يهدد كل هذه الطموحات و معها كل مطالب و حقوق المغاربة، فهذا لا يقبل.

يمكن تكوين فكرة خاطئة عن واقع السياسة في هذه الفترة إذا لم نكن على بينة من الكيفية التي يتم تجنيد و تسليح و تجميع  تشكيلات من المحترفين في الاسلاموية، و التي يفتخر البعض بانضباطها و صرامتها و تنظيمها المحكم.

إن كلام الخطباء في الخلايا و المساجد، و الاقتراب من “المؤمنين” و الصلاة معهم، هو الذي يدفع المغلوبين و المقهورين و المعذبون في الأرض إلى اّلإنخراط و التصويت على الظلامية.

و أمام هذا الخطر الجارف، كان على العديد من مناضلي حزب الأصالة و المعاصرة ان يضعوا أنانيتهم و غرورهم جانبا و ينخرطوا على المستوى العام ضد منظومة الاستسلام و الهروب من مصير الصراع الدائر رحاه في كل أرجاء المملكة.

و كانت مشاركتنا كفيلة دون شك بإذهال الخصوم و تحقيق نتائج جد مرضية يجب علينا استغلالها لخدمة المشروع الديمقراطي لبلادنا.

فعلى الرغم من ثراء الأساطير، على نحو ما عايشناه من الداخل، فإن تجربتنا حين نلجأ الى توظيف الإيجابي منها، فهي حبلى بكثير من الدلالات التاريخية و السياسية. و لعل من أهمها صمودنا في وجه طقوس التتويج ذات الأهمية القصوى أو ما يؤسس شرعية السلطة.

نعم، الوضع السائد بالمغرب اليوم يصح أن يقال عنه وضع جديد تماما بالمقرانة مع الوضع الذي كان عليه المغرب قبل عشرين سنة . لقد كان المناخ السياسي متعفنا للغاية، و عنوان تلك المرحلة  ” الجمر و الرصاص” و الذي أصبح درسا من دروس العلوم السياسية في جامعاتنا.

لكن الجدير في الوضع الحالي لا يتمثل في تجاوز “الجمر و الرصاص”، بل في الدفاع عن الشرعية الديمقراطية و اعتناق التحول الذي دشنته حكومة المناضل عبد الرحمان اليوسفي التي أوقفت تدهور الأوضاع و فتحت آفاقا جديدة انطلاقا من اختيار سياسي أفضى إلى التخلي عن التسلط و التعسف و عن طرق الاستبداد و اعتناق القواعد الديمقراطية في التعامل مع السلطة و المجتمع المدني.

لكن أين الشعراء و الفنانين و المثقفين لنفهم جميعا ما يجري من حولنا؟

ان ما نخاف عليه اليوم هو أسلمة السياسة و الدولة، خاصة بعد تعيين العديد من الأنصار في مراكز عالية و مهمة في القرار. فإن تنامي تأثير الحزب الحاكم و نتائجه المصنوعة  الأخيرة، و شعاراته الشمولية و أحكامه المخيفة و عدم اعترافه بالديمقراطية و بالرأي الآخر، يدفعنا للنضال من أجل تحقيق الدولة الديمقراطية التي تتعرض لزحف الخطر الظلامي.

و اذا كان رفاق آخرون قد اختاروا أسلوبا آخر للدفاع عن الديمقراطية، فإن النضال المشتعل  ضد الظلامية من داخل المؤسسات و من خارجها هو نضال وطني تحرري و شجاعة روحها الإبداع و المبادرة.

لا يكفي أن نؤكد كل مرة بأن الصراعات بين مكونات المجتمع المغربي الاقتصادي و السياسي و الثقافي هي التي تدفع إلى التطور التاريخي لأنها “موتور التاريخ”، يتمخض عنها تحول المغرب من دولة المخزن و الأعيان الى سيرورة مجتمعية في الطريق إلى تكوين دولة المؤسسات و المواطنة؛ بل ينبغي أن نوضح أن تكون و تشكل الوعي الديمقراطي كفيل و حده بأن يتيح للمشروع الحداثي الديمقراطي فرصة التبلور لمواجهة الظلامية التي تكرس الغيبية و الخوف و الاستبداد و القداسة و العرقية و العودة إلى الماضي. بالمقابل، فإن تطور الظلامية إلى مشروع سياسي/الظلاموية، يحكم على المجتمع بالتفكك و التحلل و يحول دون تبلوره المرتقب في صورة مجتمع عصري، حديث، ديمقراطي، و اجتماعي منفتح، يمنح للجميع الحق في المساواة و العدل و الإنصاف و يقضي على نظام السخرة و بقايا العبودية و الإقطاع و تقليص الهوة بين الأثرياء و الفقراء.

إن ما حصل يوم 4 شتنبر الماضي ببلادنا، جعلني أستحضر نصوص كتابات و حوارات فراي بيتو ( رجل دين مسيحي مشهور، صاحب “الايمان و السياسة”) و دروس العلوم السياسية و سوسيلوجيا الدين و السياسة المنتسبة لمدارس أمريكا اللاتينية التي أسسها ليونردو بوف وهوغو آسمان و غيرهم، لمحاولة فهم تناقظات الظلاموية و طبيعة طروحاتها، و العلاقة بينها و بين الدين من جهة و الظواهر الاجتماعية من جهة أخرى.

وهو ما يعني الحاجة الضرورية و التاريخية  لبناء حركة شعبية لمقاومة الظلاموية، خاصة و أن  من جملة السمات المميزة التي يتجلى من خلالها غياب هذه المقاومة، نذكر تخلي جزء كبير من الطبقات المسيطرة و التابعين لها اداريا و ثقافيا و اقتصاديا عن مصالحها  لصالح الحزب الإسلامي و الحركات التابعة له، و فقدان الطبقة المتوسطة لجزء من هويتها و قوميتها و ثقافتها، و انسلاخها تدريجيا من معالم قيمها و ووظائفها الإجتماعية و سقوطها في أحضان الغرباء بسبب غرائز حياتها اليومية. و في الحالات القصوى نجدها أمام كاريكاتور ازدواجية الخطاب.

و ما يزيد في الطين بلة اليوم، هو:  صمت الطبقة المثقفة و انهيار الإعلام التقدمي التنويري، و شيخوخة الفاعلين السياسيين التقليديين بمختلف أطيافهم، و عجز النشطاء عن الخلق و الإبداع، و التحلي بالجرأة ليس فقط لسب النظام و الدولة، بل لطرح بديل اجتماعي، شعبي و تحرري، يستقطب لدائرته عموم الشعب و يقطع الطريق على الظلاموية.

لقد أبانت الأجندة الانتخابية  بكل أشكالها و بتوقيتها و نمط اقتراعها و قوانينها، عن جوع سياسي كبير كان يسكن أمعاء الظلامويين  الذين انتهزوا فرصة المرحلة الانتقالية و الزمن السياسي اللعين، للانقضاض على ممارسة الديمقراطية التمثيلية التي وصلت إليها كل الشعوب ليس بالتسلطية بل بانخراط جميع المواطنين البالغين في العمل السياسي.

بطبيعة الحال كان للدولة العميقة ممثلوها و عملاؤها في صفوف جميع المؤسسات داخل المغرب و خارجه. عندما كان صانعوا “سنوات الجمر و الرصاص” يخططون لتنظيم حملاتهم و نشر دعوتهم لمحاصرة التقدميين و تحريك ماكينة سياسية لصناعة من ينوب عنهم في عمليات التفاوض مع أصحاب القرار النافذين من أجل “المسلسل الديمقراطي” و “السلم الاجتماعي” و “المغرب الجديد”.

و اليوم لا بد من القول أن ما يؤسس له التيار الظلاموي ببلادنا، هو جزء لا يتجزأْ من تراث “الجمر و الرصاص”، و ما عاشته الحركات التقدمية المغربية من خيبات أمل، يرجع بالأساس إلى تأثرها بآلام و جراح و آهات و أحزان ومضايقات و مطاردات و اعتقالات و اختطافات و نفي..إلا جزء من الحقيقة التي عايشنا نزرا قليلا منها.

و لا نريد اليوم البكاء على الماضي، و تعليق فشلنا كتقدميين في مواجهة المد الظلامي على مشجاب غيرنا. و لا نريد التعامل مع هذا الموضوع كقضية تكتيكية، كموقف قريب من الانتهازية. بالفعل هناك تيارات فاعلة في الحركة التقدمية و تضع مواقفها المبدئية/التاريخية كشرط لفعلها السياسي، لكن طليعتها معزولة عن الشعب و تقييمها للأوضاع يطبعه التبرير على مستوى الدفاع عن الذات.

إن هذا لا يعني أن مصلحة التقدميون هي عبارة عن دوافع سلوكية. غير أن الواقع السياسي الحالي الذي تمر منه بلادنا يفرض في اعتقادنا ضرورة التأمل في الدور الوظيفي للتقدميين المغاربة و علاقتهم بالناس و الأفراد باعتبارهم حوامل للعلاقات الاجتماعية و ما تفرضه هذه العلاقات من مصالح مستترة و ظاهرة و ما تعكسه من ممارسة ميدانية.

لقد عايشنا عن كثب تجربة 4 شتنبر من موقع الفاعل السياسي و الأستاذ الجامعي، و وقفنا على العديد من الممارسات و السلوكات التي كنا نعتقد أنها مرتبطة بالبنيات الاجتماعية التي يتشكل منها التكوين الاجتماعي، غير أن ملاحظاتنا الأولية و دائرة ممارساتنا قادتنا إلى حقائق مروعة ناتجة عن تصرفات و سلوك أفراد و جماعات منظمة و فاعلة في العملية الاجتماعية برمتها.

و السؤال الذي نطرحه الآن و غدا هو كالتالي:

هل السلطة الحالية انعكاس فعلي لهذه البنيات الاجتماعية المحددة في الصراع الطبقي المغربي الحالي؟

إننا نسمع عن سيطرة الحزب الحاكم هنا و هناك، و نسمع عن قوة تنظيمه و تأطيره، و نسمع عن احتمال توزيعه للسلطة بين الطبقات و الشرائح الاجتماعية، و نسمع عن نفوذه المالي و علاقاته بدوائر مالية عالمية، و نسمع عن بداية تشكل قوته الاقتصادية…ألخ، و هذا رأي العديد من المنبهرين بالظلاموية. غير أن ما يميز هؤلاء هو عدم  قدرتهم على التمييز بين الجماعات و الطبقات على أساس علاقات السلطة و عدم قدرتهم على فضح الأدوار المنوطة بالحزب الحاكم و القائمة على الطاعة و الركوع و الخنوع.

إن بناء المجتمع الديمقراطي الحداثي الذي ننشده، لا يمكن بناؤه بالجوع السياسي و حب السلطة، بل بنضال مستمر قائم على بناء الاقتصاد الوطني و القضاء على الاستغلال و تحرير الفلاحين من بقايا الإقطاع و نظام السخرة و تجهيز التعاونيات الزراعية و تشجيع الاقتصاد الاجتماعي و التضامني و إقرار المساواة و التضامن و الوفاق و المحافظة على الروح الإنسانية. و هذا يتطلب تشييد قواعد أولية مادية و تقنية و تكنولوجية، و استقلالية سياسية و استثمار مسؤول في الرأسمال البشري.

مستجدات