سيميائية الزمن في الرواية
يبتدئ زمن الحكاية مع برنامج تلفزيوني في التاسعة مساءا وينتهي بحفل ميونيخ، لكن الساردة تستبطن الشخصية الرئيسة لسرد أحداث وقعت في الماضي قبل البرنامج التلفزيوني عن طريق الاسترجاع والتداعي باعتماد الفعل الدال على الماضي، وعلى هذا الأساس فإن المسار الذي يقوم بتنظيم تسلسل الأحداث التي تقوم بها الممثلة "هالة" هو الذي يحدد دينامية الخطاب الذي تنقسم فيه أزمنة الرواية إلى قسمين رئيسيين: أزمنة ذات طابع أيقوني وهي الأزمنة التي ترصد الأحداث التاريخية والأزمات الكبرى التي شهدتها الجزائر، فالمؤلفة تبني تاريخ شخصياتها عبر ثلاثة مراحل انطلاقا من حرب التحرير من الاستعمار الفرنسي الذي يمثله الجد، فالتعبير عن الزمن في هذه العبارة (حرب التحرير) يتم عن طريق اسم نكرة معرف بالإضافة وهو زمن لم تتم صياغته وفق الأزمنة النحوية (الماضي- الحاضر -المستقبل)، وإنما عن طريق إشارات لغوية تدل عليه يستخرج منها زمن تاريخي ولى ومضى لكنه ما يزال متجدرا في الذاكرة الجماعية للجزائر رغم أنه توج في الأخير بالانفراج والحصول على الاستقلال مرورا، بسنوات الإرهاب العشر التي تنطلق أحداثها من سنة 1988 بإراقة دماء الأبرياء، وما تلتها من أحداث التقتيل والتدمير وأصناف وأشكال الاغتيالات بدءا من اغتيال الرئيس بوضياف وكذا الشرطة والجيش، ثم الصحفيين والمثقفين والمغنيين، فصار بذلك هاجس الموت شبحا يركض وراء الجميع وأضحت دماء الضحايا ودموع عائلاتهم تسقي الأراضي الجزائرية وصولا إلى "المصالحة الوطنية" عهد السلم والوئام وزوال التقتيل والتدمير واستئصال عهد مرحلة العشرية الحمراء، قبل أن تنتقل إلى التقويم الرئاسي الذي تعاقب على الحكم بعد الاستقلال والمتمثل في الثنائي الرئاسي (محمد بوضياف) الذي يمثل المرحلة الدموية، و(عبد العزيز بوتفليقة) الذي يمثل حكمه عهد جديد وهو عهد المصالحة الوطنية؛ لكن هذه المصالحة قامت على أنقاض روح الضحايا فهي مصالحة غير عادلة كما أنها غير نزيهة لأنها لم تنصف الضحايا وعائلاتهم، فالذين تسببوا في إنهاء حياة مأتي ألف قتيل لم تقم الدولة بمحاكمتهم وبقصاصهم. – الأزمنة المرتبطة بالفواعل والموسومة بالطابع الشخصي لها تظهر من خلاله مساراتها ونفسيتها ومواقفها، فإذا كانت "هالة الوافي" على غرار المجتمع الجزائري تتأثر بوقائع التاريخ العام وتتفاعل معه برجوعها إلى الطفولة، وعلاقتها بالجد الذي كان هو الآخر له علاقة وطيدة مع حرب التحرير باعتباره هو الناطق الرسمي باسم الثوار وبطل التحرير، ثم عن طريق الاسترجاع التي تجعلنا نعيش من خلال قصتها الشخصية أحداث الإرهاب بكل تفاصيلها، ولا ننسى الزمن الحاضر الذي تسومه مسيرة فنية ناجحة وتتطلع من خلاله إلى مستقبل زاهر تأمل فيه تأسيس أسرة متماسكة يجمعها الحب والوفاء مع شخص يكون سندا لها في أفراحها وأحزانها، لكن هذا المستقبل الذي تطمح إليه يتعذر تحقيقه في عالم تسود عليه المظاهر المزيفة. وإذا تأملنا الأزمنة المرصودة في الأعلى (زمن حرب التحرير وزمن الإرهاب ثم زمن الفراق)، وقمنا بربطها بعنوان الرواية "الاسود يليق بك" فإننا نجد طغيان الأزمنة الانتكاسية أكثر من الأزمنة التفاؤلية ذلك أن زمن الممثل "هالة" داكن السواد وللمأساة فيه حضور بارز وطاغ. تعتمد الرواية في بناء أحداثها على الأزمنة الضدية "الماضي الحاضر المستقبل" : ففي هذا المقطع مثلا ينطلق الزمن من الحاضر " ما كاد ينتهي النشيد حتى ارتفعت الزغاريد والهتافات وصعدت سيدة إلى المنصة لتقبلها وتضع علم الجزائر على كتفيها حيث تحل يقلدها الموت وسامه هي ابنة القتيل وأخت القتيل ولها قرابة بمأتي ألف جزائري ما عادوا هنا قتلهم الإرهابيون" ، لكن هذا الحاضر سرعان ما ينقلب إلى الماضي الذي تحضر بعض معانيه في الشاهد "ما عادوا هنا قتلهم الإرهابيون"، ويحاول التماثل مع الحاضر على أن فهم الحاضر في الرواية لا يمكن إلا من خلال الرجوع إلى الماضي، وهذه الإشارة التي تدل على الماضي تومئ إلى زمن غير موجود الآن فقد مضى وانتهى لكن تداعياته لا تزال قائمة في نفسيات المجتمع. فالرواية انطلاقا من هذه المعطيات تبني هويتها وتستمد تاريخ أحداثها انطلاقا من الماضي وفي الماضي، والحاضر هنا ينطوي على ماضيين ماضي بعيد وماضي قريب، فأما البعيد فهو حرب التحرير وأما القريب هو عشر سنوات من الإرهاب، بينما نجد أن الحاضر المعاش هو الذي يتمثل في القصة الغرامية بين الذاتين هالة وطلال، و المستقبل تنتظره قلوب آملة، هذا المستقبل الذي يستشرف من خلال الشاهد "سيدعي أنها من خسرته وأنه من أراد لهما فراقا قاطعا كضربة سيف " و هذا يعني أنه لا محالة مستقبل الفراق. نستنتج إذن أن الماضي المتأزم هو الذي يملك الأدلة التي تساعدنا حتما على فهم الحاضر واستشراف المستقبل. و إذا ما تحدثنا عن زمن الفعل الإنجازي نجده يتحدد (بين البرنامج التلفزيوني وحفل ميونيخ)، وهذا التأطير الزمني للحكاية ينطوي على أزمنة مساعدة وأزمنة معاكسة، فالأزمنة المساعدة كانت هي الرحيل من الجزائر في اتجاه سوريا ثم مواعد البرامج التلفزيونية ومواعد الحفلات (حفل باريس –حفل القاهرة –حفل ميونيخ)، أما الأزمنة معاكسة فتتجلى في: (زمن الإرهاب في الجزائر –الموعد الأول في مطار شارل ديغول –السفر إلى فيينا). يتبــــــــع…
المرجع: بحث لنيل شهادة الإجازة في "الدراسات العربية" بعنوان: الدراسة السميائية السردية، رواية "الأسود يليق بك" نموذجا. الكلية متعددة التخصصات تازة، موسم: 2013_2014 إنجاز الطالبتين: أبشي فاطمة الزهراء و يزر نعيمة تحت إشراف الدكتور محمد فكري.







