إنصاف الشراط*
تعتبر ظاهرة البطالة من أخطر الإشكالات التي تواجه كل المجتمعات المتقدمة منها والنامية بجميع قارات العالم، حيث أن معظم الدول المتقدمة تعاني من تفشي هذه الظاهرة بين صفوف الشباب على وجه الخصوص، كما أن ارتفاع نسبة الخصوبة ونسبة الشباب وغياب الديمقراطية والحكامة في تدبير الشأن العام بالدول النامية كلها عوامل تغذي هذه الظاهرة وتؤكد بقائها للسنوات المقبلة، مما يجعل البطالة من التحديات الكبرى التي يجب الانتباه إليها بكل دول العالم.
بالإضافة إلى أن ظاهرة البطالة هي ظاهرة عالمية، فإنها ظاهرة تاريخية بدأ ظهورها بشكل ملموس مع ظهور الأنشطة الصناعية، حيث أنه لم يكن لها معنى في المجتمعات الريفية التي كانت تعتمد على الفلاحة والنشاط الزراعي، لكن مع بروز أول الأنشطة الصناعية في العالم بدأ الحديث عن البطالة وعن المعاناة التي تسببها هذه الآفة بالنسبة للمجتمع عموما.
إن واقع البطالة لا يفرق بين الحواضر والقرى وبين عائلة وأخرى كما لا يميز بين الجنسين، حيث أنها تنتشر في صفوف الشابات والشباب، لأنه عندما تغيب الديمقراطية وعندما يغيب التوزيع العادل للثروات وعندما تتراجع المكتسبات الاجتماعية في أي مجتمع فإنها تؤثر بالدرجة الأولى على الفقراء وعلى المرأة والشابات بشكل خاص.
إن نصف العاطلين عن العمل ببلادنا اليوم هم من الشابات والنساء، أي أن البطالة بالمغرب تمس الشابات كما الشباب وبنفس النسبة، خصوصا إذا ما تحدثنا عن حاملي الشواهد العليا، يكفي معاينة المسيرات الاحتجاجية للمعطلين بالشوارع الكبرى لمدننا لملاحظة أن أكثر من نصفهم من الشابات، المؤمنات بأن الديمقراطية في بلادنا تحتاج من جديد إلى نضالات شعبية طويلة.
إن انتشار العطالة بالمغرب بين الشابات اللواتي تلقين تكوينا علميا واكتسبن مهارات ومعارف متنوعة على وجه الخصوص، في وقت أصبح للمرأة رؤية واضحة ودقيقة في بلادنا تهدف إلى تحسين وضعها الثقافي والاقتصادي والاجتماعي بل وحتى السياسي، يؤكد حالة الردة التي يشهدها المجتمع المغربي عن مبادئ حقوق الانسان التي تستهدف الإجهاز على حقوق النساء في شتى المجالات.
إن الحديث عن العطالة بصيغة المؤنث لا يعني أن الذكور لا يحتاجون إلى من يتحدث عن معاناتهم اليومية مع هذه الظاهرة، وإنما لأن الشابة والمرأة لا تملك المقومات البدنية ولا الثقافية ولا النفسية لكي تقيم لمدة غير محددة بمدينة الرباط من أجل المطالبة بحقها في التشغيل بشارع محمد الخامس، على اعتبار أن هذا الحق ببلادنا أضحى غاية يستحيل الوصول إليها بشكل طبيعي وعادي وإنما يلزم الشابة والشاب خوض معارك طويلة ومريرة للتعبير عن هذا الحق والحصول عليه.
الأكثر من هذا وذاك فإن الشابات، في ظل الظروف الحالية التي تعيشها الطبقة المعطلة ببلادنا، حيث أنها تتعرض لكل الاهانات ولكل المضايقات وأحيانا للضرب والركل والرفس من طرف رجال الأمن لا يمكنهن تحمل كل هذه الممارسات، بالرغم من أن شارع محمد الخامس يشهد على العديد من الجرائم التي تتعرض لها الشابات العاطلات عن العمل من تجريح وضرب دون مراعاة خصوصيتهن كإناث، لا لشيء فقط لأنهن تطالبن بحقهن في الكرامة.
إن الحديث عن البطالة بصيغة المؤنث، لا يجب أن يحجب عنا الحديث عن المعاناة التي تسببها هذه الظاهرة بالنسبة لأمهات وأخوات…المعطلين الذكور والإناث وهن تتابعن تحطم أمال أبناءهن وبناتهن في إيجاد فرصة شغل تضمن لهم لقمة العيش وتصون كرامتهم، إن المرأة المغربية هي الأكثر تأثرا بظاهرة العطالة لأنها تكون الأقرب لأبناءها خلال دراستهم والساهرة على توفير كل حاجياتهم لسنوات طوال، لذلك فإنها تتعرض لصدمة قوية حينما ترى أن الشواهد ببلادنا تعتبر فقط وسيلة للتظاهر بالشوارع وسبب يجلب مختلف أشكال الاهانات.
إن تجذر ظاهرة البطالة تاريخيا وجغرافيا بكل دول العالم، لا يجعلها من الآفات التي يستعصي مواجهتها وتحليلها وإيجاد الحلول لها، لذلك فإن بلادنا بذلت مجهودات كبيرة ومهمة على مستوى تشغيل الشباب وخصوصا الحاملين للشواهد العليا منذ حكومة التناوب سنة 1998 وصولا إلى حكومة الأستاذ عباس الفاسي التي حققت أرقاما قياسية في تشغيل الشباب، هذه المجهودات التي استفادت منها الشابات بشكل واضح مما خلق ارتياحا كبيرا في أوساط الأسر المغربية.
هذا الارتياح الذي سيتعزز بالنص الدستوري الجديد لسنة 2011 الذي منح المرأة مكانة خاصة ومميزة ومنحها حقوقها كاملة غير منقوصة، لكن مع كامل الأسف أن مسلسل هذا الارتياح وصل إلى نهايته مع وصول عبد الإله بنكيران إلى رئاسة الحكومة المغربية، الذي لم يستثمر من جهة الإرث المتميز الذي تركته الحكومة السابقة المتعلق بتدبير ملف التشغيل ومن جهة ثانية الفصول الدستورية التي خصصت لقضايا المرأة وحقوقها الاجتماعية بما فيها التشغيل.
إن الحكومة الحالية لم تكتفي بعدم استثمار النص الدستوري والإرث التاريخي في مجال التشغيل، بل تجاوزت ذلك إلى حد ضرب المكتسبات التي حققها الشعب المغربي في هذا المجال، حيث أن أبواب الأمل كانت قد انفتحت في وجه الأسر المغربية والمرأة المعطلة مع الحكومة الاستقلالية السابقة، التي سطرت برنامجا واضحا لتشغيل الشباب، حيث تم تشغيل أزيد من 125000 شاب وشابة سنويا خلال هذه الولاية الحكومية.
إن الحكومة هي الوحيدة التي تتحمل المسؤولية في المعاناة التي تتسبب فيها هذه الظاهرة بالنسبة للمرأة وللشابة المعطلة، إنها مسؤولة أولا عن توفير تعليم بجودة عالية تعليم يراعي متطلبات سوق الشغل، ويوجه الطلبة والتلاميذ إلى الشعب والتخصصات المطلوبة في سوق الشغل من طرف مختلف المؤسسات العمومية والخاصة، كما أنها مسؤولة عن توفير فرص عمل لجميع خريجي مؤسسات التعليم العالي، لأن بناء مجتمع متقدم يحتاج إلى تظافر جهود كل أبناءه وبناته، ولأجل ذلك لا يجب أن ينشغل شباب وشابات بلادنا بالبحث عن حقوقهم الأساسية لسنوات طويلة.
* الكاتبة العامة لمنظمة فتيات الانبعاث







