بعيدًا عن التعميم، يعيش المراهقون في واقع افتراضي مشحون بثقافة الجشع والابتزاز الهادفة إلى الشهرة والثروة. هي تحوّلات خطيرة تنذر بإحداث تصدعات في ثقافة وقيم هذه الفئة، وفي قيم وثقافة المجتمع ككل. ومن انعكاسات هذه التحوّلات، توجد ظاهرة الابتزاز الجنسي على الانترنت، التي غذتها ظاهرة أخرى انتشرت بشكل مهول مؤخرًا، هي البحث عن إشباع الرغبات الجنسية انطلاقًا من الفضاء الافتراضي.
ويرى الباحث في سوسيولوجيا القيم في جامعة مولاي إسماعيل بمكناس، رشيد جرموني، أن الدافع الاقتصادي يشكّل عاملًا حاسمًا في هذا الاتجاه، إذ يفكر عدد من الشباب المغاربة الذين لم يكملوا دراستهم ويستفيدون من التكنولوجيا الرقمية، في أنواع من الحيل لتحقيق الدخل بطرق تعتمد على "الابتكار الخادع"، وتستهدف خصوصية الآخرين واستغلال ضعفهم ونزواتهم. ومن المدن التي تشهد هذه الظاهرة، توجد "واد زم" التي انتشرت فيها هذه الظاهرة حتى صارت تُعرف بـ"لارناك واد زم".
ويشير جرموني، في مقال خصّ به هسبريس، أن هذه الظاهرة بدأت تتحوّل إلى "مهنة" تشكّل ملاذًا للعديد من الأفراد والمجموعات الباحثة عن المال والثروة بأية وسيلة، وهو ما تأتّى في ظل ترّهل الوازع الأخلاقي والقيمي، وعدم قدرة المؤسسات الاجتماعية والتنشؤية، كالأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام والمجتمع المدني، على تأطير هذه الفئة وتوجيهها، وقبل ذلك وبعده، عدم استفادة هذه الفئة وبقية الفئات من عوائد التنمية الاقتصادية.
أمّا فيما يتعلّق بالأسباب الاجتماعية، فقد تحدث الباحث عن مقاربتين، الأولى تجعل هذه الظاهرة مرتبطة بسياقات سوسيو-اقتصادية، ومن ذلك ارتفاع البطالة وإفلاس المنظومة التربوية والهشاشة الاجتماعية وغيرها، فجيل الشباب اليوم يحس بالإحباط والحرمان ممّا يدفعه إلى التفكير في بدائل لتجاوز الوضع، ولمّا كانت مداخل المعرفة والعلم والعمل طويلة وشاقة، فهذا الشباب يفكر في اختصار الطريق متأثرًا بثقافة الربح السريع التي تبيح كل شيء ما دام ذلك يحقق الهدف المالي، يؤكد جرموني.
أمّا المقاربة الثانية، فهي تربط بروز هذه التحوّلات بوجود ترّسبات فكرية وثقافية، يقول جرموني، ومن ذلك خلفيات موجة ما بعد الحداثة التي تتأسس على التشكيك في القيم والمرجعيات الدينية أو الثقافية، ورفض كل الأنساق المستقرة والمحافظة، وتحطيم كل المرجعات التي تحكم قيم الناس. وذلك مع استحضار تغيير عالم الانترنت للكثير من القناعات والممارسات.
ولكن لماذا انتشرت بشكل كبير ظاهرة البحث في الانترنت عمّا يشبع الرغبات الجنسية؟ يجيب جرموني أن المعطيات تؤكد وجود موجة من "الهيستيريا الجنسية" الخاصة بارتفاع تعاطي فئة الشباب للاستهلاك الجنسي، ممّا يفضي إلى انعكاسات وآثار على البناء المجتمعي، خصوصًا في مجتمعات تقليدية مشحونة بثقافة المنع والتحريم والتجريم، كمجتمعات الخليج التي لا تزال بنياتها الثقافة والقانونية والمجتمعية ترّسخ لخطاب مغرق في التقليدانية، بينما الواقع شيء آخر، ممّا يولد انفصامات وتوترات شديدة التعقيد.
ويضيف جرموني: "لقد فتح الإعلام وعالم الانترنت أعين الشباب الخليجي على موجات من الاستهلاك الجنسي غير مسبوقة، بل وصل ذلك حتى الشيوخ والنساء. وكما نعلم أن الجنس محرّك قوي للسلوك الانساني، فهو يمثل أهم دافع للانسان، خصوصًا إذا كان يعيش في بيئة 'الكبت'. والواقع يبين، أنّ مجتمعات الخليج، وحتى دول شمال إفريقيا، تتعاطى للمواقع الاباحية بشكل أكبر من بقية المواقع الأخرى".
ويستطرد جرموني أن كلّ هذه التحوّلات انعكست على استقرار الحياة العاطفية للشباب وغيرهم، بمعنى أن رقعة النشاط الجنسي قبل الزواج توّسعت، إما تحت ضغط قوة الرغبة الجنسية عند الشباب وإما باسم الحب أو تحت ضغط إديولوجيا الاستهلاك الجنسي باسم الصحة النفسية أو باسم التحرر، ممّا يدفع إلى تسجيل محاولات "توفيق" بين الرغبة والتحريم من خلال ممارسات سطحية من دون افتضاض، أو من خلال ممارسات جنسية بديلة، يقول جرموني معتمدًا في الفكرة الأخيرة على دراسة عبد الصمد الديالمي.





