وليد الحيرش
جلس محزون القلب ،يطأطئ الرأس وكأنه نادم على أمر ما لا يعرف ما هو بالضبط .كان ينظر بين فينة وأخرى إلى شجرة البرتقال الموازية لحائط منزل الباشا المتعجرف، كأنه يخاطب الشجرة بلغة" النبات" ، وبينما وهو ينظر إلى الشجرة التي ترسل إليه بعضا من نسيمها : مرت بمحاذاتها سيدة في مقتبل العمر ، كان يعي جيدا أنه عليه أن يخفض بصره تطبيقا لأوامر الخالق ، وهو ما لجأ إليه بعد مصارعة مع كبير الشياطين . مرت السيدة وصاحبنا لا يزال جالسا : مهموما يتمتم بشفتيه بعبارات قدحية، يصعب الإمساك بشفرتها ، بشكل يسمع معه السامع بحرف الخاء حينا وحرف القاف حينا آخر، ثم حرف الضاد مرات عديدة ، ظل على حاله هذا يخاطب عفريتا من عفاريته العديدة ، إلى أن مرت إمرأة في هيأة فتاة في مقتبل العمر وهي تداعب بجسدها النصف" مغطى" الريح الذي لوثته بعطرها الإصطناعي ، المختار بدقة وهو من صنع أجنبي طبعا ، عرفه صاحبنا اعتمادا على حاسة الشم حيث أدرك أن الآمر يتعلق بعطر (إيفري وان )، هذه المرة فتك به صغير الشياطين ولم يمتلك نفسه حتى وجد ذاته كلها تتابع حركات الفتاة_المرأة، إلى درجة أنه نهض من مكانه ليتمتم بعبارات تدل على إعجابه الآني بالسيدة الممشوقة ، لكن هذه الأخيرة لم تعره اهتماما ، ليس لأنها "بنت الدار ومتبتة" كما يشاع ،بل لكونها ذاهبة إلى "دروج العشاق" حيث ينتظرها هناك "صعلوك" من صعاليك المرحلة ،عاد صاحبنا إلى مكانه ، الساعة الآن ما يقارب العاشرة صباحا جلس في "كيوانه" المعهود ،شجرة البرتقال بدأ يقل ظلها شيئا فشيئا ، ظهرت سيدة عجوز بمحاذاة الشجرة نادت على صاحبنا راجية منه مساعدتها على حمل قفة تبدو أنها أنهكتها . لم يتردد نهض مسرعا قبٌل رأسها كطقس من طقوس الأمس أو ما يسمى بفن" الصواب "عندنا ، بعد هنيهة عاد إلى مكانه وبينما هو يهم بالجلوس مرت فتاة بمحاذاته ، غرق في" مونولوغات ذاته " قائلا "بما أنني ساعدت تلك العجوز فإن ذلك سيكتب لي في ميزان الحسنات ، ولكي أساوي بين الخير والشر سأحاول الإيقاع بهذه الفتاة " .لكنه بعد هذا المونولوغ تفاجأ بعدم وجود أي فتاة ،نظر يمينا شمالا لم يقع بصره سوى على "اللا أحد" ، لعن نفسه مرات عديدة ،ثم سمع صوت والدته المبحوح تناديه لوجبة الغذاء من شرفة المنزل :
_ "رواح أذاك الشمكار تغذٌا ، سيادك راهم خدٌامين ونتا داير رجل على رجل حاضي لي غادي ولي جاي" …
أفسح لرجليه المجال للإنطلاق اتجاه المنزل ، توضأ مسرعا ثم عبد ربه لثواني فتناول ما "كتب الله" .
عاد صاحبنا إلى "كيوانه" ، ألقى السلام على "سي بلقاسم" فقيه الحي الذي مر بمحاذاته إنتهى به المطاف تحت شجرة البرتقال ، جلس وهو غارق في استرجاع ذكريات الماضي : أيام" الجامعة" التي لطالما سماها فترة" التحرر والانعتاق " ، راح يسترجع صور أصدقائه الذين لم يعد "يلقى" منهم أحدا، فبعضهم هاجر إلى المهجر، وبعض آخر تفرق على ربوع هذا الوطن بحثا عن لقمة العيش، وآخرون وجدوا أنفسهم خلف القضبان بتهمة الإرهاب وتهديد أمن واستقرار الوطن لأنهم حاولوا إيجاد "شمعة النور " ، إستفاق صاحبنا على إيقاع خطى فتاة تتسارع خطواتها ، "بسبس" وتمتم وغنى بعضا من كلمات "الشاروش" لكنها لم تلتفت،كرر بعض الكلمات من "رسالة تحت الماء " لكن الفتاة مرت مسرعة بإسدالها المتطاير .
كان هذا حال صاحبنا "شاب ممشوق القوام" ،كنت أطلق عليه لقب"نادال الحي" ، لم يفارق ولو للحظة ذلك المكان بالقرب من منزله ،كان يتابع كل "صغيرة " و"كبيرة" في الحي العريق ،حتى أنه أصبح من مشاهير الحي في فن "الحضيان" ، فلولا بعض مساعداته التي قدمها لأناس كثيرين بحينا لوجدتني أتمنى لو أن "هتلر لا يزال حيا لكي يخلصنا من عديمي الفائدة كما فعل مع ألمانيا آنذاك حتى صارت تنافس أقوى البلدان في العالم " .








