يوسف لخضر/ عواصم
تعتبر مدينة تازة من أقدم المدن العالمية، ارتبط اسمها بمحطات تاريخية حاسمة، ولعبت أدواراً مهمة خلال الاستعمار الفرنسي للمغرب، اشتهرت بمغاراتها وفضائها الإيكولوجي المتنوع، وموقعها على سفوح سلسلة جبال الأطلس المتوسط. تقع شرق مدينة فاس بـ100 كيلومتر، لم يجعل منها محط اهتمام، فهي تعيش اليوم تهميشاً جعلها مرتبطة فقط بنقط تاريخية "سوداء" لا يزال يتذكرها أبناؤها، لكن رغم أن فضلها كبير وتميزها أصيل، لم ترى بعد تازة مكانتها التي تستحقها، هي اليوم خارج» الخريطة السياسية«، هي اليوم معروفة فقط ببعض مآثرها التاريخية، ومغاراتها التي تطمح أن تجعلها عاصمة المغارات العالمية…
ارتبط اسم مدينة تازة قديماً بالقوافل التجارية التي كانت تمر من الشرق إلى الغرب، أما اليوم فاسمها مقترن بالمغارات، هنا يمكن أن تدخل إحدى المغارات، وتخرج وأنت مصمم على عدم العودة، ليس الأمر دعوة لعدم المبادرة، بل تحفيزاً لأولئك العاشقين للمغامرة والبحث عن مناظرة لن تراها في مكان آخر.
كثيرون يدعونها عاصمة المغارات، لكونها تحوي مغارات عدة، أشهرها مغارة "إفري واطو"، التي لا يمكن لزائر تازة ألا يزورها، ولو مرة واحدة في العمر، توجد بدوار "شيكر" جماعة "باب بودير"، وتبعد عن وسط المدينة بحوالي 26 كيلومتراً، عند سفوح قمم جبال الأطلس المتوسط.
عند الحديث عن تازة، يجب استحضار معطى تاريخي وهو أنها إحدى المدن القديمة في شمال إفريقيا، كما أنها المنطقة الوحيدة في إفريقيا والعالم التي تتميز بعدد كبير من المغارات، التي يصل عددها تقريباً إلى 125 مغارة.
لكن اسم تازة ارتبط أيضاً بمحطات حاسمة في تاريخ المغرب، ويجمع أبناؤها اليوم على أن هذه الأحداث جعلتها مهملة ومنسية عند سفوح "بويبلان" و"تازكا"، وهي من الجبال المعروفة في سلسلة الأطلس المتوسط. تازة أيضاً مهمشة اقتصادياً لا من حيث المشاريع الاستثمارية، ولا من حيث البرامج الحكومية، لكن قدر لتازة أن تكون نقطة مهمة خلال الاستعمار الفرنسي، حيث كانت تشكل للمستعمر نقطة عصية، فجبالها الوعرة جعلت مقاومة أبنائها تستمر سنوات عدة، حتى غضب الجنرال ليوطي وخطط لدخولها وتطويعها بمساعدة آلاف الجنود والطائرات، إذ سماها آنذاك"بقعة تازة"، في إشارة إلى أنها كانت النقطة التي أعاقت توسعه في المنطقة.
كما ارتبط اسم تازة، بالجيلالي الزرهوني، أو كما هو معروف "بوحمارة"، الذي كان من أشهر المعارضين في عهد الدولة العلوية، مروراً بمحاولات الانقلاب التي كان مصدرها قرية أهرمومو، التي كانت تابعة لنفوذ تازة، قبل أن تُلحَق بصفرو. تازة اليوم بقراها ومدنها التي لا تشبه المدن لا تستهوي السياسة والسياسيين كثيراً، هي ملعونة، ومجهولة لدى غالبية المغاربة، يعرفون عنها فقط مغارة "إفري واطو" و"صابون تازة".
وقد اختلف الكثيرون بشأن أصل تسمية المغارة الشهيرة، إلا أنهم يتفقون جميعاً حول الأصل الأمازيغي للفظ، فهناك من يقول إنها تعني "إفري يطو"، أي مغارة إيطو، وهي اسم فتاة، في حين يرى البعض الآخر أن الأصل هو "إفري ن واطو"، وتعني مغارة الريح، وهي الأقرب في نظر الكثير من الباحثين، نظراً لوجود فوهة كبيرة في المغارة، وتبقى أهم المغارات، مغارة شيكر التي يصل عمقها إلى 146 متر وتمتد على مساحة 3.765 متر، أما مغارة "إفري واطو"، رغم أنها الأكثر شهرة، فهي تقل مساحة عن الأولى، حيث يصل عمقها إلى 271 متر وتمتد على مساحة 2.178 متر.
وحسب عدد من المراجع والدراسات، يفترض الباحثون، أن الماء هو السبب الرئيسي في شكلها هذا، نتيجة الحث المستمر، وقد انطلقت عملية الاكتشاف منذ سنة1935، حينها قرر بعض الفرنسيين رفقة بعض المغاربة المغامرة والدخول إلى ظلمات "إفري واطو"، من الفوهة المذكورة، مستعينين بالحبال، فنجحوا في الدخول إلى قلب المغارة، مستطيعين بذلك أن يقضوا على حدودها الضيقة، مما دفع وزارة الأشغال العمومية آنذاك إلى القيام بأعمال الترميم والإصلاح استعداداً لفتحها في وجه الزوار، فثبتت سلالم من حديد لتسهيل عملية النزول وأصلحت المدخل الثاني والثالث.
وتتشكل المغارة من ثلاث مداخل رئيسية أولها يمتد على 520 درجة مضاءة طبيعياً، بواسطة نور الشمس الذي يتسرب من فوهة المغارة، ويقع على عمق 160 متر تحت الأرض، في ما يصل عدد درجات المدخل الثاني 200 درجة، وهو ضيق ومظلم مما يتطلب معه استعمال المصابيح اليدوية والمرشد السياحي.
في حين يوجد المدخل الثالث الذي هو عبارة عن مساحة منبسطة يمتد على طول ثلاث كيلومترات، وتستغرق هذه الزيارة بمساعدة المرشد ثلاث ساعات على الأقل، وهو الشيء الذي يثير حماس المغامرين من الزوار بمساعدة المرشدين، وذلك لما يجدونه من متعة داخل المغارة التي تتوفر على الصواعد والنوازل وأحجار مختلفة الأشكال وضايات الماء.
لكن المغارة رغم كونها موقعاً سياحياً رائعاً، ويُشكل عصب السياحة في تازة، إلا أنه لم يلقى الاهتمام اللازم به، ويرجع المهتمون هذا الإهمال إلى غياب مندوبية لوزارة السياحة بالمدينة، وتعرف المغارة إقبالاً كبيراً في فصل الصيف، حيث يحل بها سياح أجانب ومغاربة، إلا أن المكان ليس مجهزاً بشكل يمكن أن يستقبل عدداً أكبر، من مقاهي وأماكن للترفيه، ومصالح للإرشاد، إضافة إلى ضعف تسويق الوجهة على المستوى الوطني، رغم أنها تشكل استثناء على مستوى المغرب، من حيث عدد المغارات.
وفي حديث لنا، قال لحسن المنصوري، رئيس الجمعية المغربية للاستغوار بتازة، "إن هذا الفضاء الإيكولوجي المتمثل في المغارات لا يحضى باهتمام السلطات المحلية مطلقاً"، وأضاف أن الجمعية، التي تأسست عن هواية سنة 1995، كان لها الفضل الكبير في اكتشاف العديد من المغارات في منطقة تازة، التي لم يدخلها أحد من قبل، حيث تستقبل الجمعية متخصصين في مجال الاستغوار من الخارج لتبادل الخبرات والتجارب، ويقومون بزيارات رفقتهم.
وأضاف المنصوري، في اتصال هاتفي، أن السياح، لا الأجانب ولا المحليين، يزورون فقط مغارة"إفري واطو"، لكونها مهيأة بعض الشأن، لكن المغارات الأخرى تبقى دون أي اهتمام يذكر، وبالتالي لا تثير إلا الباحثين والمتخصصين في هذا المجال، من فرنسا وألمانيا وإسبانيا وأميركا.
وعن حصيلة عمل الجمعية منذ تأسيسها، قال المنصوري إن الرهان الأساسي كان منذ البداية هو رفع التهميش عن المنطقة المليئة بالمغارات، وأضاف أن هذا تحقق، وبفضل الجمعية سجل عدداً من البرامج الوثائقية في منطقة تازة، خصوصاً قناة الجزيرة والأولى والقناة الثانية وبرنامج أمودو، وهو ما عرف بهذا المجال بعض الشيء لدى المواطنين ولدى المهتمين في المغرب وخارجه، وكشف المنصوري أن الجمعية تقوم بمحاولات عدة لحث السلطات المحلية على الاهتمام بالمغارات ليكون لها أثر على السياحة المحلية لتازة، إلا أن الأمر كان يبوء بالفشل دائماً، على حد تعبيره.
وأوضح المنصوري أن الجمعية تحضر جميع الاجتماعات على مستوى العمالة لتطرح تصورها لتأهيل قطاع السياحة المحلية من خلال تهيئة جميع المغارات والتعريف بها لتساهم في السياحة الجبلية، إلا أن الأمر لم ينجح، على حد تعبير المنصوري.
وكانت مغارات تازة قد استهوت محبي مغامرات الاستغوار منذ عقود خلت، ويدون المصور الصحافي البريطاني بيتر كلانفيل على موقعه الإلكتروني، أنه زار المغرب خلال عام1976، حيث عمل وفريقه على استكشاف مغارة "إفري ن واطو" و"شيكر"، حيث كتب أنه زار رفقة مستغورين آخرين مغارات عدة في منطقة تازة، واعتبر مغارة"شيكر" من أعمق مغارات إفريقيا، وقد سبق أن زارت جمعية أوربية للاستغوار مدينة سنة1960، واكتشفت أن المغارات "شيكر" و"إفري ن واطو" وأبدت إعجابها بالتنوع الإيكولوجي لهذه المنطقة، ورغم أن المغارتين آنذاك لم تتوفرا على وسائل تساعد على دخولهما، إلا أنهم استعملوا وسائلهم عبر مد حبال من فوهة المغارة ودخل إلى جوفها.
كما تزخر تازة بالعديد من المعالم الحضرية والدينية والفضاءات التاريخية الجميلة المؤهلة لتضطلع بدور رافعة أساسية للنهوض بالسياحة المحلية للمدينة، وتحقيق التنمية المستدامة بالمنطقة، فأول ما يبهر زائر تازة هو الأسوار والأبراج، والقصبات التاريخية والأبواب التي ما زالت شاهدة على العمق التاريخي والحضاري للمدينة، غير أن هذا كله يحتاج للاهتمام من طرف الجهات المعنية، وذلك من أجل جعلها قبلة للسياح المغاربة والأجانب.
ورغم أن الميزانية المرصودة لتأهيل القطاع السياحي بإقليم تازة في إطار رؤية 2020 تبلغ 8 ر510 مليون درهم، إلا أنها تبقى دون المستوى للنهوض بقطاع يمكن أن يكون له الأثر الكبير على الوضعية الاقتصادية للمنطقة، إذ يتطلب الأمر تقوية البنية التحتية للاستقبال، وإعادة ترميم مغارة "إفري واطو"، التي تستقطب نسبة كبيرة من السياح، إضافة إلى مغارات "شيكر" و"الشعرة" و"تخوباي" و"تابحيرت" و"كوان" و"كاف الغار".
وقال محمد العنصار، وهو ابن منطقة مغراوة القريبة لتازة ورئيس جمعية تاكوراست للتنمية، في حديث لنا، إنه من المفروض أن تلعب السياحة الجبلية بالمنطقة دوراً مهما في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، حيث أن للمنطقة مؤهلات سياحية كبيرة كانت ستكون المحرك التنموي للمنطقة، وأضاف أن المنطقة تتوفر على مدار سياحي رائع متنوع يتكون من مجموعة من المغارات ذات الصيت العالمي ومساحة شاسعة من غابات البلوط والأرز يمتد على طول الطريق من مدينة تازة إلى جبال بويبلان.
وأشار العنصار أن المنطقة تتوفر أيضاً بحيرة طبيعة بآيت اسماعيل المتواجدة بدوار تامطروشت، ثم هناك جبل بوهدل، وجبل بويبلان المكسو بالثلوج حتى شهر يونيو، الذي يتوفر على محطة للتزحلق، إلا أن هذه المحطة التي تحتوي على مصعد كهربائي مخربة منذ عشرات السنين لتدخل المنطقة في سبات عميق.
واعتبر العنصار أنه رغم كل هذه المؤهلات السياحية الكبيرة والمتنوعة التي تتوفر عليها المنطقة فإنها تتناقض مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي المزري للمنطقة، واقع اجتماعي يصفه بالصعب بظروف معيشية صعبة، وأرجع هذا التهميش إلى عدة أسباب منها التغطية الإعلامية الغائبة غياب مندوبية للسياحة بالمدينة وغياب مآوي سياحية وانعدام تهيئة للمدارات السياحية الجبلية وللمغارات.
إجمالاً يمكن القول إن المدينة لها ما يميزها، رغم أن الفاعلين المدنيين يقولون إنها خارج "الخريطة السياسية" ولا تحضى باهتمام من طرف الحكومة، فبالإضافة إلى ما تقدمه من فضاء استغواري مهم، تحتوي تازة على فضاء متميز يبقى مجهولاً لدى غالبية المغاربة، إنه "منتزه تازكا الوطني"، الذي يعتبر أقدم منتزه بالمغرب بعد منتزه توبقال الوطني، وكان إحداثه سنة1950، ويمتد هذا المنتزه على مساحة تناهز 680 هكتار، وترجع أسباب إحداثه بهدف حماية المنطقة لثرواتها الطبيعية وخصوصياتها الإيكولوجية التي تعرف تواجد أحد عشر صنفاً نباتياً، من أبرزها شجر الأرز المنحصر في قمة جبل تازكا، ويعرف المنتزه حالياً وللإشارة مشروع تمديد وتوسيع لمساحته التي ستصل إلى مساحة إجمالية تغطي 13737 هكتار








