وليد حيرش
الصورة التي أمامكم التقطتها وأنا عائد من الكلية إلى جدران بيتي الصغير ، وهي بالضبط بشارع بئر أنزران قرب المطاحن الجديدة ، قد يتساءل بعضكم :
_ ما السبب الذي جعله يلتقط هذه الصورة؟؟؟
سأحكي لكم الحكاية بحذافرها ، وأقول فعلي هذا كان عن سبق إصرار وترصد، فلطالما مررت قرب هذه النخلة التي بالأمس كانت شامخة ، وهاهي اليوم في هذا المنظر المثير ، لقد شعرت بوخز في قلبي عندما رأيتها _أتكلم عن النخلة_ ، جلست أمامها أتأملها ورحت أسترجع الذكريات : حينما كنت أنتظر تحت ظلالها قدوم الحافلة في شتاء تازة وصيفها ، هذه النخلة-الصديقة- اليوم هاهي ساجدة مع أنها أخطأت القبلة شيئا ما ، إلا أن سجودها هذا لا شك له دوافع وأسرار لا تبدو "للعيان" : فما السر من سجودها هذا ؟؟؟؟
إجابة على هذا السؤال، شرعت في وضع فرضيات عديدة ،لا أعلم أيها أصح وأقرب إلى الحقيقة :
ربما هذه النخلة سجدت لكونها ترعرعت في بيئة لا تناسب مبادئها ،كأنها تتمرد على الأيادي التي فرقت بينها وبين أهلها ، فقد كانت في الواحة تنعم بالراحة والسكينة مع بني عشيرتها ، إلى أن هوت عليها أيادي المظاهر فاقتلعت جدورها وعطلت ذاكرتها أو ربما نومتها إن صح التعبير .
وقد تكون هذه النخلة سجدت تنبيها لهذا الإنسان اللاهت خلف" زينة الدنيا "، ضاربأ عرض الحائط المبادئ والأعراف، حتى صرنا تماما نعرف المعنى الحقيقي لمقولة"الإنسان حيوان ناطق" ، إنسان له أنف وعينان ، ولسان وشفتان ،لا يسخرهم إلا في "قريط الناب " و "مقابلات التنس " ، بعيدا كل البعد عن مقولة "الإنسان العاقل" …
وقد تكون نخلتنا سجدت : احتجاجا على مسؤولي المدينة الذين منذ أيام "الحملات" ما رأيناهم ولا سمعنا بأخبارهم ، حتى صرنا نشذو لهم "مرسول المسؤول زرنا شوفنا واش حنا لاباس طل علينا …"
كما قد يكون سجودها هذا راجع إلى تفاقم الأوضاع السياسية والإجتماعية والأيديولوجية والإقتصادية : فلا الحق ظل حقا ،ولا الخبز ظل خبزا ، ولا … ولا النخيل ظل نخيلا بل صار "نخالة" …
ومن الفرضيات الأكثر تصديقا : كون النخلة سجدت -أو ربما هوت- لعدم تحملها ما رأت من مناكير : فهذا رجل –لا يمكن اعتباره حيوان لأنه إنسان- مر أمامها يتحرش بفتاة هي بمثل سن أصغر بناته ، وهذه بائعة "هوى" تنتظر في رحاب ظلالها مرور زبون جديد ، وهذا رجل جاء" بقمامته" ليفرغها على جدران النخلة الصامتة المتمردة …
وتبقى "السيميوزيس التأويلية " تنمو باستمرار ، لدرجة أننا لن نلم بكل الفرضيات والأسرار الكامنة وراء سجود النخلة ، أو لنقل ثورة النخلة بعد فقدانها لتروثها : ثورة فريدة من نوعها ، بعيدا عن العنف وما يترتب عليه ، بعيدا عن الإنتهازية ، بعيدا عن …
نخلتنا الثائرة : سجدت للخالق ،رافضة السجود للمخلوق ،كما هو حال بعض "الحيوانات الناطقة" ، تاركة خلفها الشارع أو الطريق الرئيسي "للمدينة" يموج بسياراته و"فوغالاته" و… وكأنها تقول :
أيها الظالم ، أيها "الإنسان" تركت لك كل شيء ، تركت لك هذه الدنيا بما فيها ، إذا فزت بشيء فهنيئا لك ، وإذا خسرت فذلك جزائك …
وفي انتظار تمرد باقي" جنس النخيل" تقبلوا مني فائق التقدير والإحترام …






