أجيال بريس
سعيد عدي لأجيال بريس : المستعمر شجع الهجرة بغرض إضعاف المقاومة واستغل النساء ك "مجندات للجنس".
على هامش أشغال الندوة الدولية حول العمالة المغاربية بالخارج التي نظمها مختبر البحث في العلاقات الثقافية المغربية المتوسطية، والتي عرفت حضور عشرات الباحثين من مختلف التخصصات، التقى طاقم جريدة أجيال بريس الأستاذ سعيد عدي أحد الباحثين المشاركين في الندوة، وهو متخصص في التاريخ المعاصر، ينحدر من مدينة آسا ، وأجرى معه الحوار التالي:
حاوره : محمد العشوري.
س: لماذا موضوع الهجرة في هذه الظرفية بالذات؟
ج: بالنظر إلى الظرفية التاريخية الراهنة فإن قضايا الهجرة تحظى بأولوية قصوى في نظري، ذلك أن المغرب يمر من مرحلة دقيقة على مستوى الدور الذي بات يلعبه في محيطه الإقليمي كبلد استقرار للمهاجرين بعد ما كان بلد عبور، أتى ذلك في سياق التحولات التي شهدتها مختلف بلدان العالم على المستويين الاقتصادي والسياسي، وأقصد الأزمة الاقتصادية التي ألمت بالأنظمة الرأسمالية شمال المتوسط، وظروف الحراك السياسي المسمى ب"الربيع الديمقراطي" الذي عصف بأنظمة بعض الدول، وجعل البعض الآخر يعيش على وقع التوتر والاقتتال وانعدام الأمن لسنوات طوال، كلها ظروف تضافرت لتجعل من المغرب بلدا يعج بالمهاجرين الفارين من ويلات الحروب في بعض المناطق كالشام مثلا، أو من إفريقيا جنوب الصحراء لأجل تحسين أوضاعهم المعيشية، فكان لزاما على المغرب أن يوضح سياسته في هذا الباب، ضمن هذا السياق جاء قرار تسوية أوضاع المهاجرين كخطوة جريئة. كل ذلك جعل من موضوع الهجرة حديث الساعة الآني والظرفي، وفتح هذا الملف يستدعي التوسل إلى الدرس التاريخي على اعتبار أن المؤرخ هو ذاكرة الوطن.
س: قبل أن يتحول المغرب إلى بلد يستقطب الهجرة كان بلدا مصدرا لها، ما هي الجذور التاريخية لذلك؟
ج: يصعب الإمساك بالوعاء الزمني لظهور الهجرة المغربية نحو الخارج، لكن نحدده عموما في فترة ما بين الحربين، إذ أن إدارة الحماية كانت عاكفة على تهدئة القبائل الثائرة ضد تواجدها في المغرب، ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى بدأت فرنسا في تدعيم قواتها في ميدان الوغى بالمحاربين من رجال القبائل، الشيء الذي مكنها من إضعاف قوة المقاومة المسلحة التي استمرت إلى حدود سنة 1934م، وجندت فرقا إضافية في الحرب العالمية الثانية حيث شكل الجنود المغاربة ما نسبته 09% من مجموع القوات الفرنسية التي شكل المحاربون الأفارقة الشماليون 53% منها، ولم تكتف فرنسا بذلك بل تعدته إلى تعبئة اليد العاملة المغربية من أجل الالتحاق بالعمل في الميتروبول لإعادة بناء ما دمرته الحرب خصوصا بعد تعهد المقيم العام الفرنسي الجنرال "نوكيس" أمام مجلس الحكومة في 3 من شهر يونيو 1939م بتزويد بلده باليد العاملة المغربية، وفتح باب الهجرة الموسمية للعمل في الزراعة، وتعهدت إدارة الحماية بتحمل جزئ من تكاليفها الى جانب "فدرالية مستخدمي اليد العاملة الزراعية" بفرنسا، ومع توالي السنين ترسخت لذى المغاربة ثقافة الهجرة إلى فرنسا وأوربا الغربية بصفة عامة.
س: هل كان لذلك أثار سلبية على المجتمع المغربي؟
ج: بعد أن تجاوزت فرنسا أزمتها نهجت سياسة تقليص حجم الهجرة المغربية إليها بسنها لترسانة من القوانين، واستصدارها لبعض الظهائر خصوصا ظهير 16 جمادى الثانية عام 1350هـ الموافق ل 27 أكتوبر من عام 1931م الذي فرض المزيد من القيود على الهجرة، قياسا على الإجراءات التي كان معمولا بها في فرنسا، هكذا تخلت عن عشرات الآلاف من السواعد التي ساندتها في أحلك الظروف، لقد كرس الواقع الإستعماري جعل أعين المغاربة مشدودة نحو فرنسا، ولما كان الولوج إليها بشكل قانوني مستحيلا فقد ظهر نوع آخر من الهجرة لم يكن للمغاربة سابق عهد به، وهو الهجرة السرية التي تولت تنظيمها شبكات التهريب، حيث كان أرباب العمل في المتروبول بداية يبعثون بعقود عمل بيضاء إلى مندوبيهم الذين يقومون ببيعها للعمال الراغبين في الهجرة لقاء مبلغ 1000 فرنك فرنسي، وإذا تعذر الحصول على العقد فإن الراغب في الهجرة يدفع مبلغا يتراوح ما بين 1000 و2000 فرنك فرنسي إلى شبكة من المهربين الأوربيين الذين يعملون على ترحيل العمال سرا إلى فرنسا على متن زوارق شراعية.
س: هل يعني ذلك أن الهجرة السرية "لحريك" كانت وليدة الحقبة الإستعمارية؟
ج: تماما.
س: اعتبرتم قضية تهجير النساء مع فرق الجيش إلى ميدان القتال طابوها مسكوتا عنه في تاريخ المغرب، كيف ذلك؟
ج :علينا التأكيد بداية على أن إدارة الحماية عملت على تزويد الجبهة الفرنسية بأعداد متلاحقة من نساء المواخير المتنقلة ما بين سنتي 1934م و1947م، كما أرسلت مجموعة منهن إلى جنودها في الفيتنام سنة 1946م، وكانت فرنسا قد أنشأت عدة مواخير في مدن متفرقة من المغرب كالدار البيضاء والرباط والمحمدية والعرائش، وأنشأت أحياء متنقلة لمرافقة الكتائب العسكرية في مسارح العمليات تعرف اختصارا ب " B.M.C" وتعرف هؤلاء النسوة ب " النساء الخاضعات" أو "مجندات الجنس". وتبتدئ أطوار رحلتهن بعد التعبئة التي يقوم بها الأطباء وضباط الشؤون الأهلية وضباط الشؤون الإسلامية في أوساط النساء عند زيارتهم للمراكز الإدارية، فيتم تجميع المرشحات في مراكز الحاميات العسكرية الجهوية قصد تزويدهن ب "الحزمة العسكرية"، بعد ذلك يتم إصدار الأوامر بتوجيههن إلى ثكنة بالقرب من مدينة الدار البيضاء لتعيينهن بالفيلق الذي سيصاحبنه، تحت إشراف إحدى الوسيطات، بعد ذلك يتم ترحيلهن إلى مدينة وهران بالجزائر على متن شاحنة عسكرية، ليجدن السفينة التي تقلهن إلى فرنسا أو إلى الهند الصينية لمباشرة مهمتهن التي لا تخلو بدورها من المخاطر، إذ غالبا ما يكن عرضة للإصابة بقذائف الهاون والأعيرة النارية.
س: هل هناك دراسات تقربنا من هذه الظاهرة أكثر؟
ج: لا تتوفر حاليا أية دراسة تقدم أرقاما دقيقة وبيانات حول عدد النسوة اللائي تم تهجيرهن إلى فرنسا في الفترة المدروسة إذا ما استثنينا بعض الإشارات المتفرقة في بعض الدراسات مثل التي أنجزها الطبيبان "ماثيو" و"موري" حول "بوسبير" الدار البيضاء، والدراسة التي أنجزتها الكاتبة الفرنسية "كريسطال طارو" حول الدعارة الكلونيالية وبعض الوثائق المتفرقة في الأرشيف الفرنسي ب"باريس" و "نانط"، لكن السؤال الأهم طرحه في هذا المضمار هو لماذا غاب موضوع تهجير النساء عن اهتمام الباحثين المغاربة؟
س:ألا يمكن أن نرجع ذلك إلى قلة أعداد النسوة اللائي طالتهن هذه الهجرة؟
ج: علينا أن نتفق أولا على أن القلة تدل على الوجود وهذا ما يهمنا في هذه المرحلة، ولا يمكننا الاعتماد على التخمينات في مسألة كهذه، الموضوع في حاجة إلى تعميق البحث فلربما كان دليلا إلى توظيفات أخرى للمرأة المغربية في تلك الفترة غير التي وقفنا عليها، الأهم أن لا يبقى الأمر طابوها مسكوتا عنه.








