روزيتا …. عندما يستفيق المطر

ajialpress22 نوفمبر 2014
روزيتا …. عندما يستفيق المطر

بقلم محمد غربي

الحلقة الأولى :

الساعة الثالثة و النصف زوالا، انتهى وقت العمل الرسمي لنهار اليوم كل الموظفين يغادرون، و رنين جرس المراقب الآلي يملأ المكان حيث يتم تسجيل خروج الموظفين بطريقة آلية عن طريق البطاقات الذكية.

خرج الجميع و لم يبقى سوى عمّال الأمن الخاص الذين يحرسون المبنى، و كالعادة لا زالت "روزيتا" في مكتبها تقوم بمراجعة كل ما قام به موظفو قسمها، كما أنها فضّلت أن تفرغ من وضع برنامج العمل للشهر المقبل بما أنها تسعى لتطبيق خطتها الجديدة من أجل تحقيق  كفاءة أكبر في خدمة عملاء دائرة البريد ببلدة "شالي سيتي " الصاخبة دائما.

 "روزيتا" أو "تاتشر" كما يُلقبها زملاءها في العمل، لم يحلو لها يوما أن تغادر مكتبها عند انتهاء ساعات الدوام الرسمي، بالرغم من أنها أول من يأتي فهي آخر من يغادر حتى لو كانت الإدارة ترفض أن تدفع لها تعويضات عن ساعات عملها الإضافية، لأن إدارة البريد لا ترى ضرورة تقتضي زيادة ساعات العمل للموظفين، لكن ذلك بالنسبة لروزيتا لا يهم أبدا فهي لم تعد تهتم بجمع المال أو اكتنازه لأن لها ما يفوق حاجتها بكثير.

اجتهاد "روزيتا" و نجاحها في عملها كان يخفي خيبةَ و فشلا كبيرا في حياتها الخاصة، فقد تجاوزت عامها الثامن و الأربعين و لم تتزوج بعد، ليست على قدر كبير من الجمال لكنها ليست قبيحة، فشكلها مقبول و كان يمكن أن تبدو أجمل بكثير لو اهتمت بمظهرها، صرامتها طبعت شخصيتها، فنادرا ما يراها أحد تبتسم أو  تمزح،  تُدخن بشراهة و مدمنة على القهوة ما يجعلها عصبية جدا و حادة المزاج.

أكتشفت "روزيتا" في وقت متأخر جدا أن حياتها راكدة و باردة، وجدت نفسها وحيدة في عالم مليء بالضوضاء، لكنها تعودت و تعلمت كيف تتعايش مع عزلتها، ليس هناك من ينتظر رجوعها للبيت، لا أولاد و لا زوج و لا أحد، فقط خادمتها و مربيتها "كالي" تلك البدينة السمراء التي لا تمل من الثرثرة و استعراض أخبار الحي و الجيران على مسامعها كل مرة في ما يشبه نشرة أخبار يومية مملة و تافهة.

استمرت "روزيتا" بعملها إلى أن دقّت السادسة ، فجمعت أغراضها و حملت حقيبة يدها، و غادرت مكتبها. مستقلّةَ سيارتها التي انطلقت كالسهم تخترق شوارع المدينة الغاصة بأنواع المركبات من كل لون و صنف، و متوجهةَ لبيتها الذي ينزوي هناك في أقصى الضاحية الجنوبية للمدينة. اختارت العيش في بيت مستقل مترام الأطراف، في ريف المدينة، مُفضّلة الابتعاد عن البنايات الشاهقة و عن صخب الحياة العصرية  لتعيش عزلتها في هدوء حزين، هكذا هي "روزيتا" و هكذا تتكرر  أيامها في رتابة و كآبة قاتلتين لا تجديد فيهما و لا حياة.

الحلقة الثانية

في الجانب الآخر من المدينة، و بالظبط في مقهى "كاردي" الفاخر، الواقع على ناصية شارع الملك جورج الخامس، كان يجلس "إيلي" بمفرده يحتسي كأسا من الجُعة وهو يتنفس الصعداء، بعدما أصدرت الجنة الإنضباط و الأخلاق التابعة لإدارة البريد اليوم قرارها النهائي بشأنه، و قررت أن يستمر في وظيفته، مكتفية بعقوبة يراها خفيفة مقارنة بفعلته، حيث تم تنقيله من مكتبه بالإدارة المركزية وسط "شالي سيتي" إلى مركز صغير بإحدى البلدات القريبة  مع تأخير ترقيته لسنتين.

كان "إيلي" شبه متأكد أن لجنة الانضباط و الأخلاق ستقوم لا محالة بفصله من عمله بعدما تم ضبطه داخل مكتبه في وضع مخل بالحياء و هو يفترس شفاه إحدى العميلات،و التي قصدت مكتبه لتستفسره عن سبب تأخر صرف معاش زوجها المتوفي ، فإذا بها تسقط أمام شيطان غوايته و تقع فريسة كلامه المُحلّى بعبارات الغزل الماجن و التي لم تطرب لها روحها و آذنها منذ زمن بعيد،  لتنهار بعدها بدقائق قليلة بين أحضانه و تستسلم لنهم قبلاته، و لم يكن الأمر لينتهي أو يتوقف عند ذلك الحد لو لم تضبطه عاملة النظافة و تنقل الوشاية بسرعة الايميل إلى المدير، الذي استدعى عمال الأمن و اقتحم عليه مكتبه و كأنه أمسك بقط في خم دجاج.

" تبّا… يوما ما ستكون نهايتي حتما علي يدي امرأة " هكذا كان "إيلي" يوبّخ نفسه،  و عزم على شراء قارورة عطر فرنسي فاخر و باقة ورد ليقدمهما كهدية لتلك العجوز المتصابية التي توسطت له عند زوجها و الذي لم يكن سوى رئيس هيئة البريد باسكتلندا من أجل الاكتفاء في حقّه بأخف العقوبات، و يبدو أن وساطتها قد أفلحت أخيرا في إرجاعه لوظيفته بعدما تم توقيفه لمدة شهر عن العمل في انتظار قرار اللجنة الأخير.

كان "إيلي" شاب في الثلاثين من عمره يتفجر طاقة و حيوية ، طوله يتجاوز المتر بثمانين سنتمتر و وزنه لا يتعد المائة و السبعين رطلا، كان ذا جسم رياضي بعضلات مفتولة، فلم يكن يفتر أو يتكاسل عن ممارسة الرياضة بشكل منتظم، كان مولعا بالكرة المستطيلة "الريكبي" و كان من أهم عناصر فريق مدينته، و هو ما كان يزيد من شعبيته، لم يكن يدخن أبدا و لا يفرط في الشُرب أيضا، كان شابا أبيض اللون بشعر يميل للشقار و كان فعلا يتصرف كفارس قوطي مزهو بشبابه و وسامته، لم تكن لباقته تخونه خصوصا مع النساء، فكان ينتقي عباراته بدقة ، حسب الموقف و الحاجة.

تعددت علاقات "إيلي" العاطفية و تعددت أسبابها و نهاياتها أيضا، فقد كان يرى أن رجولته لا تكتمل إلاّ بين أحضان امرأة، لكن أحيانا كثيرة لم تكن تلك العلاقات تخلو من انتهازية مقيتة و مصلحة، خصوصا عندما كان يتعلق الأمر بنساء أكبر منه سنا و لا يتمتعن بجمال أو جاذبية تغري شابا مثله.

احتسى "إيلي" كأس الجعة عن آخره و نادى على نادلة المقهى ليسلمها الحساب، أتت إليه مسرعة و الابتسامة تعلو وجهها، و هي تحمل "شيك" الحساب أخرج من جيبه ما تبقى له من جنيهات، و ناولها ورقة من فئة عشر باوندات، تاركا لها مائتي سنت كبقشيش، و قبل أن ينصرف و عندما همت النادلة بجمع ما تركه على الطاولة فاجئها في غفلة منها بقرصة خفيفة و خاطفة على مؤخرتها، لم تجد بدا من أن تصيح في وجهه مبتسمة و مستنكرة "تبا لك أيها القبيح …" ليرد عليها ببرودة دم انجليزية: "جعتك الساخنة لا تستحق بقشيشا لذلك كان علي أن آخذ مقابل القرشين" و غادر المكان منتشيا بنصره الصغير على النادلة …..

 

 

مستجدات