هشام المكي
(مركز نماء للبحوث والدراسات ).
يعتبر مصطلح قادة الرأي من المصطلحات الحديثة نسبيًا في المجال التداولي العربي، وإن كانت التمثلات الذهنية التي يحيل إليها غير موفقة في الغالب. إذ يتصور البعض أن المقصود بقادة الرأي هم أهل السياسة ورؤساء الأحزاب وغيرهم من المسؤولين الحكوميين. لكن في حقيقة الأمر، يمثل هؤلاء نموذجا واحدا فقط من نماذج قادة الرأي؛ حيث لا يرتبط المصطلح بالمجال السياسي، بقدر ما يعتبر مصطلحًا إعلاميًا بامتياز.
فما المقصود بمصطلح "قادة الرأي" في مجال الدراسات الإعلامية؟ ماهي مواصفات قادة الرأي وأدوارهم؟ ثم، ما هي أ دوار وإمكانات قادة الرأي في المجتمعات العربية؟ وما هي التحديات التي تواجههم؟
1- قادة الرأي: المفهوم والسياق
يرتبط سياق ظهور المصطلح، بالبحث العلمي في مجال تأثير وسائل الإعلام والاتصال على الجمهور. وقد مرت نظرية تأثير وسائل الاتصال بأربعة مراحل:
– مرحلة التأثيرات القوية: حيث كان يعتقد في فترة ما بين الحربين العالميتين، أن وسائل الاتصال قوة قادرة على تشكيل الرأي العام بشكل فعال، وظهرت عدة مصطلحات تصف قوة ذلك التأثير، مثل: نظرية الرصاصة، ونظرية الإبرة تحت الجلد…
– مرحلة التأثيرات المحدودة: حيث ساد فترة الخمسينات الاعتقاد أن تأثيرات وسائل الاتصال على الجمهور جد محدودة، وأن هناك جهات أخرى هي المسؤولة عن صنع توجهات الجمهور.
– مرحلة التأثيرات المعتدلة في الستينات، حيث اعتبر علماء الاتصال أن تأثير وسائل الاتصال يرتبط بمتغيرات خاصة بالأفراد المتلقين.
– ومنذ السبعينات، تمت العودة من جديد إلى نظرية التأثيرات القوية لوسائل الاتصال.
وفي خمسينات القرن الماضي، في مرحلة التأثيرات المحدودة لوسائل الإعلام والاتصال على جمهور المتلقين، اتجهت الأبحاث في الولايات المتحدة الأمريكية في خطين متوازيين:
– مجموعة البحث في جامعة ييل: بقيادة كارل هوفلاند، وكشفت أعمال هذه المجموعة بعض العوامل التي تسهم في عملية التأثير، حيث سمي النموذج الذي تم تقديمه بالنموذج النفسديناميكي، حيث أن الرسائل الإقناعية، تنشط العمليات النفسية الكامنة، مما يؤدي إلى أفعال ظاهرية مرغوبة.
– مجموعة البحث في جامعة كولومبيا: بقيادة بول لازارسفيلد، قامت هذه المجموعة بإجراء دراسة عن السلوك الانتخابي، ووجدت أن قدرة وسائل الإعلام على تغيير تفضيل الناس لأحد الأحزاب محدودة، وترتبط في الواقع بعاملين مهمين: أولهما، هو كون الجمهور انتقائيًا في استخدامه لوسائل الاتصال، أما العامل الثاني، فيتمثل في كون الاتصال الشخصي بين الأفراد أكثر فاعلية من وسائل الاتصال الجماهيري في تغيير الاتجاهات والمعتقدات..
في هذا السياق، تمت صياغة نظرية تدفق المعلومات على مرحلتين، أو ما يسمى بنظرية الخطوتين: وتقوم هذه النظرية على كون الناس يميلون إلى تفسير ومناقشة مضمون وسائل الاتصال الجماهيرية مع الأشخاص الذين يشبهونهم في التعليم والمهنة ومستوى المعيشة والخلفية الأسرية.. وتسمى مجموعات المناقشة هذه بالمجموعات التفسيرية، مثل زمرة الأصدقاء، والأسرة، والجيران، والاتحادات النقابية، والمساجد…
وفي إطار هذه النظرية، سيتم الحديث عن قادة الرأي (Opinion Leaders)، باعتبارهم:
– مجموعة من الأفراد الذين لهم تأثير على سلوك الاخرين، نتيجةً لتميزهم من نواح مختلفة مثل: شخصيتهم، مهاراتهم، أو اطلاعهم على الشأن العام. وغالباً ما يكونون أكثر استخداماً لوسائل الاتصال من غيرهم.
– هم الأشخاص الذين يقومون بدور مزدوج في سريان الاتصال على مرحلتين، من خلال تعرض قادة الرأي لمصادر الاتصال ثم ينقلون هذه المعلومات التي حصلوا عليها من تلك المصادر إلى مواطنين آخرين تربطهم علاقات إيجابية وقوية: فهم يعملون على تحويل الاتصال الجماهيري عبر (الراديو والتلفاز والصحف) إلى اتصال مباشر وشخصي تبعاً لتأثيراتهم الاجتماعية وقدراتهم الشخصية من خلال النقل والتفسير لمضمون الرسائل، مما يزيد وقعه لدى الأفراد والجماعات الأولية.
وهذا يعني أن المعلومات لا تصل مباشرة إلى الناس، بل تصل من خلال قادة الرأي الذين يشكلون الصيغة النهائية للرسائل الاتصالية.
2- مواصفات قادة الرأي:
يشير مصطلح (قائد الرأي) إلى الوسيط الاجتماعي الذي من خلاله تنتقل وتفسر المعلومات ويحمل بالضرورة قدرا من السمات والخصائص التي تجعله ذا قدرة في التأثير في الأفراد، ومنشطاً للفعل الاتصالي بنمطيه الشخصي والجماهيري، وقد اتخذت هذه السمات والخصائص أبعادًا متباينة في حالتها الواقعية والوظيفية.
وهناك مجموعة من الباحثين الذين حاولوا تحديد مواصفات دقيقة لقادة الرأي، نمثل لهم بتعريف روجرز(Rogers)، الذي يعتبر أن قادة الرأي هم الأشخاص الذين يلجأ إليهم الآخرون لطلب النصيحة وللحصول على المعلومات، وذلك لأن قادة الرأي هم في العادة أكثر من غيرهم التزاما بالمعايير والأعراف الاجتماعية السائدة في المجتمع أو التنظيم الاجتماعي، مما يمنحهم صفات القدوة، والمصداقية في التوجيه.
كما أن الأساليب الاتصالية لقادة الرأي هي متجددة ومنفتحة سواء من ناحية دقة المعلومات أو نوعيتها أو مصادرها، حيث يتم تعزيز هذه المعلومات من مصادر خارجية متعددة لا تقتصر على قنوات الاتصال الجماهيري المألوفة.
3- مجال التأثير:
يعتبر علماء الاتصال أن تأثير قادة الرأي هو أكثر جودة وكفاءة فيما يتعلق بتغيير السلوك والمعتقدات والمواقف، في حين إن مجرى الاتصال المباشر أو الخطوة الواحدة (الجماهيري) يكون مناسباً في مجال التأثيرات التعليمية والإخبارية.
4- دور قادة الرأي في تنمية المجتمع: تحديات وفرص.
يعتبر دور قادة الرأي بالغ الأهمية في المجتمعات العربية الحالية، خصوصًا مع التحولات الاجتماعية التي تعرفها البلدان العربية، حيث تراجعت مجموعة من الأدوار التقليدية للتأثير في توجهات الناس، وبرز الإعلام كوسيلة مهمة للتنشئة الاجتماعية. مما يجعل الحاجة جد ملحة لقادة رأي ثقات يتوسطون عمليات التنشئة هذه، خصوصًا وأن المحتويات الإعلامية في الواقع تصاغ للراشدين وليس للأطفال والمراهقين، مما يستلزم توسط قادة الرأي للتخفيف من بعض الآثار السلبية لوسائل الإعلام.
هذا بالإضافة إلى كون مختلف البلدان العربية تواجه مجموعة من التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والتي تقتضي التعبئة العامة، وتوحيد الجهود والرؤى والقناعات، وهذا من أدوار قادة الرأي الأساسية.
لكن في مقابل ذلك، يواجه اشتغال قادة الرأي مجموعة من التحديات العملية، نصنفها في ثلاثة أنواع:
– تحديات ترتبط بالمحافظة على مكانة القيادة، وتتجلى في جانبين: يرتبط الأول بصعوبة المواكبة في عالم وفرة الاتصال ورسائله وتعدد قنواته، مع قوة التمويه الإعلامي. أما الثاني فيتعلق بتحدي المصداقية الذي يرتبط بالجانب السلوكي لقائد الرأي من جهة، وبقدرته التفسيرية من جهة ثانية.
– تحديات ترتبط بمجالات القيادة: وترتبط بدورها بالتحولات التي يعرفها الإعلام، وخصوصا صعود الإعلام الجديد، وقنوات الاتصال التفاعلي، فما هي صيغة قادة الرأي التي ستلائم الاتصال الاجتماعي، والإعلام الإلكتروني، والمدونات..؟ لما فيهما من إشكالات ضبط المحتوى، وثبات التوجه العام "للقناة"…
– تحديات ترتبط بفعل القيادة: فأمام وفرة مصادر المعلومة، ومئات القنوات الإخبارية، التي تؤدي إلى إشباع الجمهور بالأخبار والمعلومات، هذا بالإضافة إلى تعدد البدائل واحترافية القنوات الإعلامية التي تملك قدرة كبيرة على صنع المصداقية، أصبح من الصعب على قادة الرأي المحافظة على قدرتهم الإقناعية، بل وعلى حاجة الآخرين إليهم أصلًا؛ مما يحتم عليهم العمل على تطوير قدراتهم التواصلية بشكل كبير.
لكن أكبر تحد في نظرنا، هو أن أغلب قادة الرأي في مجتمعاتنا العربية لا يعرفون أصلًا أنهم قادة رأي، ولا يعون حجم المسؤولية الاجتماعية التي تقع على عاتقهم.
فهل يَعتبِر أئمة المساجد مثلًا أن من أدوارهم التوسط بين ما يبث على القنوات التلفزيونية من أخبار ومعلومات وقيم وبين إدراك الناس لها، خصوصا وأن الوعاظ وأئمة المساجد يعدون من أبرز قادة الرأي في مجتمعاتنا ويحظون بقدر كبير من المصداقية؟ وهل يقوم الآباء بذلك في أسرهم؟ والأساتذة في صفوفهم الدراسية؟
فكم من الطاقات والأدوار المهدورة، نتيجة لكون قادة رأي فعليين، يحظون بكل القدرات التفسيرية والتواصلية اللازمة، ويتوفرون على ثقة الناس وحبهم، لكنهم لا يعلمون بأدوارهم، ولا بالمسؤولية الاجتماعية المنوطة بهم.
خصوصًا وأن المجتمعات العربية توفر لقادة الرأي مجموعة من الفرص التي تمكنهم من صاغية التغيير المأمول؛ إذ تتعدد قنوات قيادة الرأي في المجتمع العربي وتتنوع بين الجماعات التفسيرية في العمل، والجماعة التفسيرية "الفصل الدراسي"، بالإضافة إلى الجماعات التفسيرية التقليدية: "المسجد"، "المقهى"، "الأسرة"، "العائلة"…
ومن بين الفرص أيضا، أن أغلب الإعلام الرسمي العربي لم يتحول بعد إلى قوة تجارية ربحية، مما يتيح إمكانية التركيز على الجانب التنموي، وتحويل هذا الأخير من إعلام رسمي ناطق بلسان الحكومات، إلى إعلام مواطن ناطق بحاجات البلد التنموية، ويعمل على توحيد الرؤى وتركيز الحهود.
على سبيل الختم، نؤكد على أن قادة الرأي في العالم العربي طاقة معطلة، وإمكانات هائلة ينبغي استثمارها، بل هي فرص توفرها بنية المجتمع العربي ذاتها، من حيث تماسكها وقوة روابطها الاجتماعية، وأهمية المجال الديني وانضباطه (خطب الجمعة مثلًا)، ولعل الخطوة الأولى في هذا السياق ستكون من خلال توعية قادة الرأي بأدوارهم من جهة، ووعي المؤسسات التنموية والقائمين على الحملات التحسيسية ومشاريع الإصلاح بإمكانات قادة الرأي من جهة ثانية؛ ولعل تحالفًا مستقبليًا وتنسيقًا بين هؤلاء وأولئك، سيحمل الخير العميم بلا شك.







