ماذا لو قرأ حكام الجزائر أرشيفهم ..؟ “وثائق رسمية تفضح ملف شهداء مغاربة قتلوا في سبيل الجزائر”

ajialpress7 ديسمبر 2013
ماذا لو قرأ حكام الجزائر أرشيفهم ..؟ “وثائق رسمية تفضح ملف شهداء مغاربة قتلوا في سبيل الجزائر”

امحمد العلوي الباهي

باحث و مؤلف

التصعيد العدائي الذي يجنح له قادة الجارة الجزائر ضد المغرب.. يجعل المغاربة يفكرون في الأمر.. ويبحثون في تاريخهم المشترك مع الجزائر ( في سلبياته وإيجابياته ) علَّهم يجدون ما يبرر الأسباب التي تجعل قادة الجزائر يتهجمون على المغرب ويعاكسونه..  فلم يجدوا من أفعالهم (أفعال المغاربة ) إلا ما يرضي الله والضمير. 

        وأنا بدوري كباحث ومهتم ومتتبع..  فتَّشت في العلاقات المغربية الجزائرية عبر التاريخ فوجدت بها الكثير من الإيجابيات المغربية ؛ مقابل الكثير من السلبيات الجزائرية . وقد حَرَّرت في ذلك لائحة بعناوين قابلة للصياغة والتحرير.. ( قد أنشرها لاحقا ).

        منها استعراضي هذا  لنضال أحد رجال التحرير المغربي الذي كافح وجاهد إلى أن استشهد وسط صفوف جيش التحرير الجزائري  إلى جانب مغاربة آخرين نسيَّهم التاريخ ؛ وتم التعتيم عليهم واحدا تلو الآخر تمشيا مع تكاثر المستشهدين منهم هناك .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ                                      ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

        من المعلوم أن الاستعمار الفرنسي لما نفى الملك محمد الخامس من بلاده .. انتفض الشعب وتكونت منه المقاومة في المدن ثم جيش التحرير المغربي الذي صعد إلى جبال الريف والأطلس بإقليم تازة ؛ ودشن معارك التحريرالمسلحة بهجومات بطولية أربكت حسابات المستعمر الفرنسي ؛ الشئ الذي جعل هذا المستعمر يسارع إلى إرجاع رمز الأمة محمد الخامس إلى بلاده ومعه استقلال المغرب .

        عندها انخرط جُلُّ جيش التحرير المغربي في الجيش : " القوات المسلحة الملكية " منذ التأسيس يوم: 14 ماي 1956 . وجزء منه تحول لتحرير الصحراء . وجزء آخر ذهب إلى الجزائر للمساهمة مع إخوانه الجزائريين في تحريرها . هذا الجزء الأخير لا نعرف بالضبط عدد أفراده ومن مات منهم ، ومن بقي على قيد الحياة مجاهدا حتى شارك في احتفالات استقلال الجزائر التي تمت يوم 5 يوليوز 1962 .

        من جميل الصدف ؛ وأنا بمدينة تازة ؛  في أواخر الستينات من القرن الماضي عثرت عند جار لي على ملف أحد هؤلاء الجنود المناضلين ؛ وإسمه " ملود بن عياد غِلان "  هذا الرجل المغربي الذي استشهد في حرب الجزائر ضد الإستعمار الفرنسي.. يُعدّ نموذجاً حياً  لما  يجب استحضاره من إجابيات في علاقات المغرب بالجزائر. ووثائق الملف مصدرها الجزائر ؛ وهي أربعة : 

الأولى  ــ  رسالة المجاهد ملود إلى والدته في المغرب من جبال الأوراس بتاريخ 13/5/1956.

الثانية  ــ  صورة فتوغرافية، يظهرفيها مولود واقفا يحمل رشاشه في الجبهة.(وبعثها مصحوبة

    بالرسالة)

الثالثة  ــ  رسالة تعزية في استشهاد ملود ،من قيادة الأوراس الى أسرته  بتاريخ  10/6/1957

الرابعة ــ  رسالة "بيان وإثبات" من القيادة الجزائرية تقر بكفاءة ملود في خوضه لمعارك طاحنة وهي

    بتاريخ  10/6/1957.

 

أطوارهذا الملف جديرة بالاهتمام أبسُطها كالآتي :

 

        مناضلنا اسمه : " ملود بن عياد المغربي " كما هو مقيد في سجلات جيش التحرير الوطني الجزائري .وإسم جده الغالي وإسمه العائلي " غِلان " . ولد سنة 1934 بدوار أولاد عدي قبيلة بني يازغة في المغرب. وكان أخوه أحمد غلان يشتغل بالمستشفى الإقليمي تازة ، ويسكن بهذه المدينة بجواري بدرب الزاوية الجبشية ، وهو الذي يعرف مثل غيره  شغفي واهتمامي بقضايا الوطن؛ فأحاطني بتقته وأطلعني (حصريا)على ملف أخيه لأكتب شيئا حوله يبقى للتاريخ . وها أنا أفعل..

        ملود بن عياد غلان كان منخرطا في جيش التحرير المغربي بالجبال الريفية الشمالية . وبمجرد ما تم إمضاء وثيقة استقلال المغرب يوم 2مارس 1956  حتى انتقل مع جماعة من رفاقه إلى الجزائر وانضموا جميعا ( كمنخرطين في جيش التحرير المغربي ) إلى جيش التحرير الوطني الجزائري .

        وسجلوا انخراطه يوم15 مارس 1956 في سجلات جيش التحرير الوطني بولاية رقم (1) أوراس النمامشة منطقة رقم (2) وهو شاب عمره آنذاك 22 سنة؛ ودخل باندفاع حماسي في خضم المعارك الحربية التي كانت على أشدها بجبال الأوراس.

 

        وبعد أن قضى هناك شهرين؛ سيبعث برسالة إلى عائلته في المغرب وهي بتاريخ 23 رمضان 1375 هـ الموافق 13ماي 1956.. بدأها بتوجيه التحية إلى إخوانه في العروبة والإسلام في كامل المغرب العربي. ويخبر الجميع بأنه في الجزائر يحمل السلاح من أجل تحريرها. ثم يوجه الخطاب إلى أمه ويرجوها الدعاء ويقول لها: ".. إنه لا يرجع لها إلا بعد تحرير الجزائر.أو يموت موتة الأبطال الشجعان". ثم يبعث بسلامه إلى أخيه ومجموع الأسرة والعشيرة، ثم يختم رسالته بتهنئة أبناء المغرب بالإستقلال والحرية ونصرة سيدي محمد بن يوسف " الخامس" على أعدائه . ويرجو النصر للجزائر كذلك. وهذا مجمل ما جاء فيها :

 

        " الحمد لله وحده     والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

         يوم الجمعة 23 رمضان 1375هـ الموافق 13 ماي 1956م

        إخواني في العروبة إخواني في الإسلام إخواني في كامل المغرب العربي ؛ بعد التحية والإكرام أهدي إليكم التحية الحارة الخالصة لأبناء الوطن العزيز وبعد: إخواني أحييكم بالدماء الطاهرة التي تسيل من المغرب الأقصى إلى الشرق الأدنى. هاته رسالة من أخيكم سي ملود بن عياد  فهو الآن يتمتع بصحة جيدة وهو الآن يكافح؛ وغيور على دينه العزيز وعلى وحدة العرب وعَزِّ رايتهم في أنحاء المغرب العربي.

        والسلام على أُمِّنا الجليلة كثير السلام.. أوجه الخطاب إليك يا أماه..! ــ إذا سمعت طلقات الرصاص  فاعلمي وتيقني أن ابنك ملود هو من يطلقه على الأعداء .. لكن يا أماه ..أنا في حاجة إلى دعواتك الصالحة والناجحة والفالحة؛ لأني الآن أكافح وأجاهد العدو الفرنسي لإخراجه وطرده من الجزائر ..  اسمعيني يا أماه : أنا لا أرجع إليك إلا بعد ما تكون الجزائر حرة كسائر الدول. أو أموت موتة الأبطال الشجعان.

        أخي محمد ؛ أنت مثل أبي ؛ أتوجه إليك بالتحية الحارة وأطلب منك أن تدعو لنا بالخير، ونطلب من الله أن ينصرنا على الظالم والمعتدي والفاسد إنه الإستعمار الفرنسي الذي نترقب انهزامه في الجزائر ونسفه وإخراجه منها كما قال الشاعر العربي:

  وكل دولة طغت وجارت  فبشِّرها بخسف ثم نسف  

        والسلام على أفراد الأسرة منهم أحمد وعبد السلام ومحمد وعبد العزيز وعلى صديقنا محمد بن أحمد وجماعة أولاد علي كلها كبيرا وصغيرر حاضرا وغائبا وعلى أبناء الوطن العزيز.

        واليكم نوجه الخطاب يا أبناء مراكش ؛ نهنِّئُكم بعيدكم المبارك وهو عيد حصول المغرب على الحرية والإستقلال ، وأهنئكم بملكنا سيدي محمد بن يوسف الخامس نصره الله على أعدائه ، ونطلب من الله أن ينصرنا في الجزائر على العدو وتكون للجزائر دولة ؛ كما قال الشاعر العربي:

                      متسائلي عن الجزائر هل دنى             تحريرها أم حظها الحرمان

                                   والسلام عليكم ورحمة الله " .

وبعث ملود الى أسرته صحبة الرسالة بصورته الفوتوغرافية الشخصية وهو بساحة الوغى بجبال الأوراس يرتدي لباس جيش التحرير ويحمل رشاشه ، وبجانبه مجاهد مغربي آخر.. وبقي هذا المواطن المغربي المجاهد في منطقة الأوراس النمامشة مشاركا  في كل المعارك التي دارت ضد المحتل الفرنسي إلى أن استشهد هناك يوم  10 ماي 1957 . فيكون ملود بن عياد المغربي قد قضى في الكفاح المسلح بجبال الأوراس إلى جانب إخوانه الجزائريين "  سنة كاملة وأربعين يوما  " .

        وبعد شهر من وفاته حررت إدارة قيادة جيش التحرير الوطني الجزائري  ولاية رقم (1) أوراس النمامشة منطقة رقم (2) بتاريخ 10 يونيه 1957 رسالة " تعزية " إلى أقارب وأهل الجندي  ملود بن عياد المغربي .. وهذا نصها :

جيش وجبهة التحريرالوطني الجزائري

 ولاية رقم (1)أوراس النمامشة                                                             منطقة رقم (2) أوراس

 

بسم الله.. والصلاة والسلام على رسول الله.  والنصر لنا وللأحرار بإذن الله.

 

         هذه رسالة شبه رسمية إلى أقارب وأهل الجندي المدعو: المولود بن عياد المغربي.. من جيش التحرير الوطني الجزائري.

        نعم.! إنها رسالة تعزية: نكتبها بدموع الأسى وبدماء القلوب ونقدم تعزيتنا الحارة إلى أهل الشهيد.. رحم الله شهداءنا وأسكنهم فسيح الجنان.

        استشهد المرحوم المولود بن عياد  بتاريخ 10/5/1957 ميلادية بالأوراس العتيد وبجباله الشاهقة وفي ساحة الوغى وقد عاش مع إخوانه الأحرار سعيدا.. ومات واستشهد في ميدان الشرف والتضحية مع إخوانه الشهداء الذي تعانقت أجسادهم في الحياة وسارت أرواحهم متعانقة مرفرفة إلى بارئها في الممات… إنهم ضحوا بحياتهم وبأنفسهم وجادوا بأرواحهم في سبيل الجزائر الحرة المكافحة وفي سبيل الإسلام المتوثب.

        وقد سجلوا أسماءهم في صفحات المجد والفخار بمداد العزة والكرامة ، رحم الله شهداءنا الأبرار الأطهار … وألهم أهلنا وذوينا الصبر والسلوان .. وإلى أعلى عليين يا أبطالنا المغاورالأحرار.

            من جبالنا :  10/6/1957                     (طابع وإمضاء القيادة)

 

وحَرَّرت قيادة الأوراس في نفس التاريخ (10/6/1957) رسالة ثانية تحت عنوان: " بيان وإثبات "  تُبيِّن فيها أن الجندي المغربي المولود بن عياد الذي استشهد بالأوراس يوم 10/5/1957 كان مثالا للطاعة وتنفيذ الأوامر والسلوك  وله روح عالية جدا كما تشهد له بأنه خاض معهم معارك كثيرة طاحنة  كما هو معروف لدى العسكريين بمنطقة الأوراس.

صديقي وجاري أحمد بن عياد غلان أخ الجندي المغربي المستشهد في الجزائر بعث بعدة رسائل إلى وزير المجاهدين بالجزائر (بعد استقلالها) يرجوه فيها تسوية وضعية ملف أخيه ملود بن عياد .. فيما يخص التعويضات والمعاش؛ وذلك مثل ما هو معمول به في سائر بلدان العالم.

        لكن الإخوان في الجزائر تهربوا من تسوية هذا الملف وأشاروا عليه بالتوجه إلى إدارة جيش التحرير المغربي (المندوبية السامية لقدماء المحاربين وأعضاء جيش التحرير) لتقوم بتعويض أسرة هذا الجندي الفقيد الذي استشهد فداء لاستقلال الجزائر. ((والكل يعلم أن الجنود  المغاربة والجزائريين الذين توفوا في فرنسا عوضتهم فرنسا )).

        على الإخوان حكام الجزائر استحضار تضحيات المغاربة من أجل الجزائر وما أكثرها.

        كما عليهم السماح للصحفيين والباحثين بالإطلاع على ملفات المجاهدين المغاربة في الأرشيف الجزائري ؛ وقد مرت عليه 50 سنة. ثم السماح لوفد مغربي بزيارة قبور المغاربة الذين استشهدوا في معارك استقلال الجزائر؛ والترحم على أرواحهم التي وهبوها فداء لاستقلال الجارة الجزائر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ــ  نشر" بالأسبوع الصحفي" العدد: 1203/766 بتاريخ 5 دجنبر 2013.

مستجدات