دراسة : قضية الصحراء (الغربية) المغربية “كذبة جزائرية” الشيطان وحده من يملك تبرير حيثياتها.(1)

ajialpress7 سبتمبر 2013
دراسة : قضية الصحراء (الغربية) المغربية “كذبة جزائرية” الشيطان وحده من يملك تبرير حيثياتها.(1)
بقلم أسامة عكنان
ديوان أصدقاء المغرب
 
 
مقدمة ضرورية..
 
في الكثير من الأحيان تستثيرنا بعض المواقف السياسية بسبب غرابتها، فتستغرقنا دلالاتُها الأخلاقية الخطيرة. وبسبب هذا الاستغراق تضيع جذور الموقف الثقافية التي تكون في واقع الأمر أكثر أهمية في دلالاتها الخطيرة تلك من الموقف المثير ذاتِه. وفي عالم السياسة المثخن بـ "التورية" و"الادعاء" و"التضليل" الناتجة كلُّها عن "ميكافيلية" مُغرضة، تضيع بوصلتُنا إن لم نكن على قدرٍ من الوعي مُهَيَّئٍ للفهم، الناتج ابتداء عن قدرٍ أكبر من الرغبة في الفهم وفي الحرص على المعرفة. فالماكينة الإعلامية التي تملك من أدوات "هرس" الحقيقة، كلَّ ما يُمَكِّنُها من إدارة وتوجيه العقول المستسلمة لشلالاتها المتدفقة معلوماتٍ وتحليلاتٍ ورؤى ومفاهيم، عندما تتحرك بكل طاقاتها جنبا إلى جنب مع ثقافةٍ تحترف صناعةَ مُكَوِّنات الوعي، بالعزف المتقن على تضخيم "الأنا" المجتمعية، فإن الرأي العام الناتج عن هذا الثنائي المتغوِّل على العقل البشري، يغدو "صنيعةَ دهاقنةٍ" يخدمون تحالفات طبقية راسخة، أو تشكيلات سلطوية متمترسة، ليصبح رأيا عاما أبعد ما يكون عن التَّدَثُّر بالأصالة التي تمنحه – في العادة – القدرة على التعاطي مع الواقع الموضوعي كما هو، لا كما يُراد له أن يُتَخَيَّل أو أن يُتَصَوَّر.
أذهلتني وأنا أدرس "قضية الصحراء "الغربية"المغربية التي كانت وماتزال موضوع النزاع الأبرز والأهم بين كل من الجزائر والمغرب، واقعةَ أن "سايكس وبيكو" كانا حاضرين في ذلك النزاع، بروحهما وفلسفتهما وأيديولجيتهما، وبأسلوبهما المحترف في خلق كل مُكونات النزاع التي لا تنتهي بين الدول والشعوب. سايكس وبيكو اللذان ظهرا إلى الوجود عندما كانت كلٌّ من الجزائر والمغرب نرزحان تحت نير الاستعمار الفرنسي "احتلالا" للأولى" وادعاء "حماية" للثانية، واللذان قسَّما المشرق العربي على ذلك النحو البغيض الذي ما نزال نعاني من تبعاته حتى اليوم، ليس سياسيا فقط بل – وهذا هو الأهم – وثقافيا أيضا، سايكس وبيكو هذان يجب أن نَكُفَّ عن النظر إليهما بوصفهما شخصين ميكافليين ماكرين عرفا كيف يخدمان مصالح بلديهما في البقايا العربية المشرقية من تركة "الرجل المريض" – الدولة العثمانية – بتلك الاتفاقية اللعينة التي أصبح الدفاع عن مخرجاتِها ثقافةً تؤسس لسياسات دول عربية، وتؤصِّل لإستراتيجيات قوى سياسية تعتبر نفسها وطنية وقومية.. إلخ.. نقول.. يجب أن نكف عن النظر إليهما على ذلك الأساس، لأنهما – أي سايكس وبيكو – أكدا لي وأنا أتحسَّسُ شبحيهما الهازئين فوق كل صفحة قرأتها حول قضية "الصحراء الغربية" وحول "النزاع الحدودي الجزائري المغربي"، أنهما يجسِّدان "روح أوربا الاستعمارية" التي تفيض بمخرجاتها الفتنوية المتأصِّلَة في نهجها السياسي حيثما حلَّت.
الأوربيون الذين أفضل تسميتهم بـ "المُستهدِمين" اشتقاقا من "الهدم" بدل "المُستعمِرين"، لأن كلمة "مستعمر" كلمة إيجابية مشتقة من "الإعمار" وهي من هنا تعني "البناء" و"الإنماء"، لا يستحقونها بعد الذي فعلوه في هذا العالم. الأوربيون هؤلاء سرقوا من أرض العراق التاريخية قطعة صغيرة أسموها "الكويت"، وقسموا أمة "الكرد" بين أربع دول، وانتزعوا أرضا إفريقية أضافوها للسودان، واقتطعوا مناطق عرفت تاريخيا بأنها يمنية ومنحوها لآل سعود، وسرقوا من الليبيين "إقليم أوزو" ومنحوه لتشاد، وسرقوا من العرب "إقليم خوزستان" أو "عربستان" وجعلوه إيرانيا، ومن أرض الصومال العربية انتزعوا "إقليم أوغادين" ليصبح كينيا، وسوريا الكبرى قسموها إلى أربع دويلات هزيلة بعد أن سرقوا منها لواء "الإسكندرونة" وأبقوه تركيا، أصبحت لكل دويلة منها هوية مصطنعة تدافع عنها ثقافة آثمة أكثر اصطناعا، ومن المغرب التي كانوا "يستهدمونها" قضموا مساحات شرقية شاسعة، لتصبح جزءا من غرب الجزائر التي كانوا أيضا "يستهدمونها".. وهكذا دواليك.
وفي كل منطقة من تلك التي مسَّدتها الروح الأوربية السايكسبيكوية بمراهمها الآثمة، تشتعل الحرائق ولا تنطفئ، وإن انطفأت اليوم فلكي تشتعل غدا. لبنان تحول إلى متقيَّإ لكل الخلافات العربية العربية، والعربية الصهيونية، والعربية الإمبريالية، والعربية الإيرانية. والأردن تحول إلى بناء وظيفي بائس أقنعوا أهله وسكانه بأنهم يمثلون هوية عريقة في التاريخ تُشْتَمُّ روائحُها في جبال البتراء ورمال رم وحفريات الأنباط.. إلخ، وليبيا تنازعت مع تشاد وحاربتها بسبب الموروث الاستعماري الأوربي الذي أخذ منها ليعطي غيرها، والسودانيون اقتتلوا حتى ملت من اقتتالهم الدماء فانفصلوا، والعراق تم تدميره بمجرد أنه فكر في استعادة أرضه المسروقة، وعرب خوزستان يعانون الأمرين، واللواء السليب في الإسكندرونة ما يزال تائها بين عروبته وعثمانيته، وأوغدين لا يتحدث أحد عن عروبته، وإن كنا متأكدين أنه برميل بارود مؤجل الاشتعال، وفلسطين تقف شاهدة على كل ذلك البؤس والتيه والدمار والحطام، والمغرب والجزائر وهما من أهم وأكبر الدول العربية مساحة وتعدادا وعراقة، تتعاملان معاملة الأوس والخزرج خصماء الدهر قبل الإسلام، بسبب الحدود وتداعياتها، وبسبب قضية الصحراء الغربية وتداعياتها منذ عقود.
والقصة تطول، وتنوء بحملها الجبال!!
إنها روحٌ واحدة تفرض طابعها التدميري الفتنوي حيثما حلت!! 
وهي في النزاع الجزائري المغربي واضحة لمن يريد أن يفهم، وإن كانت مغطاة بورق من "سُلُوفان" الإيهاموالتضليل لمن لا يعنيه سوى البحث عن كذبةٍ هنا أو فريةٍ هناك، تمسِّد أوهامَه وجهالاتِه بمخدراتٍ لا تمنحه فرصةً للتفكير البناء والفهم الخلاق. ولأن هذا الموضوع تُعيقُ معرفةَ حيثياته الدقيقة ركاماتٌ من البعد عن مكامن الحقيقة في سياقاتها التاريخية والسياسية والقانونية والأخلاقية، فقد كان من الضروري أن نقدمَ لمعرفتها ببعض المعطيات التي نراها مهمة قبل البدء في تحليله من جوانبه السياسية والتاريخية والقانونية. 
مدخل تاريخي لابد منه..
كانت مساعدة المغرب للجزائريين بعد استسلام العثمانيين وتنازلهم عن الجزائر لـ "المستهدمين" الفرنسيين، نافذة يطلون منها على الأمل ويتنفسون منها عناصر الدعم لمقاومة الحالة "الاستهدامية" الجديدة. فقد بادر سكان مدينة "تلمسان" الواقعة في أقصى الغرب الجزائري بإرسال وفد إلى مدينة "مكناس" المغربية" طالبوا فيها بدخولهم تحت الطاعة المغربية عن طريق تقديم البيعة والولاء للسلطان المغربي "المولى عبد الرحمن"، وهي المبادرة ذاتها التي أقدمت عليها قبائل جزائرية أخرى كـ "أولاد رياح"، و"أولاد السيد مجاهد"، و"أهل مدينة معسكر" التي كانت مقرا لقيادة المقاومة المنظمة تحت إمرة "الأمير عبد القادر الجزائري". ولقد تم ذلك بعد أن قام السلطان المغربي سالف الذكر بتعيين "علي بن سليمان" واليا على "تلمسان" .ومن هذا المنطلق فقد فرضت العلاقة الجديدة التي قامت بموجب عقد البيعة والولاء هذا، تقديم يد المساعدة من الجانب المغربي للجانب الجزائري على جميع المستويات، وهي المساعدة التي أسفرت عن عواقب مؤلمة للمغرب على صعيد مستقبله السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أدت إلى مواجهات عسكرية بين الفرنسيين والمغاربة كانت خاتمتها هزيمة المغرب في معركة "إسلي"، ما شجع الفرنسيين على التطاول على السيادة المغربية بعد التوقيع على اتفاقية "للامغنية" بين الطرفين في سنة 1845 والتي تمكن المستهدمون الفرنسيون بمقتضاها من استكمال احتلال المناطق الجزائرية التي كانت قد دخلت في الطاعة المغربية فضلا عن اقتطاع أجزاء عديدة من التراب المغربي، سواء في شرقه أو في جنوبه وضمها إلى الجزائر التي كانت قد أصبحت بموجب "الاستهدام" أرضا الفرنسية، إلى درجة أن بعض القبائل المغربية كانت تقسَّم الى شطرين كقبائل "أولاد سيدي الشيخ" التي قسمت إلى أولاد "سيدي الشيخ غرابة" أي التابعة للمغرب، وأولاد "سيدي الشيخ الشراقة" التابعة للجزائر المحتلة. هكذا تكرست النعرة الإقليمية بين الطرفين، ولقد كانت لها نتائج وخيمة في مرحلة ما بعد الاستقلال، وخاصة بعد أن رفض الجزائريون العودة إلى الحدود الأولى التي كانت مرسومة بين المغرب والجزائر قبل دخول "المستهدم" الفرنسي، والمعترف بها بمقتضى معاهدة "طنجة" لسنة 1844، والتي كانت تَعْتَبِر "وادي تافنا" حدا فاصلا بين المغرب والجزائر منذ خضوع هذه الأخيرة للحكم العثماني.
من هنا تبدأ القصة. إنها كما هي العادة ودائما، الروح الأوربية الاستهدامية التي جسَّدها عندنا في المشرق العربي في مطلع القرن العشرين الدويتو "سايكس وبيكو". 
ولقد بدأت تظهر مُكَوِّنات الأزمة الحدودية بين البلدين مع بواكير عهد الاستقلال الجزائري عندما تراجعت الجزائر عما كانت قد تعهدت به من إعادة ترسيم الحدود بين البلدين على أساس اتفاقية "طنجة لعام "1844"، فاندلعت حرب بين البلدين أطلق عليها "حرب الرمال" عام 1963، وسادت علاقاتهما الكثير من التوترات والمُنَغِّصات، إلى أن دخلت على خط هذا النزاع الحدودي قضية جديدة كشفت عن المخزون الحقيقي من مولدات ذلك النزاع، ألا وهي قضية "الصحراء الغربية" التي هي إقليم صحراوي يمتد على حدود واسعة بين المغرب وموريتانيا والجزائر، وبسواحل طويلة على المحيط الأطلسي، وبمساحة إجمالية للإقليم تقدر بـ "266" ألف كيلومتر مربع، وهو ينقسم إلى قسمين هما: الساقية الحمراء شمالا، ووادي الذهب جنوبا. 
وكمقدمة تاريخية حول الصحراء الغربية تجدر الإشارة إلى أن اكتشاف المواد ذات الأهمية الاقتصادية في إقليم الصحراء الغربية أدى إلى زيادة حدة النزاع بين الدول "الاستهدامية" عليه، إلا أنه من خلال عدة اتفاقيات "استهدامية"، تمكنت إسبانيا من فرض سيطرتها الكاملة على الإقليم. ولكن بعد استقلال دول المغرب العربي، تحول الصراع على الصحراء الغربية ليكون بين دول إقليمية أخرى هي المغرب وموريتانيا والجزائر. فبعد أن كانت الصحراء الغربية "مستهدمة" إسبانية منذ العقد الأول من القرن العشرين وحتى عام 1976، حين تمَّ الجلاء عنها بموجب الاتفاق الثلاثي بين إسبانيا والمغرب وموريتانيا عام 1975، إلا أنه مع هذا الاتفاق ظهرت إلى حيِّز الوجود قوى أخرى تطالب باستقلال الإقليم، وهي جبهة البوليزاريو التي أعلنت في 27 فبراير 1976 قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، بدعمٍ كامل ومطلق من "الجزائر".
بدأت المواجهات العسكرية بين أطراف النزاع مع مغادرة القوات الإسبانية للصحراء الغربية في 26 فبراير 1976 ودخول القوات المغربية إليها على قاعدة اعتبارها أراضٍ مغربية استقلت عن الاحتلال الإسباني. ومنذ ذلك التاريخ تحولت مشكلة الصحراء الغربية إلى واحدة من أدق وأخطر وأعقد المشكلات التي تهدد دول المغرب العربي كلِّه، ودخلت أطراف إقليمية أخرى إلى دائرة النزاع، تريد أن تجد لنفسها دوراً سياسيا في المنطقة، ومع فشل احتواء النزاع عربياً وإفريقياً، تحول إلى الأمم المتحدة التي ما زالت تعمل حتى الآن على إيجاد أسلوب مناسب توافق عليه كافة الأطراف لإنهاء النزاع على أساسه.
إلا أن موريتانيا وفي وقت متقدم من النزاع وبعد أن كانت طرفا أساسيا فيه وأسَّسَت لحقوقها التاريخية في جزء من الصحراء الغربية بادعاء أن لسكان الإقليم نفس التقاليد والعادات التي لدى الشعب الموريتاني، لتطالب على هذا الأساس بالجزء الجنوبي من الصحراء الغربية، وهو ما يطلق عليه اسم "إقليم الداخلة"، ما لبثت أن تراجعت عن مطلبها في هذا الإقليم لصالح المغرب عام 1979، وهو التراجع الذي بموجبه انسحبت موريتانيا بصفة نهائية من الجزء الذي كانت تحتله من تراب الصحراء الغربية لتستولي عليه المغرب
والآن، وبعد هاتين المقدمتين التاريخيتين الضروريتين، سنبدأ بالسباحة في بحور هذه الأزمة المستعصية بين البلدين الشقيقين، الجزائر والمغرب، وسوف نعرض لها من خلال مناقشة المحاور الثلاثة التالية.. 
المحور الأول.. الخلافات الحدودية الجزائرية المغربية كجذر لنشوء النزاع حول الصحراء الغربية
المحور الثاني.. المبررات التي ساقتها الجزائر للوقوف ضد مغربية الصحراء الغربية هل هي حقيقية؟!
المحور الثالث.. التناقضات الواضحة في مواقف الجزائر من قضية الصحراء الغربية
المحور الأول.. الخلافات الحدودية الجزائرية المغربية كجذر لنشوء النزاع حول الصحراء الغربية
أ – تنكُّر الجزائر لاتفاقية ترسيم الحدود بين البلدين
إن أول مشكلة برزت بين المغرب والجزائر بعد حصول هذه الأخيرة على الاستقلال عن فرنسا في الخامس من شهر تموز عام 1962، هي مشكلة الحدود التي أدت إلى اندلاع حرب الرمال بين البلدين سنة 1963. فالجزائر تشبثت بالحدود التي رسمها الاحتلال الفرنسي، وتنكرت للاتفاقية التي أبرمتها الحكومة الجزائرية المؤقتة برئاسة "فرحات عباس" مع المغرب في 06/07/1961 والتي جاء فيها: 
"وفاء لروح مؤتمر طنجة المنعقد في شهر أبريل 1958، ونظرا لتعلقها المتين بميثاق الدار البيضاء، والقرارات المتخذة من قبله، تقرر الحكومتان السعي لبناء المغرب العربي على أساس المشاركة الأخوية في المجال السياسي والاقتصادي، وتؤكد حكومة صاحب الجلالة ملك المغرب، مساندتها غير المشروطة للشعب الجزائري في كفاحه من أجل الاستقلال والوحدة الوطنية، وتعلن عن دعمها بدون تحفظ للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في مفاوضاتها مع فرنسا على أساس احترام وحدة التراب الجزائري، وستعارض حكومة صاحب الجلالة ملك المغرب بكل الوسائل المحاولات الرامية إلى تقسيم أو تفتيت التراب الجزائري. وتعترف الحكومة المؤقتة من جانبها، بأن المشكل الترابي الناشئ عن تخطيط الحدود المفروضة تعسفا فيما بين القطرين، سيجد حلا له في المفاوضات بين الحكومة المغربية وحكومة الجزائر المستقلة. ولهذا الغرض تقرر الحكومتان إنشاء لجنة جزائرية مغربية في أقرب أجل لبدء دراسة المشكل وحلِّه ضمن روح الإخاء والوحدة المغاربية".
ولنا في هذا المقام وقفة متأملة نستجلي من خلالها الأسباب الحقيقية التي تقف وراء تراجع الجزائر عن تعهدها بإعادة ترسيم الحدود بين البلدين بناء على اتفاقية "طنجة" لعام 1844 والمعقودة إبان خضوع الجزائر للعثمانيين، والتي بموجبها تتحدَّد بشكل قطعي حدود البلدين. 
لقد بدأت تتكشف بما لا يحتمل أيَّ شكٍّ أو تأويل مظاهر الأهمية الاقتصادية للأراضي المتاخمة في منطقة "تندوف" وخاصة في المنطقة المعروفة بـ "غار جبيلات"، وهي المناطق الواقعة بحسب اتفاقية طنجة لعام 1844 ضمن الأراضي المغربية وليس الجزائرية. سيما بعد أن تأكد وجود خام الحديد فيها باحتياطيات مهولة تحتاجها الصناعة العالمية عموما والأوربية خصوصا. وقد اتضح هذا الأمر من خلال التقرير الذي أعدته إحدى الشركات الفرنسية المكلفة بدراسة استغلال الحديد في المنطقة في تلك الفترة، والذي أفاد بأن نسبة خام الحديد في المنطقة يبلغ 75 %. وأن هذا الإنتاج إذا أضيف إلى إنتاج موريتانيا الكبير، سيمثل نسبة 50 % من احتياجات السوق الأوروبية المشتركة.
إذن فقد ظهرت للمناطق "المغربية أصلا" و"الجزائرية حاليا" أهمية جيوسياسية خطيرة، كشفت عنها مخزوناتها الهائلة من مورد الحديد الذي يمثل عصب الصناعة الحالية في العالم. وهو ما يعني أن الجزائر التي تملك الغاز والنفط بصفتهما عصب الطاقة، إذا امتلكت الحديد على هذا النحو الهائل، فإنها لن تغدو دولة تؤسِّسُ لنفسها صناعيا على نحو غير مسبوق، بل هي ستغدو أيضا متحكمة في احتياطيات هائلة من عصب الصناعة العالمية والأوربية على وجه الخصوص. وبالتالي فلم يعد في نظر القادة الجزائريين الجدد بالإمكان التعامل مع هذه الأراضي بالنزعة الأخلاقية الساذجة التي عليها أن تلتزم بمعطيات اتفاقيات أكل عليها الدهر وشرب وبادت منذ عشرات السنين. وعلى هذا المطمع الاقتصادي الذي يُسَيِّلُ اللعاب قامت وتأسَّسَت الأسباب غير المعلنة لموقف الجزائر من مسألة إعادة ترسيم الحدود مع جارتها "المغرب".
ولكن هذا السبب العميق والدفين لا يمكن إعلانه ولا الاعتماد عليه بشكل واضح في عالم السياسة، لأنه يتعارض أصلا مع فكرة وفلسفة الثورة والاستقلال والتحرير التي قامت عليها الدولة الجزائرية، والتي قدم الشعب الجزائري لأجلها مئات الآلاف من الشهداء، بل والتي تعاطف معها العالم واحترمها لأجلها من حيث المبدأ. فدولة قامت على فكرة التحرر من الاحتلال الغاصب للأرض والثروات، ليس منطقيا ولا مقبولا أن تمارس الأمر نفسه مع جار وقريب وشريك في الجغرافيا والقومية والدين والتاريخ. وبالتالي فقد كان من الضروري للقيادات الجزائرية الجديدة من أن تبحثَ لنفسها عن مبررات تكون أكثر إقناعا، تغطي بها تنكُّرَها لما وعدت به من استعداد لترسيم الحدود مع المغرب بعد الاستقلال كما أوردنا سابقا.
وهذا يقودنا إلى ضرورة كشف حقيقة القيادات الجزائرية الجديدة التي تحكمت في الدولة بعد الاستقلال، وكيف كانت تفكر، وما هي جذورها الفكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وطبيعة الخلافات والتناقضات القائمة بينها، وكيف حاولت الخروج من مآزق التنافر المستحكمة في صفوفها، فإن في ذلك ما يساعدنا على سبر الحقيقة في موضوعنا.. إلخ.
ب – طبيعة عقلية وتكوين الفاعلين في النظام الجزائري ما بعد الاستقلال 
التحق بمؤسسات الدولة الجزائرية الناشئة وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، المئات من الضباط الجزائريين الفارين من الخدمة العسكرية الفرنسية، أو ربما المبعوثين سرا واختراقا إلى الجزائر، من أولئك المتشبعين بدروس وافرة من طرف محتل الأمس الذي ما يزالون يدينون له بالتبعية والولاء الثقافيين، أكثر من تبعيتهم وولائهم لدولتهم المستقلة، إلا بقدر ما تكون هذه الدولة قادرة على تحقيق مصالحهم التي تشبعوا الولاء والانتماء لها بموجب تلك الثقافة، فضلا عن تمركز فئات من الطفيليين المحليين الذين كوَّنوا ثرواتٍ عبر علاقات مشبوهة مع الاحتلال الفرنسي، ومن خلال شراء مخلفات المستوطنين الفرنسيين الهاربين بأبخس الأثمان، من عقارات وورش صناعية ومصانع.. إلخ. والثروات المشبوهة لهذه الفئة من الطفيليين أصبحت بعد الاستقلال هي وسيلتهم لخلق قواعد السيطرة والنفوذ غير المرئية في دولة اشتراكية، القوة فيها للثروة المختبئة تتربص للقفز إلى مواقع القرار، وفي دولة غير ديمقراطية ولا تعدديَّة، المجال فيها للتزوير والتزييف والتشويه والفوضى مفتوح على كلِّ المصاريع. كان هؤلاء مشبعين بسياسة الهيمنة ورسم معالم التوجه الاقتصادي والسياسي للبلاد على أسُسٍ فئوية طبقية ضيقة تستخدم الكل لصالح البعض، والغالبية لحساب الأقلية، ومرافق الدولة لخدمة مصالح الطبقة. ولقد اقتضت تلك الثقافة الراسخة في هؤلاء، إلى الابتعاد عن النهج الديمقراطي في إنشاء الدولة وبنائها، وتفضيل التوجه السلطوي المركزي الذي يتيح لكل أنواع الفساد والتزييف في الوعي وفي الإرادة أن تختبئَ وراءه. ولعل أحد الأسباب الرئيسة في ذلك يعود إلى الرغبة في البحث عن أسلوب يضمن خلق توجه وحدوي بين الاتجاهات المتصارعة داخل جبهة التحرير التي كانت تمثل الحزب الحاكم آنذاك. حيث أنه خلال مرحلة الاستدمار الفرنسي كانت هناك عدة اتجاهات سياسية لحركة التحرر الوطني في الجزائر، نشير هنا إلى طبيعة تصوراتها المتضاربة أيديولوجيا، لكي نفهم العوامل المتحكمة في طبيعة النظام السياسي الجزائري والمحددة لسياسته الخارجية بعد الاستقلال.. 
أ – الاتجاه اليميني: وكان يضم نخبة من الشباب الجزائري الذي ارتوى من الثقافة الغربية، وخاض بعضُ عناصره تجربة الحرب في صفوف الجنود الفرنسيين خلال الحرب العالمية الأولى، كالأمير "خالد بن محي الدين"، حفيد الأمير "عبد القادر الجزائري"، والذي أنشأ هيئة سياسية تحت اسم "وحدة النواب الجزائريين"، كرست جهدها للمطالبة بتحقيق المساواة بين الجزائريين والفرنسيين، والعمل على إلغاء القوانين الاستثنائية، والسماح للجزائريين بالدخول إلى مجلس النواب الفرنسي. غير أن هذا الاتجاه سرعان ما تطور إلى فكرة إدماج الشعب الجزائري في السيادة الفرنسية، بمعنى ذوبان الجزائر اجتماعيا ثقافيا وسياسيا في فرنسا. وهو ما عبر عنه الصيدلاني "فرحات عباس" في جريدة "الوفاق" سنة 1936 عندما قال: 
"لو اكتشفتُ الأمة الجزائرية لكنت وطنيا، وما احمرَّ وجهي من ذلك كما أحمرَّ من جريمة، على أنني لن أموت من أجل الوطن الجزائري، لأن هذا الوطن لا وجود له". 
غير أن هذه التجربة آلت إلى فشل وزوال، نظرا لرفض الجزائريين والفرنسيين لها كل حسب تفسيراته لسياسة الإدماج. فالفرنسيون رأوا أنه لا يعقل أن يتم إدماج الأغلبية الجزائرية في الأقلية الفرنسية، لأن هذا سيقلب الموازين الديموغرافية، ويجعل تلك الأقلية الفرنسية تفقد السيطرة والنفوذ على الأغلبية الجزائرية. أما الجزائريون، فقد رفضوا فكرة الإدماج لأنها في نظرهم بمثابة تخلي منهم عن الدين وعن القومية
ب – الاتجاه اليساري: وقد ظهر بعد الحرب العالمية الأولى في شكل جمعية "نجم شمال إفريقيا" التي ضمت مجموعة من العمال المهاجرين من شمال إفريقيا إلى فرنسا. ويعتبر "مصالي الحاج" هو مؤسس هذه الحركة التي بدأت في نشاطها سنة 1926، وقد كانت مهمتها تتلخص في الدفاع عن الحقوق المادية والمعنوية لعمال شمال إفريقيا العاملين بفرنسا، والعمل على توعيتهم وتثقيفهم وإشعارهم بأهمية انتمائهم إلى القومية العربية الإسلامية، وبضرورة الدفاع عن استقلال بلادهم، وبلدان شمال إفريقيا. وقد ربطت هذه الجمعية بين فكرة التحرر السياسي والإصلاح الاجتماعي. غير أن مضايقات السلطات الفرنسية لها، جعلها تتحول إلى العمل في السر، وقد كان اسمها يتغيَّر من وقت لآخر، إلى أن استقر على اسم "حزب الشعب الجزائري" سنة 1937. 
ج – الاتجاه الإصلاحي الديني: وقد بدأ في شكل نادٍ أطلق عليه "نادي الترقي"، أسسه بعض علماء الدين لأغراض ثقافية محضة، كان الهدف منه بعث التراث الإسلامي. إلا أنه في مطلع الثلاثينيات، تحول هذا النادي إلى جمعية أطلق عليها اسم "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين". وقد كانت هذه الحركة سلفية إصلاحية في طبيعتها، استمدت مبادئها من سلفية المشرق الداعية إلى الرجوع إلى السلف الصالح والتمسك بالعروة الوثقى. مثل هذا الاتجاه "محمد البشير الإبراهيمي" و"الشيخ "عبد الحميد بن باديس". عملت هذه الجمعية على خوض غمار السياسة، وكان عليها أن تعمل في واجهتين لمجابهة الاستعمار، أولا ضد الطرق الصوفية التي اتهمتها بنشر البدع والخرافات، والتواطؤ مع الاحتلال، وثانيا ضد دعاة الإدماج الذين أرادوا القضاء على الكيان الجزائري بإدماجه في فرنسا. وفي هذا المضمار كتب الشيخ "بن باديس" مقالا في مجلة الشهاب سنة 1936 ردا على مقال "فرحات عباس" الذي نقلنا جزءا منه أعلاه، وقد جاء في ذلك المقال: 
"إننا نرى الأمة الجزائرية موجودة ومتكونة على مثال ما تكونت به سائر أمم الأرض، وهي لا تزال حية، ولم تزل، ولهذه الأمة تاريخها اللامع، ووحدتها الدينية واللغوية، ولها ثقافتها، وتقاليدها الحسنة والقيمة، مثل سائر أمم الدنيا، وهذه الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا تريد أن تصبح هي فرنسا، ومن المستحيل أن تصبح هي فرنسا ولو جنَّسوها". 
إن هذه الاتجاهات الثلاث المتصارعة التي شارك الكثيرون منها في حرب تحرير الجزائر بشكل أو بآخر، فضلا عن آخرين توافدوا على الإطار الذي سيقتسم الكعكة لاحقا من كل حدبٍ وصوب، بعد أن بدأت معالم الاستقلال تظهر في الأفق، تم اختزالهم جميعا قبيل استقلال الجزائر في "جبهة التحرير" كحزب وحيد، لتبرز الصراعات فيما بينهم جميعا من جديد مع حصول البلاد على حريتها. خاصة بعد بروز تيارات سياسية أخرى كـ "الحزب الشيوعي الجزائري"، وهم مناصرو التسيير الذاتي ذوو التكوين الماركسي، بالإضافة إلى بعض المنظمات الجماهيرية الأخرى كـ "الاتحاد العام للشغيلة الجزائريين"، و"الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين"، و"شبيبة جبهة التحرير الوطني". 
وجدت الجزائر نفسها بعد الاستقلال تتخبط في أزمة سياسية خانقة، استغلها الضباط الجزائريون العائدون من فرنسا ليحددوا – ومعهم من تمكن من سرعة القفز والوصول إلى الصفوف الأمامية من طفيليي ومنتفعي حقبة الاحتلال – معالم السياسة الخارجية للجزائر، مستفيدين من الأزمة التي اندلعت بين قيادة الأركان والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، والتي مكنتهم لاحقا وفي وقت قياسي من السيطرة على القطاعات الإستراتيجية في البلاد، خاصة داخل وزارة الدفاع والدرك الوطني التي وقعت تحت إشرافهم كليا منذ سنة 1962. ومنذ هذا التاريخ أصبح الجهاز العسكري، هو المسيِّر لدواليب الحكم داخل النظام السياسي الجزائري، وهو المحدِّد للسياسة الخارجية للجزائر والمتحكِّم فيها، خاصة تجاه المغرب
في هذا السياق أجد نفسي مدفوعا بمقتضى الموضوعية والإنصاف إلى تأكيد التحليل السابق المتعلق بطبيعة أولئك الذين هيمنوا على مفاصل الدولة الجزائرية، وبالأخص العسكرية منها، ليصبح القرار بأيديهم، من خلال فرصةٍ قيِّمة أتيحت لي، قرأت فيها روايةً للكاتب الجزائري "بدر الدين ميلي"، بلغتها الفرنسية الأصلية، لأنها لم تكن قد ترجمت بعد، وهي بعنوان "La Breche et Le Rempart"، أو باللغة العربية "الثغرة والجدار". الرواية تحكي قصة حي في مدينة "قسنطينة" في الشرق الجزائري مهد "الثورة التحريرية الكبرى"، يدعى "عوينة الفول" خلال حقبة من حقب الاحتلال الفرنسي تبدأ من فترةٍ تقارب الحرب العالمية الأولى، وتستمر حتى ما بعد الاستقلال بقليل، وهي بمثابة ملحمة حقيقية تروي تغريبة معبِّرَة أيما تعبير عن المجتمع الجزائري والتحولات التي كانت تعتمل فيه، منتقلة به من مستوى إلى آخر ومن حالة إلى أخرى. الرواية تحليل مجتمعي ثقافي اقتصادي إنساني أخلاقي لتلك العينة من المجتمع "القسنطيني" عبر سيرورة زمنية كان العالم فيها يتغير وكانت الجزائر فيها تتجاوب مع هذا التغيير.
إن أكثر ما لفت انتباهي في هذه الرواية – فضلا عن حرص مؤلفها على دقة تحليل البناء المجتمعي لـ "عوينة الفول"– هو حرصه على التركيز على فئة من الشخصيات التي فهمتُ منه بعد تواصلي معه بشكل شخصي عبر الفضاءالإلكتروني، أن الكثير منها كان حقيقيا وموجودا بالفعل في تلك المنطقة، إذ أن جانبا من الرواية يمثل "سيرة ذاتية" للكاتب الذي ينحدر من تلك المناطق الشرقية في الجزائر. ومن بين كل شخصيات الرواية استوقفتني تلك المجموعة التي تجذب الإنسان بفعل اختلافها وتميزها – وإن يكونا اختلافا وتميزا سلبيين يُكْرَهان – اللذين يتنبأ القارئ أنهما سيجعلان تلك الشخصيات ذات مكانة خاصة في مستقبل خاص ضمن ظروف خاصة. 
شخصية العامل الجزائري المقرب لدى مستوطن فرنسي يتاجر في الأسلحة القديمة من مخلفات الحروب، شخصية الميكانيكي الجزائري الذي يعمل لدى صاحب مرأب فرنسي لتصليح العربات والمركبات، تاجر حبوب وزيوت جزائري متنقل بين القرى في تلك المنطقة ومقرب من الفرنسيين، شخص جزائري غريب الأطوار، يجمع المال بكل الطرق، وعلى رأسها التذلل للمستوطنين الفرنسيين، جزائري بسيط يعمل رئيسا للعمال في ورشة لمستوطن فرنسي.. إلخ. عشرات الشخصيات التي لا يحبها المرء وهو يقرأ الملحمة الروائية ويحس بأنها سوف تكون مصدر قلق في المستقبل، ليكتشف القارئ في النهاية أن هذه الشخصيات ومع بزوغ عهد الاستقلال تكون قد اغتنت وأثرت وهي التي استفادت من الفزع الذي أصاب المستوطنين الفرنسيين في الأشهر الأخيرة التي سبقت إعلان الاستقلال مُجَمِّعَة ثروات وعقارات وورش ومصانع.. إلخ، لتختفي فجأة عن مسرح الأحداث في "عوينة الفول"، ويظهر الكثيرون منها في "الجزائر العاصمة" على نحوٍ جديد، وبعضهم لا يظهر مطلقا في إشارة إلى أنه ذاب في البناء الجديد على نحو ألغى ماضيه ليصبح ابن المرحلة الحالية بكل الخير الذي سيرافقها.. إلخ. 
ما أريد قوله هو أن هؤلاء وأمثالهم من كل أنحاء الجزائر، هم في الغالب الأعم من سرقوا الثورة الجزائرية واستحكموا في خنادق الصف الثاني والثالث مترقبين تداعيات الزلزال أن تزول كي يتحركوا، ثم تحركوا بالفعل في الوقت المناسب، لتصبح الجزائر لهم وملكهم وتحت سيطرتهم، هم وأولئك الذين هيمنوا على الجيش بالشكل الذي أشرنا إليه سابقا من بقايا المنتمين إلى الثقافة الفرنسية "الفرانكوفونية"، بعد أن غاب الرجال الكبار واستشهدوا، وبعد أن تحول المجاهدون الذين صنعوا الاستقلال، إلى أنتيكاتٍ في متحف كبير مقدس محترم ينحني له الجميع احتراما، أقنع ساكنيه بالاكتفاء بهذا التبجيل المرفق بغيابٍ كامل عن أيِّ تأثير على مسرح الأحداث، متحفٌ اسمه "وزارة قدماء المجاهدين".
وفي هذا السياق أيضا، لا يفوتني أن استحضر هاجسا غريبا ولدته لديَّ في حينه روح مشبعة به في قلوب وأذهان عشرات "قدماء المجاهدين" الذين التقيتهم وعرفتهم وحاورتهم وخاطبتهم في سياق عمل ما كنت أقوم به في الجزائر منذ سنوات، هاجسٌ حول استشهاد عدد من كبار صناع الثورة في ظروف غامضة لا تبدو بريئة، سبقت حدث الاستقلال الذي بدأ يتلألأ في الأفق منذ عام 1957. رجال عظماء أحدهم كان يلقب بحكيم الثورة وهو أحد خمسة فجروها هو الشهيد "العربي بن مهيدي"، والآخر هو الشهيد "عبان رمضان" والثالث هو الشهيد "العقيد لطفي"، وقبلهم الشهيد "مصطفى بن بولعيد" ثاني الخمسة الذين فجروا الثورة، وآخرون من أنزه الرجال وأكفئهم وأعظمهم وأخلصهم، سقطوا ورحلوا في ظروفٍ غامضة لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، فيما بدا أنه تسوية للطريق أمام الدولة القادمة لكي لا يكون فيها وعلى رأسها أمثال هؤلاء الثوار الكبار الذين ما كانت ستتاح في ظل وجودهم للجزائر أن تصبح مطية لمن قلنا أنها أصبحت مطية لهم. 
الشهيد "العربي بن مهيدي"، يتم إلقاء القبض عليه وهو يغادر "حي القصبة" الذي كان يدير منه معركة "الجزائر الكبرى" التي غيرت موازين القوى في حرب التحرير، في ظروفٍ رجَّح الكثيرون أنها كانت ظروف خيانة، ليتم إعدامه في سجنه بأنذل طريقة. 
الشهيد "مصطفى بن بولعيد، سمعت عن ظروف استشهاده من الإشاعات التي تؤكد قتله غدرا بتسليمه جهاز تفجير ملغوم لينفجر فيه ويموت، أكثر مما سمعت عن استشهاد طبيعي، ومن المعروف أنه استشهد بالفعل خلال معالجته لجهاز تفجير انفجر بين يديه وهو يتعامل معه في جبال "الأوراس" في الشرق الجزائري. 
الشهيد "عبان رمضان" خليفة "العربي بن مهيدي" في إدارة وقيادة "المنطقة الخامسة" في الغرب الجزائري، يتم اغتياله من قبل مجهولين، ويقضي إلى ربه في ظروف غامضة، وهو مفكر الثورة ومثقفها الأهم وأحد أهم كوادرها، وكان مرشحا لأن يكون أول رئيس للجزائر بعد الاستقلال.
الشهيد "العقيد لطفي" يتم استشهاده باغتياله في كمين فرنسي لا يمكن أن يكون تم بدون خيانة.. إلخ. 
وعشرات الرجال الكبار الذين قضوا في تلك الفترة من الزمن على هذا النحو، لتستقل الجزائر بدونهم ويحكمها "الرويبضة" من هؤلاء الذين تحدثنا عنهم.
 
مستجدات