شذرات من تاريخ سوريا

ajialpress29 أغسطس 2013
شذرات من تاريخ سوريا

المريزق المصطفى

 

 من حكم الدولة العثمانية إلى الانتداب الفرنسي

قبل أن تغزو فرنسا "ولاية الجزائر" (اسم الجزائر في عهد العثمانيين) سنة 1830، عاشت جارتنا تحت حكم الدولة العثمانية منذ 1515م، كما عاشت تونس نفس المصير خمسين سنة بعد هذا التاريخ، قبل أن تسقط سوريا تحت قبضتها سنة 1576، و بعدها خضعت كل الدول العربية للحكم العثماني إلى حدود نهاية الحرب العالمية الأولى، باستثناء المغرب.

و مع بروز الدعوة الوهابية أواخر القرن الثامن عشر، و قيام دولتها في ظل الأسرة السعودية، و نظرا للفساد الإداري الذي عم العديد من مناطق نفوذ الإمبراطورية العثمانية، و ارتفاع مديونيتها و هزائم جيشها في العديد من المعارك، و انتشار الكوارث و المجاعة و الأوبئة، و أمام انبثاق حركات المطالبة بالاستقلال في أوروبا و إفريقيا و في المشرق العربي، بدأت الإمبراطورية العثمانية تتخلى تدريجيا عن ممتلكاتها و هيمنتها بداية القرن التاسع عشر، لتمهد الطريق للزحف الاستعماري على البلدان العربية.

و منذ ذلك الحين، صارت بلاد الشام هدفا استعماريا بامتياز، بل و محط أنظار الدول الغربية خوفا من قيام الوحدة التاريخية بين "مصر الإفريقية" و "سوريا الأسيوية". و هو ما تم فعلا، حيث أحبط حلم الوحدة الذي كان سينقل المنطقة إلى مستوى آخر من الاستقرار و التقدم.

كذلك، يشهد التاريخ الحديث أن سوريا، و بعد فشل المشروع الوحدوي مع مصر، دخلت منذ منتصف القرن التاسع عشر في دوامة من النزاعات الطائفية التي عمت المنطقة، على اثر طغيان الحكم التركي و انحيازه إلى المعسكر الألماني.

و استعدادا للرد على عنف الحكام الأتراك،بدأ الاستعداد ل"الثورة العربية الكبرى" للمطالبة بالانفصال عن الإمبراطورية المهزومة، في أفق إنشاء دول عربية مستقلة عن الحكم العثماني في المنطقة تظم الجزيرة العربية و بلاد الشام و العراق، بقيادة الشريف الحسين.

و مع اندلاع الثورة في10 يونيو 1916، و نجاحها، و إحكام سيطرة ثوارها على الحجاز و الأردن و فلسطين و سوريا و اليمن، استسلمت القوات العثمانية معلنة انسحابها من مناطق حكمها.

و بعد إعلان المؤتمر السوري (برلمان بلاد الشام) عن الاستقلال و قيام "المملكة السورية العربية"، عادت القوى الغربية من جديد لتحقيق أطماعها و ممارسة سياستها الاستعمارية في المنطقة، رافضة الاعتراف بحق تقرير مصير الشعوب، و حقها في التحرر و الانعتاق، مستغلة اتفاقية سايكس-بيكو المشؤومة ( تمت بين فرنسا و أبريطانيا سريا/ بين عراب الاتفاقية البريطاني سايكس و الفرنسي بيكو) التي وقعها الطرفين سنة 1916، لتقرر في مؤتم سان ريمو في ايطاليا سنة 1920، إخضاع سوريا و لبنان للانتداب الفرنسي، و الأردن و فلسطين للانتداب البريطاني، مع الحفاظ على مواقع جيش الحلفاء في كل من لبنان و ساحل سوريا و فلسطين.

من غزو دمشق إلى استقلال سوريا

في معركة ميسلون (التي يتغنى بها الفنان مارسيل خليفة)، انتصر الجيش الانتدابي على كمشة من المقاومين الوطنيين السوريين في يوم 25 تموز 1920، لينتهي في وقت و جيز حلم الدولة الوطنية في بلاد الشام ، ليغادر الملك فيصل دمشق، و تبدأ مرحلة الاستعمار الفرنسي.

و من بين الأولويات التي قام بها المستعمر، قسم سوريا إلى دويلات مستقلة بعلمها و حكومتها و برلمانها وماليتها (دولة دمشق، دولة حلب، دولة العلويين، دولة لبنان الكبير و دولة جبل الدروز)، ثم جاءت فرنسا بمقترح آخر يقضي بخلق اتحاد فدرالي ، تحت اسم "الاتحاد السوري" يضم دمشق و حلب و العلويين، و الذي لم يعمر أكثر من سنتين ليتم تعويضه بتوحيد دمشق و حلب في دولة واحدة هي الدولة السورية، لتبقى دولة العلويين منفصلة و ستقلة، و عاصمتها اللاذيقية.

أما المقاومة، فاندلعت شراراتها منذ دخول فرنسا دمشق، حيث نظمت في العديد من المناطق، وواجهت المستعمر مواجهة عنيفة، فرضت عليه الجلوس للتفاوض مع أقطاب الحركة الوطنية السورية، توجت بانتخاب جمعية تأسيسية لوضع الدستور و إعلان سوريا مستقلة، موحدة، نظامها جمهوري برلماني، و ذلك سنة 1928. و بعد صراع مرير من أجل استرجاع كافة حقوق المواطنة، نظمت انتخابات عمة سنة 1931، تمخض عنها مجلس نيابي ، الذي انتخب سنة 1932 أول رئيس للجمهورية.

أما سنة 1936، فشهدت مفاوضات عسيرة حول استقلال لبنان و عدم المس بوحدته الترابية، استمرت إلى غاية 1939، بداية الحرب العالمية الثانية، تميزت بالتراجع المستمر عن كل المعاهدات و التعهدات و عن المس باستقلال البلاد. لكن انهزام فرنسا أمام ألمانيا، و تشكيل "حكومة فيشى" الموالية لألمانيا، و صمود الوطنيين و خوفهم من المواليين لألمانيا، انتزعت سوريا استقلالها الرسمي عام 1944. لكن رغم ذلك، استمرت فرنسا تراوغ و تختلق في كل مرة مبررات جديدة لإبقاء سيطرته على سوريا. و استمرت فرنسا في لعبتها هذه إلى أن قالت الأمم المتحدة كلمته الأخيرة: جلاء القوات الأجنبية عن سوريا و لبنان في أسرع و قت ممكن، و اعتبر يوم 17 نيسان 1946، عيدا و طنيا.

من صراع العسكر إلى حكم أل-بشار

شهدت سوريا مباشرة بعد استقلالها سلسلة من الأحدان أثرت على استقرارها، و من أبرز هذه الأحداث نذكر سلسلة الانقلابات المتتالية التي استمرت من نهاية الأربعينات إلى منتصف الخمسينات من القرن الماضي. أما الحدث الثاني فيتمثل في إعلان الوحدة بين سوري و مصر سنة 1958، و التي لم تعمر طويلا يطيح بها انقلاب عسكري آخر سنة 1961، لتعلن سوريا عن اسمها الحالي: "الجمهورية العربية السورية".

و من ذلك الحين إلى حرب حزيران سنة 1967، عاشت سوريا تحت رحمة الانقلابات و الصراعات السياسية بين التكتلات المنضوية تحت لواء المؤسسة العسكرية (البعثيين و الناصريين أساسا)، و هو ما زاد الوضع تأزما على العديد من المستويات، حيث استغل الظرفية السياسية أحد الضباط البعثيين، و اسمه حافظ الأسد، ليترأس حزب البعث العربي الأشتراكي و ليحكم سوريا بقبصة من حديد منذ سنة 1971، معلنا انتماءه إلى المعسكر الشرقي و خاصة الاتحاد السوفياتي سابقا، لتشهد سوريا في عهده قمعا أسودا في حق آلاف المناضلين، و ديكتاتورية عسكرية مصبوغة بالاشتراكية و مؤسسات استبدادية، و أحزاب مدجنة.

مات حافظ الأسد يوم 10 يونيو 2000، فخلفه ابنه بشار، في زمن تاريخي، سياسي، اقتصادي و ثقافي آخر… لتستمر مأساة الشعب السوري الى اليوم….

مستجدات