بـقلم يـوسف يـعـكـوبـي
تـازة فـي 15 رمضان 1434 هـ الموافـق 24 يوليوز 2013 م
عندما تُضَيَّعُ حقيقة شهر الصيام والقيام, بين كثرة أطباق الطعام وتفاهة برامج الإعلام, فإن ذلك يُبرز بوضوح مدى عمق الجراح واتساع الآلام وكثرة الذنوب والآثام, في صفوف خير أمةٍ أخرجتْ للأنـام .
بعد هذه المقدمة الواصفة الكاشفة -التي كان لابد من ذكرها- لتبيان واقع الأمة الإسلامية في شهر رمضان المبارك, يمكننا القول أن المقدمة تفضي بنا إلى تحديد أهم الظواهر والأعراض التي تتجلى عند تشخيص عميق لسلوك المسلمين, هذه الأعراض التي تأخذ أبعاداً أكبر مع حلول شهر رمضان. في الواقع؛ هي ظواهرٌ وأعراضٌ مَرَضيَة لبعض الجراثيم – الدَّخيلة والمتطفلة على هويتنا- التي بدأت تنخُرُ جسم الأمة وسلوكها الجماعي وثقافتها الإسلامية المنيعة.
فقد أصبح رمضان عند أغلب الناس محصوراً بين بُعدين اثنين, بين موائد الطعام وبرامج الإعلام؛ فالبُعد الأول لا يكاد ينعدم من ألسنة الناس عند ذكر شهر رمضان, حتى عاد هذا الأخير يرتبط ارتباطاً عُضوياً ووثيقاً بكثرة استهلاك الأغذية وارتفاع أسعارها ومراقبة جودتها إلى غير ذلك من مظاهر الاستعداد والتعامل مع الشهر الفضيل, لكن بمنطق استهلاكي فقط؛ وكأن شهر القرآن والغفران قد أضحى موسماً للتسوق والاستهلاك بامتياز .
أما فيما يتعلق بالبُعد الثاني, الذي أصبح شهر رمضان أسيراً بينه وبين البعد الأول, فالكلام عنه يتمُّ بدون أدنى حرج؛ فإذا كان بُعد الاستهلاك الغذائي ذا علاقة بإشباع متعة المأكل والمشرب, فإن البعد الثاني (أي برامج الإعلام) لا يقلُّ أهمية عن البعد الأول في تحقيق أكبر قدر من متعة الترفيه والتسلية فضلا عن العبث وإضاعة الوقت, إلى درجة افتقاد شهر رمضان لـنكهة الإسلام؛ فانقلبَ من شهر للخير والبركات إلى "مهرجان سينيمائي سنوي" يتم فيه استعراض كل الأفلام وبرامج الفكاهة والتفاهة التي تصل في بعض الأحيان إلى حد السَّفاهة, هذه البرامج التي جرى الإعداد لها خارج رمضان لإلهاء الناس وشَغـلهم أثناء رمضان !!!
ويبدو من خلال هذا الاستعراض الوجيز لأحوال المسلمين مع رمضان, كيف أنَّ هذا الشهر الذي من المفروض أن يكون موسماً سنوياً لمختلف أوجه البر والإحسان والتقرب إلى الله والمبادرة إلى التوبة وما شِئتَ من المصطلحات, قد تحول إلى عائق من عوائق الرجوع إلى دين الله والتمسك به, مما يَحُولُ دون فهم أحكامه بالشكل الصحيح الذي يضمنُ للأمة الإسلامية صَحْوَتها من السُّبات العميق, وبالتالي فقد انقلب شهر رمضان بصيغته الحالية إلى عائق من عوائق النهضة المنشودة, إذ أصبح مجالا يعكسُ كثيراً من مظاهر التخلف الحضاري, بل إن الأمر تجاوزه إلى كشف تناقضات الواقع الحالي؛ فجماهير الإسلام وشعوب الأمة لم تعُد تجد في الإعلام وبرامجه القدوة الحسنة والمثال النموذجي الذي يُحتذى به, كما افتقدت فيه إلى دور البوصلة وتقديم النصيحة للأمة الذي كان من المفروض أن يقوم الإعلام به داخل المجتمع الإسلامي.
في الختام, لا يفوتُنا التنبيه والتأكيد على حقيقة الصيام وجوهره, بالإضافة إلى غاياته ومقاصده؛ فهو عبادة نفسية وبدنية تهدفُ إلى بلوغ المؤمن درجة من التقوى والإحسان في كل تعاملاته, ناهيك عن تدريب النفس على الصبر ومجاهدة الأهواء, وإلى غير ذلك من المقاصد التي لا تخفى على أحد. وللوصول إلى تحقيق الغاية من شهر رمضان, وجب علينا أن نغتنمَ هذه النفحات الربانية بالتوبة إلى الله والتقرب إليه والتزود ما أمكن لدار الآخـرة؛ فشهر الصيام مُطهِّرٌ لصدأ القلوب ووعدٌ بالمغفرة من غافر الخطايا والذنوب, مصداقاً لقول رسول الله عليه الصلاة والسلام : " من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُـفـر له ما تقدم من ذنبه ".(متفق عليه).








