للبيضاويين والملك حكايات عشق طويلة، فالكازويون الذين يخبرون بمجرد انتشار رجال الشرطة على قناطر المدينة، واختفاء الباعة المتجولين وتحول المدينة الغول بسرعة إلى حاضرة نظيفة مرتبة ومنمقة، يخبرون أن المعلم في مدينتهم، تلقوا خبر الاحتفاء وإجراء مراسيمه بكازا، بفرح كبير.
في الدارالبيضاء لا تقتصر تحركات الملك الميدانية على أحياء بعينها، فتدشينه قبل ايام لمشاريع تضامنية بمنطقة سباتة وابن امسيك ومرروره بشارع الشجر، خلف أصداء طيبة لدى سكان هذه الأحياء الشعبية، وخلق نوعا من الحكايات حول زياراته لمنطقتهم يوم الأربعاء الأخير، منهم من قال إن الملك كسر البروتوكول، وخرج عن المسار الذي كان من المقرر أ، يمر به، وفضل اكتشاف أحياء داخلية عندما فضل المرور بالقرب من سينما العثمانية، القريبة من بعض البراريك الرافضة للزوال، والمشكلة لأخر معاقل كاريان بنمسيك التاريخي.
أخرون بدأوا في نسل قصص غضب، وراهنوا على أن زيارة الملك لسباتة ومولاي رئيد والتشارك، ستعصف برؤوس مسؤولين فاسدين، تنوعت الروايات والتحليلات، لكن الأكيد أن زيارات الملك لأحياء البيضاء تخلف ارتياحا كبيرا لدى الساكنة، وتنفس عن غيضهم من تقصير محتمل لمنتخبين أو مسؤولي الداخلية.
عيد العرش بنكهة كازاوية
يعلق البيضاويين بفخر على اختيار الملك الاحتفال بعيد العرش في مدينتهم، ويقولون إن المدينة بدون الملك تعيش دوما حالة فوضى، لكن وجوده فيه يجعلها حاضرة منظمة.
لم يكن سكان الدارالبيضاء يتوقعون أن يحتفل الملك بعيد تربعه على العرش في الذكرى 14، خاصة وأنه ألف أن يبدأ أولى ايام رمضان في العاصمة الاقتصادية، وكانوا يتساءلون دوما عن سبب تأخره هذا العام في القدوم إلى كازابلانكا، غير أن إعلان الاحتفال بالبيضاء أنسى الجميع هذه الأسئلة.
الاحتفال بعيد العرش هذا العام يأتي في ختام زيارات ميدانية قام بها جلالة الملك للمنطقة الشرقية ومنطقة الريف وصولا إلى تطوان، وهي زيارات هدف من خلالها العاهل المغربي كعادته إطلاق مشاريع تنموية ومتابعة أخرى سبق له أن أعطى انطلاقتها في وقت سابق، لتكون البيضاء على موعد كبير هو الاحتفال بعيد تربع جلالته على العرش.
دلالات عيد العرش في حاضرة اقتصادية
يأتي الاحتفال بالذكرى الرابعة عشر لاعتلاء جلالة الملك العرش، كدلالة رمزية كبرى تتجسد في تجديد البيعة بين العرش والشعب، وفي الاستمرارية التاريخية للنظام الملكي، وفي الترابط بين القمة والقاعدة لبناء مغرب قوي متشبث بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان منخرط في قيم التقدم والحداثة، خاصة في ظرفية صعبة يمر بها العالم العربي، وفي توقيت تظهر فيه الخاصية المغربية نجاعتها مرة أخرى، ليبرز من جديد أن النظام الملكي المغربي الضارب في عمق التاريخ، يبقى أفضل صمام أمام لتلاحم الشعب.
وتحل هذه الذكرى في مرحلة جديدة تتسم بتواصل الإنجازات التي تحققت، منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش قبل أربع عشرة سنة، وفي مقدمة ذلك ترسيخ تلاحم المجتمع المغربي بتحقيق مصالحة المغاربة مع ذاتهم ومع تاريخهم عبر العمل الذي قامت به هيئة الإنصاف والمصالحة، ورد الاعتبار للغة الأمازيغية كمكون من مكونات الهوية المغربية، وتوسيع فضاء الحريات وحقوق الإنسان، من خلال مدونة الأسرة التي خولت للمرأة وضعا يحفظ لها كرامتها وينصفها ويمكنها من سبل المشاركة في الحياة العامة.
ميزة عيد العرش لهذه السنة، تكمن في كون انخرط المغرب في تأكيد الخيارات الأساسية التي كرسها الدستور الجديد للمملكة والذي تم إقراره في عام 2011، وما فتحه من آفاق المشاركة الفعالة أمام الشعب لترسيخ النموذج المغربي المتميز في توطيد صرح الدولة المغربية العصرية، المتشبعة بقيم الوحدة والتقدم والإنصاف والتضامن الاجتماعي، الوفية لهويتها العريقة.
الاقتصاد والتنمية والذكرى الرابعة عشر
لعل اختيار العاصمة الاقتصادية للمملكة هذه السنة لتكون مدينة يحتفل فيها الملك والشعب معا، بذكرى عيد العرش، يخفي دلالات كبيرة، أبرزها يتجلى أساسا في المرحلة الجديدة التي أطلقها الملك، من خلال انخراط المغرب في إصلاحات اقتصادية عميقة لتعزيز البنيات التحتية للمدن المغربية وتحسين تهيئتها وفك العزلة عن العالم القروي، من خلال تزويده بالتجهيزات اللازمة وتوفير المناخ الملائم لتحفيز الاستثمار، علاوة على نهج سياسة للتأهيل الاجتماعي، وتعزيز أوراش العمل الاجتماعي والتنموي بإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، منذ سنة 2005، لمحاربة الإقصاء والتهميش والفقر.
كما أن مدينة الدارالبيضاء مقبلة على تحول جذري في كل بنياتها التحتية، مدينة أنفا الجديدة والقطب المالي للبيضاء، ومارينا البيضاء، كلها مشاريع اقتصادية عملاقة تخول للبيضاء أن تصير متروبولا حضاريا متقدما ومنارة مالية واستثمارية في شمال إفريقيا، تنير الطريق للتوسع جنوبا، حتى تكون حقا بوابة المغرب واوروبا على إفريقيا




