الدروس الحسنية في المغرب… من عهد السلطان المولى اسماعيل.. الى عهد جلالة الملك محمد السادس ..ديبلوماسية دينية واشعاع حضاري مغربي.
بقلم- الدكتور..عياد جلول باحث وكاتب لبناني
في كل شهر رمضان من كل عام تنظم في المغرب مجالس دينية تسمى بالدروس الحسنية نسبة الى الملك المغفور له الحسن الثاني ; وهي دروس انتشر صيتها في جميع ارجاء العالم الاسلامي وطبعت هذه الدروس بطابع شهر رمضان في المغرب ; اذ انه اصبح لا يتصور ان يمر على المغرب شهر رمضان بدون ان تكون هناك دروس حسنية, هذه الدروس عرفت انتشارا كبيرا وإشعاعا دينيا تخطى حدود الدولة المغربية الى جميع اصقاع العالم الاسلامي وساهمت بدون شك في تخليد اسم الراحل الحسن الثاني. .
تاريخيا عرفت هذه الدروس مراحل من الاشعاع والخفوت وحظيت بعناية خاصة في عهد الدولة العلوية , حيث اقيمت في عهد السلطان المولى اسماعيل – وهو سلطانا مغربيا من سلالة العلويين 1672-1727 وفي عهده كانت الدولة العلوية في المغرب في ازهى ايامها وانتقلت عاصمة المغرب انذاك من مدينة مراكش الى مدينة مكناس – وكان هذا السلطان يكرم العلماء ويقوم بتعظيمهم من خلال مجالس علمية في رمضان تناقش فيها امور الدين والشريعة وعلم الحديث والفقه وعلوم التفسير وغيرها من العلوم الدينية وذلك لإعادة الاعتبار الى اصول الشريعة الاسلامية.
وانتقلت هذه العادة عبر سلاطين الدولة العلوية حتى وصلت الى عهد السلطان الحسن الاول1873-1894 وتألقت في عهده حيث كان يقيم الدروس الدينية خلال شهر رمضان في قصره وكان معروفا بحبه وتقدير وتكريمه للعلم و للعلماء والمعرفة .
وسار الملك محمد الخامس رحمه الله 1927-1961 على نفس خطى اسلافه فكان يحي في كل شهر رمضان الدروس العلمية الحديثة التي كانت تحضرها نخبة مهمة من العلماء في المغرب وكان يتم دراسة الفقه والشريعة كتب صحيح البخارى ومسلم ..وكانت هذه الدروس تعقد ايضا في مساجد وزوايا مدينة الرباط عاصمة المملكة المغربية حيث كان لها الاثر البارز والمهم في تحدي السياسة الاستعمارية التي كانت تنتهجها فرنسا في المغرب التي كانت تروم ضرب المقومات الدينية والوطنية والقومية للمغرب.
وحين تقلد العاهل المغربي الملك الحسن الثاني رحمه الله 1929-1999 مقاليد الحكم , ورث عن اجداده هذه السنة وقام بالمحافظة عليها وجدد في شكلها وتوجيهها وقام بإعادة التألق والإشعاع اليها وسماها الدروس الحسنية , وكان للراحل الحسن الثاني بصماته الواضحة على هذه الدروس جعلت منها تطبع بطابع شهر رمضان من كل عام في المغرب.. فبعد ان كانت الدعوة مقتصرة على العلماء والفقهاء من داخل المغرب لإلقاء الدروس الحسنية في الستينات من القرن الماضي امر الملك الراحل بتوسيع وعاء ضيوفها وأصبح لها اشعاع عربي ودولي بارز عندما بدا يستدعى لها نخبة من العلماء والفقهاء والمحدثين من مختلف الاصقاع الاسلامية المنتمين للقارات الخمس ..وفتحت الابواب امام جميع العلماء من مختلف المدارس والمشارب الفكرية الفقهية في العالم الاسلامي ليعتلون المنبر امام الملك في قصره او في احد مساجد المملكة يلقون الدروس المقررة.. وكان يحضر الى جانب الملك الامراء وأعضاء الحكومة يتقدمهم رئيس الحكومة ورئيسي مجلس النواب والمستشارين ورؤساء الفرق البرلمانية وأعضاء الدواوين الوزراء وكبار ضباط الجيش ومسئولي الدولة فضلا عن العديد من الشخصيات العلمية والثقافية التي عادة ما توجه لها الدعوة في هذه الدروس , الى جانب ذلك يحضر اعضاء السلك الدبلوماسي العربي والإسلامي في المغرب الدروس الحسنية يصغون لصاحب الدرس الذي يكون من الراسخين في العلم , والذي يختار موضوعه ويلقيه بكل حرية ودون أي حرج من اثارة النقاشات ومتمتعا بالحصانة من أي اعتراض او أي تعقيب من الحاضرين ..ومما يزيد من الامر شفافية ان هذه الدروس يتم نقلها على الاثير مباشرة عبر امواج الاذاعة وشاشات التلفزة المغربية دون تدخل مقص الرقيب .. وبالتالي تصبح الدروس الحسنية بمثابة ندوة اسلامية عالمية تشع منها الفيوضات الرحمانية والبركات والعطاء في شهر الصيام وتجمع شمل المسلمين وتقرب فيما بينهم ويعم خيرها الرباني على الجميع .
البعد العالمي للدروس الحسنية
تستقطب الدروس الحسنية الرمضانية كوكبة من انجم والمع العلماء المحدثين والمشايخ والدعاة والقراء وأصحاب الفكر من شتى انحاء العالم , فمن العلماء المغاربة الفطاحل الذين نوروا الافكار بعلمهم الغزير خلال القائهم هذه الدروس نذكر :
العلامة علال الفارسي ,ومحمد الازرق, الرحالي الفاروقي , ومحمد فاضل بن عاشور التونسي , وسيدي عبدا لله كنون , واحمد عبد الرحيم عبد البر المصري , وحسن الزهراوي , ومولاي عبد الواحد العلوي , والمكي الناصري , عبد الله الجيراري , والدكتور فاروق النبهان , والدكتور عبد الكبير العلوي المدغري , والدكتور فريد الانصاري , والعلامة الدكتور احمد التوفيق وغيرهم ...
ومن مشاهير العلماء من الدول العربية والإسلامية نذكر : الشيخ ابي الحسن الندوي والإمام المجدد ابو الاعلى المودودي من الهند , الدكتور عبد الصبور شاهين, والشيخ محمد سعيد طنطاوي , والشيخ متولي الشعراوي , والشيخ يوسف القرضاوي, وشيخ الازهر السابق جاد الحق علي جاد الحق , من مصر , والشهيد الشيخ صبحي الصالح , والإمام المغيب موسى الصدر من لبنان ,والشيخ محمد طه الصابونجي مفتي طرابلس في لبنان , والشيخ عبد الله بيه من موريتانيا , ,والعلامة المجاهد الشيخ عبد الفتاح ابو غدة , والشهيد الدكتور سعيد رمضان البوطي من سوريا , والدكتور عمر البشير رئيس السودان حاليا, والشيخ محمد الحبيب بلخوجة و مفتي تونس السابق والأمين العام لمجمع الفقه الاسلامي بجدة , والشيخ عبدا لله بن عبد المحسن التركي من السعودية , وغير هم من العلماء حيث ان اللائحة طويلة جدا ويعدون بالعشرات بل بالمئات ….
والجدير بالذكر ان الملك الراحل الحسن الثاني كان عمد بنفسه الى القاء بعض الدروس الرمضانية حول الاسلام والأديان السماوية الاخرى وعن انبيائها ورسلها وأيضا كان مجتهدا في علوم التفسير مبرهنا على قدرته الفائقة في طرق ابواب الاجتهاد وفي مجاراة جهابذة العلماء والفقهاء في الفكر الاسلامي اذ انه رحمه الله كان يتمتع بشخصية علمية دينية ودنيوية قل نظيرها بين زعماء العالمين العربي والإسلامي .
وكان يحضر الدروس ايضا علماء كبار من الهند وأميركا وروسيا والصين وأوروبا وإفريقيا تعطي بعدا عالميا وإشعاعا دينيا كبيرا لهذه الدروس وتجعل لها مكانة متميزة , وفي هذا الصدد نذكر ان رئيس جمهورية المالديف مأمون عبد القيوم الذي حرص ان ينضم بنفسه الى كوكبة العلماء الذين كان لهم شرف القاء الدروس الحسنية حول موضوع _ الاجتهاد وضرورته الملحة لمعالجة القضايا المعاصرة كان ذلك في العام 1993.
هذه الاسماء التي كانت تحضر الدروس الرمضانية الحسنية وتأتي من جميع انحاء القارات ومن جميع الجنسيات وتعتنق مختلف المذاهب والفرق الاسلامية جعلت من هذه الدروس اكبر مدرسة في العالم الاسلامي تتيح لهؤلاء العلماء ان يجتمعوا في مودة وصفاء ويتعارفوا ويتبادلوا الاراء للإسهام في لملمة الصف الاسلامي المترهل الذي يعاني من الفرقة والشقاق والتعصب الطائفي والمذهبي .
كما يحضر هذه الدروس ممثلي العديد من الاقليات الاسلامية في العالم الاسلامي ورموزها في مختلف القارات , فتكون مناسبة للتعرف
على اوضاعهم وأحوالهم وهمومهم والتعرف على احتياجاتهم والظروف التي يمارسون فيها شعائرهم واعطائهم الفرصة للتعبير عن متطلباتهم فيما يعرف بفقه الاقليات. .
ومن اجل اعطاء هذه الدروس الاشعاع العالمي المطلوب تقوم وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية المغربية بترجمة هذه الدروس الى اللغات العالمية الثلاث الانجليزية والفرنسية والاسبانية ونشرها في كتب وأقراص مدمجة وتوزيعها لاغناء المكتبة الاسلامية والغربية في العالم بمادة علمية رصينة تعود بالنفع على المطلعين والباحثين في امور الدين الاسلامي الحنيف .
الدروس الحسنية في عهد جلالة الملك محمد السادس
عندما اعتلى جلالة الملك محمد السادس العرش اثر وفاة والده الملك الحسن الثاني عام 1999 تشبث الملك بسنة اجداده وعمل على المحافظة على الدروس الحسنية واستمراريتها وتطويرها وترك تسميتها كما هي وفاء لاسم والده الراحل الحسن الثاني , ولما لهذه الدروس من اهمية في اعطاء المغرب بعدا اخر في التميز بهويته الدينية للحفاظ على الاسلام الوسطي بدون ان يمنع ذلك من الانفتاح على امكانات وأفكار جديدة ,..
بل ان الملك محمد السادس اضاف اليها بصمته الخاصة حسب ما تقتضيه متطلبات العصر وهو انفتاحه لأول مرة على رموز الحركة الاسلامية بالمغرب من خلال دعوة الدكتور احمد الريسوني رئيس حركة التوحيد والإصلاح لإلقاء درس ديني بين يدي الملك الشاب . بالإضافة الى الانفتاح على رموز الجاليات الاسلامية المغربية بالخارج حيث اصبح يدعى الى هذه الدروس رؤساء الجاليات الاسلامية والجمعيات والمراكز الثقافية الاسلامية المغربية بالخارج .
وتقديرا واعترافا بدور المرأة المغربية وتعزيزا لمساهمتها الفاعلة في البناء الديمقراطي والتنموي اسوة بأخيها الرجل وهو ما يؤكد عليه جلالة الملك محمد السادس في جميع خطاباته على دفع المرأة في المشاركة في قاطرة التنمية البشرية تم إشراك العالمات المغربيات في إلقاء الدروس الحسنية وكان ذلك أهم تحول شهدته هذه ا لدروس منذ انطلاقها مع الملك الراحل الحسن الثاني. حيث عمل الملك محمد
السادس، في عام (2003)، باستضافة العالمة الدكتورة رجاء الناجي المكاوي، الأستاذة بكلية الحقوق جامعة محمد الخامس، لإلقاء درس بعنوان «النظام الأسري الإسلامي مقارنة بما عليه الوضع الأسري في المجتمعات الغربية»؛ وتعتبر العالمة الدكتورة رجاء الناجي أول امرأة تعتلي المنبر وتلقي درسا أمام قائد دولة في كل العالم العربي الممتد من المحيط إلى لخليج .
ومنذ ذلك الوقت، توالت الخطيبات والعالمات المغربيات على منابر الدروس الحسنية، حيث يجلس الملك بتواضع فوق الأرض وتعتلي المرأة المنبر وتقوم بإلقاء الدرس الديني اما الملك وكبار الفقهاء والعلماء وهذه الاستضافة للمرأة المغربية اعتبرت، بحق، منعطفا كبيرا واعترافا جميلا بالنسبة لقدرات المرأة المغربية على الإدلاء بمعارفهن في مجال الفقه والعلوم الشرعية سميا وان هذه الدروس تلقى أمام علماء أجلاء من المغرب والعالم الاسلامي كما اسلفنا ..وهكذا توالى إشراك العالمات المغربيات في القاء الدروس القيمة ، إذ ألقت، في رمضان الموالي عائشة الحجمي، وهي أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض(مراكش)،درسا بعنوان «الاجتهاد في المسألة النسائية»، ثم تلتها فريدة زمرد الأستاذة بدار الحديث الحسنية بإلقاء درس حول «المرأة في القرآنيين الطبيعة والوظيفة». واحتلت السعدية بلمير، وهي مستشارة بديوان وزيرالعدل، المرتبة الرابعة في سلم إلقاء الدروس الحسنية أمام الملك حيث ألقت درسا بعنوان: «حركة التقريب بين المذاهب : منطلقاتها وآفاقها المستقبلية».
وبعد ذلك استمع اهل العلم والفكر من المغرب وخارجه لعالمة شابة رئيسة المجلس الجهوي للحسابات بمدينة الرباط زينب العدوي لدرس قيم عالجت من خلاله نقطة مهمة وحساسة في الاقتصاد الإسلامي ألا وهي: «حماية المال العام في الإسلام». بينما ألقت بعدها سعيدة أملاح درسا بعنوان «عناية المغاربة بلغة القرآن الكريم».اضافة الى القاء ، الأستاذة عالية ماء العينين محافظة خزانة المعارف الجهوية بالدار البيضاء، التابعة لوزارة الثقافة، هذا الدرس الحسني. وتناولت فيه بالتحليل موضوع «مكانة الأم في الإسلام ودورها في نقل وترسيخ قيم المواطنة « وأيضا ، كانت سعاد رحائم، أستاذة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة وعضو مجلسها العلمي المحلي، هي المرأة السابعة التي تلقي درسا في حضرة الملك، حيث ألقت درسا بعنوان «أشراط الساعة في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. «
اذن هو الاستثناء المغربي الذي يفرض نفسه باستمرار, سنة حميدة انفردت بها المملكة المغربية و تميزت بها دون سائر بلاد المسلمين , انها دبلوماسية المغرب الدينية والتي هي محط اشادة من جميع الدول الاسلامية وغير الاسلامية في ضرب جذور التطرف والكراهية والإرهاب , تلك هي الدروس الحسنية الرمضانية التي يحتضنها المغرب منذ القدم حيث اصبحت مؤسسة قائمة بحد ذاتها وأضحت نقطة مضيئة للتواصل والتقارب وترسيخ لغة الجدل والحوار بين مختلف الوان الطيف الاسلامي ومحطة لعشرات بل مئات العلماء والفقهاء من مختلف ارض الله الواسعة يتدارسون خلالها شؤون وشجون الامة الاسلامية . وهي سنة تعيد ذكرى المجالس العلمية التي كانت تعقد ايام المسلمين الاولين بحضور الخلفاء والأمراء والملوك , تجمع العلماء وتكرمهم وتعلي من شانهم ,اليس العلماء هم ورثة الانبياء ويجب تبجيلهم والإشادة بهم والتعريف بهم حتى يكونوا نبراسا يتم السير على خطاهم ويتم الاقتداء بعلمهم والحرص على دورهم في تحصين الانحرافات الدينية . .
لقد اصبحت الدروس الحسنية مؤسسة اسلامية دستورية قائمة بحد ذاتها في المغرب ولدت من رحمها العيد من القرارات الهامة منها انشاء دار الحديث الحسنية وهو معهد ديني يعني بعلم الحديث , وأيضا صدور التوجيهات الملكية بالاهتمام باللغة العربية وختم القران الكريم خلال شهر رمضان المبارك كما انشا الملك محمد السادس اذاعة محمد السادس للقران الكريم تبث على مدى اربعة وعشرون ساعة .
ان الاهتمام الفائق بمسيرة الدروس الحسنية من قبل الملوك المغاربة على مر العصور يندرج تحت عنوان رئيسي الحرص المغربي على هوية المغرب الدينية وتبصير الناس بالمعاني السامية للإسلام الوسطي ومنهجه القويم الذي يعطي للعقل منزلته دون تطرف اوغلو وفرصة لتمتين الروابط والوشائج بين علماء المسلمين كافة .
خاص ديوان اصدقاء المغرب 25-07-2013







