أحمدو الشيخ محمد الحافظ النحوي*
قبل عقود من الزمن ومع السنوات الأولى لتولى صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه زمام الأمور في المملكة المغربية الشقيقية كان ظهور الدروس الحسنية في عام ألف وتسعمئة وثلاثة وستين كمنبر ديني وفقهي وثقافي جامع لكل مكونات العالم الإسلامي وقد اختار له الملك الراحل توقيتا مقدسا تؤوي فيه القلوب إلى بارئها وتضرع فيه الأيادي بالدعاء إلى ربها جلبا لمنفعة ودفعا لمكربة إنه شهر رمضان المبارك.
صارت الدروس الحسنية وفي غضون أعوام قليلة منبرا جامعا لكل جهابذة العالم الإسلامي من" جاكرتا إلى انواكشوط" ومن الهند إلى السند نظرا لما يميز هذه الدروس من انفتاح على الآخر ونقاش لكل المواضيع التي تهم العالم الإسلامي مع تركيز على القضايا العلمية والمذهبية والسعي الدؤوب لتوحيد علماء الأمة الإسلامية تحت مظلة الاعتدال والتسامح وإبراز الوجه الحقيقي للإسلام دين الرحمة والحكمة والموعظة الحسنة.
وقد لعبت موسوعية وعلم وثقافة وحنكة الملك الراحل الحسن الثاني في تطوير هذا المنبر والدفع به إلى العالمية نظرا لما يتمتع به الراحل من ميزات قيادية فريدة في كل لمجالات حتى المجال الديني الذي كان نابغة فيه
في عهد صاحب الجلالة أمير المؤمنين الملك محمد السادس الذي سار على نهج أبيه وقد تطورت هذه الدروس من حسن إلى أحسن ونظرا لما شهدته المملكة من نمو في شتى المجالات وما استطاعت أن تحققه من استقرار في ظل عالم عربي مضطرب فقد تميز الحقل الديني بتطور وانفتاح على الآخر ولعل المساجد التي تدشن بشكل دوري في شتى أنحاء المملكة وفي مختلف مناطق العالم دليل حي على العناية الكبيرة التي يوليها جلالته للحقل الديني وللحفاظ على هوية المغرب الإسلامية وما يمثله من رمزية تاريخية بوصفه حاضنة الدولة الأندلسية والمرابطون ثم الموحدون وختاما بالدولة العلوية التي جسدت على أرض الواقع المقتضيات السامية لإمارة المؤمنين في هذه الربوع.
تشكل الدروس الحسنية إحدى أهم ركائز السياسة الدينية للمملكة حيث أنها مناسبة لتفعيل الدبلوماسية الدينية بدعوة العلماء والمفكرين من شتى أصقاع العالم ويشرف على اختيار المشاركين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والتي كان لها الفضل الكبير في إحداث نهضة في هذه الدروس خصوصا في العقد الأخير.
ما يتميز به الوزير الحالي الدكتور أحمد التوفيق من تبحر في العلوم الشرعية ومن علاقات واسعة مع كل القيادات والرموز الدينية في العالم الإسلامي مكنه من أن يكون مهندس الدروس الحسنية وصانع نجاحاتها بامتياز كما أنه ساهم في نقلها من المستوى الإقليمي العربي الإسلامي إلى المستوى العالمي مطبقا بذلك التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.
تحت مظلة الدروس الحسنية الوارفة تلتقي جميع الثقافات وجميع الأجناس وجميع اللغات وحتى جميع المذاهب فرقتهم الفروع وجمعهم الأصل في منبر علمي أصيل يناقش هموم الأمة ومشاريعها المستقبلية بطريقة علمية وعقلانية توازن بين النقل والعقل وتمزج بين كل مدارس ومذاهب الإسلام المختلفة في الفروع والمتفقة على الأصول
امتد إشعاع الدروس الحسنية ليصل إلى كل بلاد الإسلام فقد حضره أبرز علماء الأمة في القرن العشرين من أمثال: شيخ الإسلام علامة القرن العشرين الشيخ إبراهيم انياس العلامة المجدد أبي الأعلى المودودي، والشيخ أبي الحسن الندوي من الهند، والإمام موسى الصدر من لبنان، والشيخ محمد متولي الشعراوي من مصر، والشيخ محمد سعيد رمضان البوطي من سوريا، والشيخ محمد الحبيب بلخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بجدة، والشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي الأمين العام لرباطة العالم الإسلامي، والمفكر الإسلامي الأستاذ برهام محمود جوب والدكتور عصام البشير من السودان،والدكتور طه جابر العلواني من أمريكا و الشيخ محمد الحافظ النحوي رئيس التجمع الثقافي الإسلامي والشيخ محمد سالم ولد عدود والشيخ عبد الله بن بية من موريتانيا والقائمة تطول
شهدت الدروس الحسنية قرارات تاريخية مهمة للأمة عموما وللملكة خصوصا ولعل من أبرزها : إنشاء دار الحديث , الأمر بختم القرآن شهريا في القنوات المغربية والإذاعات , إدخال مادة الفكر الإسلامي على مناهج التعليم في المغرب من أجل إحداث مناعة بين الطلاب وتقوية علاقتهم بدينهم الحنيف .
كما أن الدروس الحسنية ظلت وطيلة سنوات عديدة منبرا لتلاقي الفرقاء وجمع الأعداء في خضم الحرب الباردة حدثت حادثة فريدة حيث افتتح الحفل بآيات بينات من الذكر الحكيم من قارئ من الاتحاد السوفياتي وحاضر محاضر من أمريكا حينها قال الملك الراحل الحسن الثاني مقولته الشهيرة :
"قبل الختم أريد أن أشير إلى ظاهرة لم تكن في الحسبان ولم تكن من جملة مخططاتنا، ذلك أن موسم رمضان، شهر القرآن، شهر الوحي، أراد الله سبحانه وتعالى أن يجتمع هنا أشخاص من قارات مختلفة، ولغات مختلفة، وألوان مختلفة. وأراد الله أن نسمع في يوم واحد مقرئا محترما جيدا طيبا من الاتحاد السوفياتي، وأن ننصت إلى محاضر شاب غيور كله حماس من الولايات المتحدة. أظن أن هذا التواجد سيجعلنا نعطي للديانة الإسلامية وللدين الحنيف وسنة النبي صلى الله عليه وسلم تعريفا آخر، وهو أن نقول: إن الإسلام أصبح مدرسة سلوك سياسي؛ ولا أقول تعايش، لأن التعايش فيه شيء من الإرغام، وشيء من المضض. الإنسان يتعايش لأنه لا يمكنه أن يفعل شيئا آخر. أقول إن نص الإسلام مدرسة التعامل والتساكن السياسي. كثر الله من أمثالكم وكثر الله من هذه الفرص'' (الدروس الحسنية لعام 1409, ص:5).
لعل من مميزات الدروس الحسنية خصوصا في عهد الملك محمد السادس هو إقبال الأقليات المسلمة عليها وتمثيلها ونقاش فقه الأقليات وما تفرض عليهم الغربة من أحكام شرعية تختلف عن الأحكام في البلدان الإسلامية وقد دأبت الوزارة وبرعاية من صاحب الجلالة على افتتاح مراكز دينية لعل من أبرزها : مسجد الرحمان في ألمانيا , وجامع محمد السادس في ضواحي باريس واللذان افتتحهما رئيس ديوان وزير الأوقاف الأستاذ عبد اللطيف البكدوري الأشقري.
تمثل هذه المراكز منابر مهمة لنشر الدين الإسلامي في أوروبا حيث يدخل الآلاف سنويا الإسلام بفضل هذه المساجد والمراكز الدينية.
الدروس الحسنية مثال يحتذى في ترسيخ ثقافة الاعتدال ونشر تعاليم الإسلام السمحة وقد شكلت ولمدة عقود ميزة مغربية خالصة يحسدها عليه الكثير من الأشقاء وقد أصبحت منبرا عالميا يجسد الاستثناء المغربي في العالم العربي بجمعه بين الأصالة والمعاصرة وسيره على طريق التنمية المنشودة والعدالة المطلوبة .
*أحمدو الشيخ محمد الحافظ النحوي كاتب صحفي وناشط سياسي موريتاني مقيم في المغرب




