بقلم الكاتب والقاص ذ عبد الله البقالي
عائشة البوش هي فتاة غادرت الطفولة للتو. كانت إحدى تلميذاتي. و إن افترضت أنها قد غابت عن ذهني لبعض الوقت. فأنا الآن أستعيد ذلك الوجه الأسمر الخجول. و العينين اللامعتين ذكاء، عكس ملامح وجهها الهادئة.
أذكر أيضا أن عائشة دخلت أجواء العالم دون إثارة. عكس الاخرين الذين احدثوا الكثير من الصخب حتى قبل وصولهم. أستعيدها بوزرتها البيضاء الناصعة، و المتجاوبة بشكل جميل مع سحنتها ، و قبضتي شعرها المتدليتين جانبي رأسها.
لم تكن عائشة ابنة رجل سلطة أو أحد الأعيان لكي يهرول القائمون على شؤون المدرسة للقائها و الاحتفاء بها. غير أن أصداءها سرعان ما بدأت تتعالى. لما تمتعت به من فطنة و نباهة. و اذكر كيف تحدث عنها معلموها الاوائل و اشادوا بعزمها و اصرارها على الاكتشاف و اكتساب المعرفة. و لم يطل بي الامر كي اتعرف على محيط عائشة الخاص و العام. و هو امر يمكن اختصاره في كونها توفرت على عمق مكنها من كل ما كانت في حاجة اليه . حب. متابعة. و دعم بلا حدود.
لكن لبس هذا ما اثار انتباهي في عائشة. بل اقامتها في المكتية الصغيرة للمدرسة هي الاهم. إذ لم أتفقد تلك المكتية يوما و لم اجد عائشة قابعة في احدى زواياها. كانت تلقي تحية عابرة ثم تعاود الانغماس في عوالم المكتوب. كما اثارني الى جانب اطفال اخرين الحماس و التفاعل مع جل فقرات الانشطة الثقافية و الفنية التي كانت تقام في فضاء جمعوي.
عند هذا الحد توقفت معاينتي لعائشة و للكثير من التلاميذ يعد ان غادرتّ ّاولاد داودّ لكن على عكس الاخرين، فعلاقتي بعائشة لم تنقطع. و الحق انها هي من حرصت على استمرارها. خصوصا بعد ان اصدرت لاحقا أولى أعمالي الادبية. إذ توصلت من عائشة في اكثر من مناسبة برسائل. و كيف أنها في احدى المرات اعتبرتني قدوتها. و اذكر أن ذللك سرني كثيرا. و مع ذلك فقد علقت مازحا ّ يا لبؤسك ياعائشة..ا لقد اخترت نموذجا مفلسا ّ
لكن عائشة عادت للظهور مجددا. التقيتها في فضاءات جمعوية. و في رحاب الجامعة. كما التقيتها مرات في مسيرات 20 فبراير. كانت مختلفة. و كانت هي من تولت طرح الاسئلة . افهمتني أنها تجد في مسيرتي شئا غير مفهوم تتوخى أن أوضحه لها. و الحقيقة أنه كان لدي السؤال نفسه يخصها و يخص كل الجيل الذي مر بالمدرسة هناك. استفهام تضخم اكثر حين علمت باعتقالها. و جواب ادرك الان تفاصيله. عائشة النجيبة. عائشة التي علمتها الاسفار و كشف لها ضور البصيرة أن قانون الحياة و ذاكرتها تحفظ فقط اسماء من يقووا على تكسير غلاف بيضهم. و ان من يعيش لخدمة غرائزه، بستهلك بالسرعة نفسها التي تنطفئ فيها شعلة متعته.
عائشة الان حبيسة. هو غلاف آخر لن تتأخر كثبرا في تمزيقه لكي تطل علينا من جديد لعلها بذلك تدفع بنا كي نعي أننا مدعوين لكتابة تاريخنا بمداد من حياة.







