جمال الهاشمي
على إثر القرار الأممي "الأمريكي" القاضي بتوسيع صلاحيات لجنة المينورسو بالصحراء المغربية،انبرت الكثير من الفعاليات السياسية إضافة إلى العديد من المنابر الاعلامية و الفعاليات المدنية لتحبير الخطاب في الذود عن قضية المغرب الأولى، فاجتمعت على غير العادة كل الاحزاب المغربية لمناقشة هذا القرار المجحف، وما يمكن أن تساهم به مختلف الفعاليات لتقوية الموقف المغربي و جعل موقع الدبلوماسية المغربية أكثر ثباتا و صمودا في وجه هذا القرار ذو الآثار السلبية على وضع المغرب و تقدم قضية و حدته الترابية نحو الحل.
كل هذا أمر مستحسن و يبث فينا بعض الروح الوطنية التي بتنا مع توالي الازمات و فوضى الإصلاحات تبرد في دمائنا. و لا يتجادل مغربيان في أولوية هذه القضية و حساسيتها لجميع المغاربة لدرجة استرخاص الحياة في سبيلها، و المثل المغربي الأصيل عندنا يقول: " لواحد إيموت على اولادو أو على ابلادو" فهي بهذا قضية أولوية بلا ريب.
لكن إذا قلنا أنها اولوية، فهذا يعني أن هناك قضايا وطنية أخرى لا تقل أهمية عن قضيتنا الأولى و منها قضية التنمية الحقيقية "العالقة" و قضية إصلاح الادارة العمومية التي لازالت في مشاكلها غارقة…
فما لنا لا نرى أحزابنا، حتى التي في الأغلبية، تجتمع حول هذه القضايا ذات الاثار السلبية اليومية على المواطن، بكل جد و مسؤولية أكثر؟ ! و تجند كل طاقاها و فعالياتها من أجل إنجاح مسلسل التنمية بشكل فعال و الدفع بعجلة الإصلاحات بدل وضع العصا الغليظة في هذه العجلة المتعثرة أصلا، و ذلك بدلا من تكريس الحسابات السياسوية و" الديمقراطوية" الضيقة، و التي لن تدع مجالا للتنمية الحقيقية والجادة. و لا يجب أن ننسى أن هذه الديمقراطية التي بات الجميع يدعي وصلا بها، مجرد وسيلة كغيرها من الوسائل، و ليست هدفا في حد ذاته، و كثير من الديمقراطية، خاصة الصورية، يخنق شتائل الاصلاح كما تخنق كثرة الماء الزرع.
و لننظر بهذا الصدد إلى دول أتت بعدنا ووصلت قبلنا لتحقق التنمية في أبعادها الحقيقية و الواقعية، فماليزيا مثلا التي انطلقت في نهضتها في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، مبتدئة من ورش التعليم البالغ الأهمية، قد بلغت مصاف الدول المتقدمة بفضل العمل بجد انطلاقا من خصوصياتها محافظة على شرفها و دينها دون اللجوء إلى التقيد بأجندات المنظمات و المؤسسات الدولية الغير بريئة في مجملها، ومن جهة أخرى فقد قادها في مسارها التنموي السريع التقدم، رجل اسمه " مهاتير محمد" ولمدة 22سنة، و لكل دارس مبتدئ للعلوم السياسية و التجارب الديمقراطية الحديثة في الغرب أن يقول أن هذا الحاكم مستبد و متشبث بالكرسي متجاوزا كل ما تسمح به القوانين من ولايات انتخابية. ربما هذا صحيح في الديمقراطية الصورية التي لازلنا نتخبط فيها غلوائها، و لكن العبرة بالنتائج، فقد خلف ماهاتير محمد ماليزيا وهي مرتفعة الهامة ببرجيها العالميين و بصناعة و تكنولوجيات متقدمة، و بأعلى مستوى من التعليم، وقد آثر ترك المنصب وتسليم المشعل، فعادت ماليزيا تمتلك مصيرها حقا، بما حققته من مكانة عالمية وبما وصلت إليه من تقدير حقيقي لمواطنيها، ليس في بنود الدستور فقط بل في واقع الحال أيضا، بدخل جد محترم يصله معدله حوالي 10000 دولار للفرد، إضافة إلى مستوى راق في التعليم والرعاية الصحية، و استقلال شبه كامل عن إملاءات المؤسسات و المنظمات الدولية.
أما نحن، فإن تبعيتنا في كثير من الجوانب للمنتظم الدولي متعدد الأذرع و الذي لا يعرف شيئا غير الحفاظ على مصالحه، لن تترك لنا المجال الكافي للإستقلال الكامل بقرارنا. ولن يكون مجرد الاعتراف المغربي باستقلال الولايات المتحدة الامريكية في زمان مضى، بمثابة ورقة الضغط المغربية على الموقف الأمريكي كما يحلو للبعض تصويره، و كأن أمريكا كانت قد استقلت عن المغرب أو هو من منحها استقلالها، و حتى لو أن الأمر كان كذلك، فإن الامور و الموازين اليوم قد تغيرت تماما وأصبحت أمريكا سيدة العالم الاولى.
فما علينا إذن فعله هو استعادة مجد المغرب، الذي كان اعترافه ذات زمان له أهميته باستقلال الولايات المتحدة الأميركية، وذلك حين كان المغرب ذاك البلد القوي باقتصاده و دبلوماسيته القوية و المتوازنة في عهد سيدي محمد بن عبد الله، أما اليوم فعلينا تقوية موقفنا بشكل أفضل ومستمر بالتنمية الحقيقية منطلقين من هذا التلاحم المبارك بين العرش و الشعب حول هذه القضية الوطنية ذات الأولوية إلى جانب قضايانا المصيرية الأخرى بالطبع.






