تداعيات التحدّيات البيئية على الأمن العالمي

ajialpress12 مارس 2013
تداعيات التحدّيات البيئية على الأمن العالمي

في ظلّ المتغيّرات البيئية العالمية الناجمة عن أنشطة بشرية أو كوارث طبيعية، والتي تصدّرت قائمة إهتمامات المجتمع العالمي، وأضحت ضمن قضايا دولية مهمّة أخرى، كالديموقراطية، وحقوق الإنسان، ومكافحة الإرهاب، هنالك طروح مختلفة لخبراء البيئة حول الترابط بين التغيّر المناخي والنزاعات. منها ما يثير الشك والتساؤل عما إذا كانت النماذج التي طرحتها الهيئة الحكومية الدولية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقاريرها حول تغيَر المناخ وتداعياته المختلفة، تعكس واقع هذه المتغيَرات الحقيقي. وكذلك منها ما يؤكّد حقيقة الواقع البيئي الخطير في العالم، وأن استمرارية هذا التدهور البيئي سوف تؤدّي إلى تهديد الأمن والسلم الدوليين. ويشير بعض علماء البيئة إلى تداعيات الهجرة البيئية على الاستقرار. ويضيف هؤلاء الخبراء أن القضايا البيئية هي من أهم عوامل النزاعات والصراعات، وتحديدًا المتعلقة بالموارد الطبيعية التي تُعرف أيضًا بـالسلع والخدمات المتعلقة بالنظام الإيكولوجي، والطاقة والمياه، هذا بالإضافة إلى العوامل التي تتأثّر بالمتغيّرات البيئية كالنمو السكاني والمستوى المعيشي والتنمية المستدامة، التي تشكّل مصدرًا خطيرًا لعدم الاستقرار المحلي والإقليمي والدولي. وهناك أيضًا من يشير إلى مخاطر التحديات البيئية على العلاقات الدولية في مختلف المناطق في العالم وخصوصًا الشرق الأوسط. فالبيئة جزء لا يتجزأ من مفهوم السلام العالمي، وقد اتضح أن السلام والأمن يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالرفاهية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية واستقرار البيئة. كما أن ارتباط البيئة بالنزاع لا يكون مباشرًا بالضرورة. فهو غالبًا ما يعمل في موازاة ضغوط إجتماعية وسياسية واقتصادية أخرى. على الرغم من ذلك، تطرح عدة تساؤلات حول مدى تأثير التحدَيات البيئية في الأمن العالمي: ما هي حقيقة الربط بين التغيًرات المناخية والأمن والسلم الدوليين؟ هل هناك من صلة بين الهجرة البيئية والإضطرابات سواء على المستوى الوطني أم الاقليمي؟ هل يمكن أن تكون الصراعات والنزاعات والتوترات الدوليّة والإقليميّة والمحليّة الجديدة والمستمرة، هي نتاج الإفراط في استخراج موارد الطاقة غير المتجددة كالنفط، وندرة الموارد المائية؟ هل للعوامل البيئية كالتزايد السكاني، وتدني المستوى المعيشي للبشرية في الدول الفقيرة، وتضرّر النظام الإيكولوجي تداعيات خطيرة على الإستقرار العالمي؟

 لدراسة نتائج الدور الرئيس للتحديًات البيئية في انعدام التوازن البشري، وتداعياتها على الإستقرار العالمي، والتي تشكّل مصدرًا للتنافس القوي والخطير بين الدول من أجل الحصول على حاجات الإنسان الأساسية، وتحليل عناصرها للوقوف على المعطيات المتعلّقة بهذه النتائج، توخيًا للإيضاح.

 وبغية الإحاطة بالموضوع من جميع جوانبه، تقوم الدراسة على ثلاثة فصول:

 الفصل الأوّل: يتناول الهجرة البيئية والنزاعات حيث يتم التطرَق إلى الصلة بين الهجرة والإضطرابات في المناطق المستقبلة ووسائل معالجة مخاطر الهجرة.

 أما الفصل الثاني فيتناول الموارد الطبيعية والأمن العالمي حيث يتم التركيز في الصراع الدولي على مصادر الطاقة (النفط) في الشرق الأوسط، والتغيًر المناخي والصراعات حول الموارد المائية.

 بينما الفصل الثالث يتناول العوامل البيئية والاستقرار العالمي، حيث يتم التداول في التزايد السكاني، وتدني المستوى المعيشي والتنمية البشرية المستدامة للدول، وتضرّر النظام الإيكولوجي والتدهور البيئي.



أولاً: الهجرة البيئية والنزاعات

يؤدّي العامل المناخي دورًا رئيسًا في انعدام التوازن البشري. فالتصحّر، والفيضانات والنقص في المساحات المزروعة أو المسكونة، تساهم في زيادة الاختلال بالتوازن وتولّد المزيد من اللاجئين أو ما يسمى اللجوء المناخي. لذا، يشكّل التغيّر المناخي مصدرًا للتنافس القوي والخطير بين الدول من أجل الحصول على حاجات الإنسان الأساسية. ومن المتوقّع أيضًا أن تؤدّي هذه المتغيرات البيئية إلى مواجهات أو صدامات داخلية بين مختلف مكوّنات المجتمع الواحد، وخصوصًا بين الجماعات الإثنية أو القومية أو الدينية. كما يمكن أن تؤدي إلى نزاعات بين الدول(1). وبالتالي، إن الهجرة السكانية لأسباب بيئية هي كإحدى الصلات الأكثر وضوحًا بين التغيّر المناخي والنزاعات. هناك العديد من البحوث التجريبية ذات الصلة على الرغم من أن الاستنتاجات ما زالت مبدئية. على سبيل المثال، ما أشار إليه تقرير المراجعة الأخيرة للجنة الخزانة البريطانية إلى أنه بحلول منتصف القرن الحالي، سيتحوّل 200 مليون شخص إلى لاجئين مناخيين بسبب اضطرارهم إلى النزوح القسري الناتج من ارتفاع مستوى سطح البحر، الفيضانات وموجات الجفاف الحادة. وستؤدي الهجرة إلى النزاعات في الأقاليم المستقبلة إذا لم تُدر جيدًا. إلا أن دوافع الهجرة قد تؤثر في نسبة الميل إلى استخدام العنف. قد تؤول الهجرة الناتجة من العوامل البيئية مباشرةً إلى توترات إجتماعية وعنف في الأقاليم المستقبلة، لكنها من غير المحتمل أن تسبّب النزاع المنظم والمسلح والمدعوم من أطراف خارجية. والعكس صحيح، إن اللاجئين السياسيين من الأقاليم التي تعاني موجات عنف واضطراب شديدين، هم أكثر عرضة للانخراط في الأنشطة المسلحة، على الرغم من أن ذلك لا يُعدّ نتيجة حتمية. يمكن التغيّر المناخي أن يساهم في دفع الناس إلى الهجرة والنزوح من الأقاليم غير المأهولة، كما أن الحوادث البيئية الكارثية كالفيضانات والأعاصير تشكّل سببًا فوريًا للهجرة.

 أما التغيّرات المناخية البعيدة المدى، كالتصحّر، فتؤدي إلى تراجع في المعايير الحياتية، ما يجعل كلفة البقاء في تلك المناطق أعلى بكثير من كلفة الرحيل عنها. وتطرح الأبحاث حول التغيّر المناخي العالمي عدة آليات محتملة قد يُجبر الناس من خلالها على النزوح من مناطق سكنهم. فارتفاع مستوى مياه سطح البحر الناجم عن تقلّص حجم الطبقات الجليدية وذوبانها وتهديد المناطق الساحلية بالفيضانات، تجعل تلك المناطق عرضة لإخلائها من السكان. كما أن التصحر يجبر الناس على الانتقال من الأقاليم ذات الندرة المائية والإنتاجية.

 ولعل التغيّرات الأكثر حدة في عناصر الطقس والمناخ، هي الأقوى من حيث توليد أحداث مناخية دراماتيكية كالأعاصير، الزوابع والبرد القارس وما يحمله ذلك من بلبلة وفوضى للاستقرار السكاني. وسوف تؤدي كميات الأمطار المتساقطة وغير المتوقعة إلى موجات متفاوتة من الجفاف والفيضانات، ما يحوّل الكثير من المناطق إلى مساحات غير مأهولة معرّضة للفوضى وعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي. وقد تقود الضغوط البيئية إلى الهجرة على نحو غير مباشر. فندرة المياه والمنافسة عليها، قد تقود إلى نزاع بين الأقاليم في الدولة الواحدة ما يزيد نسبة النزوح عن تلك الأقاليم. وتفترض النماذج التظلمية من النزاع، أن بعض الناس سيلجأ إلى العنف في حال تدهور شروط معيشته مقارنة بغيره. على سبيل المثال، يتأثر الناس العاملون في الزراعة بنتيجة الفيضانات والجفاف أكثر من سكان المناطق الحضرية، ما سوف يؤدي إلى لامساواة في المداخيل داخل المجتمع الواحد فضلًا عن تعدّد أوجه الحرمان لدى الشرائح الفقيرة. بالإضافة إلى ذلك، إذا ما تركّز بعض المجموعات الإتنية في الأقاليم المعرضّة لتداعيات التغيّر المناخي، ستطالب تلك الأقليات بالتعويض أو بإصلاح الخلل المتفاقم على صعيد المساواة مع غيرها. فالتنوعات الإثنية لا تقود غالبًا إلى النزاعات إلا في حال اقترانها بلا مساواة داخلية(2). بالنتيجة، إن ندرة الموارد كالمياه والغابات والأراضي الخصبة قد تقود إلى نزاع «مالتوسي» بين السكان المتنافسين على الموارد المحدودة نفسها. في المقابل، هناك الكثير من الأدبيات في علم السياسة والاقتصاد لا تعطي تلك التظلمات الكثير من الوزن في نشوب النزاعات. إن التظلمات والتنافس على الموارد، بالإقتران مع الإفتقار إلى المؤسسات التمثيلية وآليات إعادة التوزيع الاقتصادية وقدرة الدولة الضعيفة على ردع العنف، تشكّل أبرز الدوافع لاحتمال نشوب النزاع.



 على سبيل المثال، على الرغم من معاناة بوتسوانا من العديد من المعطيات التي قد تشكّل حافزًا للجوء إلى العنف، كالإيدز والفقر والانقسامات الإثنية وموارد الماس، لم يندلع العنف بسبب نجاح المؤسسات الديمقراطية في توفير آليات بديلة لتسوية النزاعات. أما الأدلة الإحصائية المتوافرة فهي محدودة في ما يتعلّق بالصلة بين المشكلات البيئية والنزاعات في الحقب الماضية. ولكن نجد في الدراسة التي أعدّها الخبيران تانجا إلينجسون ووينش هوغ إشارة إيجابية إلى الصلة بين التدهور البيئي والعنف. وعلى الرغم من إشارة الباحثين إلى التأثير المحدود، فإنهما يريان أن التغيّر المناخي المستقبلي سيكون أبرز المؤشرات على اندلاع العنف. ومع ذلك فإن النزاعات البيئية قد تندلع مستقبلًا في حال فاقم التغيّر المناخي من رقعة النزاعات وغيّر من أساليبها وأسبابها. وقد رصد العديد من الدراسات الصلة بين النزاع والتغيّر في أنظمة تساقط الأمطار. على سبيل المثال، النزاعات الرعوية وارتفاع وتيرتها في فترات التدهور البيئي وفترات القحط واستنزاف الموارد في غرب أفريقيا وما آلت إليه في المزيد من التوترات. وإذا ما أدى التغيّر المناخي إلى اندلاع نزاع مسلح فالنتيجة الحتمية ستكون النزوح. وقد أكدت عدة بحوث إحصائية العلاقة القوية بين النزاع الأهلي ونزوح اللاجئين. نذكر على سبيل المثال النزاعات في موزامبيق، أفغانستان، فلسطين المحتلّة والعراق وما أدت اليه من نزوح ملايين اللاجئين، على الرغم من أن بعض تلك النزاعات لا يجد جذوره في المشكلات البيئية. وقد يشكّل التدفّق السكاني المفاجئ عبئًا ثقيلًا ومثيرًا للفوضى في الدول المستقبلة. إن حجم التجمعات اللاجئة مقارنة بالمجتمع المضيف قد يكون كبيرًا جدًا (1:3 الأردن للعام 2001، 1:11 في لبنان). تلك التدفقات البشرية النازحة تترك أثرها في شروط سوق العمل والتوازن الديمغرافي بين الجماعات الإثنية. لذلك إذا أدّت الضغوط البشرية إلى النزاع، من المحتمل جدًا أن تلك النزاعات بدورها ستقود إلى نزوح سكاني كبير(3).

 وأيضًا تشير تقارير المنظمات الدولية والإقليمية والمنظمات غير الحكومية الإنسانية، إلى أن الأشخاص غالبًا في البلدان الفقيرة الذين هم عرضة لظروف صحية واجتماعية سيئة كالبطالة، يكونون أكثر تأثرًا بمخاطر التغيّرات المناخية. وهذه التقلبات المناخية، يمكن أن تؤدي إلى تضاعف الهجرة بين البلدان وإلى تزايد حركة النزوح في الدول. ومن المتوقع العام 2020، وفق ما تشير الأمم المتحدة، أن يتخطّى عدد المهاجرين، بسبب دوافع بيئية، مئات الملايين. إن مخاطر الهجرة البيئية، دفعت البلدان التي تعاني أو تطالها هذه الظاهرة بسبب التغيّرات المناخية، أن تتخذ الإجراءات الوقائية المناسبة على الصعيد الوطني. كما طالبت هذه الدول، المجتمعين الإقليمي والعالمي بالاعتراف بظاهرة الهجرة البيئية التي يمكن أن تترجم بازدياد عدد الصراعات والنزاعات في مناطق النزوح، أو في البلدان التي ينزح إليها المهاجرون، أو على حدود هذه الدول المشتركة(4).



1- الصلة بين الهجرة والاضطرابات في المناطق المستقبلة

 يتضمن العديد من الدراسات الإشارة إلى أن الهجرة الداخلية والدولية قد تؤدي إلى التوترات في المناطق المستقبلة، ومع ذلك فإن بعض المهاجرين يضفي على تلك المناطق المضيفة مهاراتهم الاقتصادية وتنوّعًا حضاريًا مميزًا. إلا أن النزاعات تندلع انطلاقًا من تدفقات الهجرة الكبيرة والعشوائية.على سبيل المثال، تورطت قبائل تلال شيتاغونغ في نزاع مع الدولة في بنغلادش، على خلفية تدفق البنغال من السهول باعتبارهم تهديدًا لتلك القبائل. فالهجرة البنغالية إلى الإقليم الشمالي الشرقي أسهمت في توليد الاحتكاك الاجتماعي السلبي. تشكّل الهجرة المتزايدة وقود التوترات الاجتماعية في تلك الأقاليم، يضاف إلى ذلك أن بنغلادش تعد من الدول المهدّدة مستقبلًا بارتفاع مستوى سطح البحر والنزوح الجماعي من سواحلها.

 غالبًا ما استخدمت فكرة النزاع وتهديد الأمن البشري لتوصيف طيف متنوّع من القضايا، إلا أن العنف السياسي بين المهاجرين والسكان المحليين قد يتخذ أشكالًا متنوعة كالعنف البيئي اللامنظم، منها مثلًا الاعتداءات الشخصية، الاعتداء على الملكية، الجرائم وأعمال الشغب التي نادرًا ما تتحوّل إلى حملات منظّمة ومدعومة من أطراف محليين وخارجيين. وبالعكس، تتطلّب الحروب الأهلية وحالات التمرد غالبًا تنظيمًا طويل المدى وموارد حقيقية. وإن كانت كل أشكال العنف مثيرة للفوضى، إلا أن العصيان المنظّم له تداعيات أشد خطورة على الظروف الاقتصادية والاجتماعية، بسبب استمراريته فترة طويلة ووضعه قيودًا أكبر على موارد الدولة. وبينما تثير الهجرة إمكان حدوث ردات فعل عنيفة، هناك فرق في أساليب النزاع إذا ما نتج من الحروب الأهلية ومفهوم اللاجئين الكلاسيكي في حالة اللاجئين البيئيين. تبقى الاحتمالات ضئيلة حول تورّط المهاجرين الفارين من كوارث طبيعية كالفيضانات والأعاصير والتصحّر في العنف المنظم، وإن ساهموا في اندلاع موجات متقطّعة من العنف والشغب. إن الكثير من الضغوط البيئية الناجمة عن التغيّر المناخي ذات طبيعة تدرّجية، وستقود إلى حركات هجرة مؤكدة، وإن كانت صغيرة في حجمها حتى الآن. فالتصحّر وارتفاع مستوى مياه البحار، على سبيل المثال، عملية تتطوّر طوال عدة عقود بل قرون، ولا يحتمل أن تؤدي إلى نزوح واسع النطاق على المدى القصير. وتستطيع المناطق المستقبلة التكيّف مع الهجرة التدرّجية، حتى إن النزوح الضخم الناتج من الكوارث البيئية، لم يؤدّ إلى قتال حقيقي واسع النطاق. نذكر، مثلاً، أن الأعصار هيتش وكاترينا والتسونامي الآسيوي أدى كل منها إلى نزوح آلاف الأشخاص من دون أن يولّد حالات من العنف المنظّم في المناطق المستقبلة. كما يطرح اللجوء بمفهومه الكلاسيكي مجموعة مختلفة من التحديات. لكن في بعض الظروف، أنتج ظهور تجمّعات اللاجئين نزاعات مسلحة في الأماكن المضيفة(5). وعلى الرغم من الهدوء النسبي في الدول المضيفة للاجئين منذ العام 1950، فإن إحتمال نشوب نزاعات مسلحة قد تضاعف نتيجة وجود هؤلاء اللاجئين. إن للمهاجرين من مناطق النزاع دورًا مباشرًا في تحديد نتائج النزاع في موطنهم الأصلي، ولا سيما الأوضاع السابقة لتوزيع الموارد، كما أن الكثير من اللاجئين يفرّون من الاضطهاد الذي غالبًا ما يتعرّضون له في موطنهم. وبالتالي يطالب هؤلاء بإزالة النظام الحاكم أو بتنازلات سياسية مهمة.



إضافة إلى ذلك، وفي إبان فترة النزاعات الأهلية، تشجّع البيئة السياسية الناشطة اللاجئين على الانتقال من موطنهم إلى موطن آخر. على سبيل المثال، لاجئو التاميل في الهند، اللاجئون الأفغان في باكستان، اللاجئون الروانديون في الكونغو. ومع ذلك فقد حافظ هؤلاء على روابطهم بالفصائل المتنازعة في مواطنهم، وغالبًا ما قاموا بالتسلّح والتدريب لتوفير الدعم العسكري للفصائل المتناحرة عند الضرورة. وهكذا تتحوّل الأماكن المستقبلة إلى بؤر لاستيراد الأسلحة، البنى التنظيمية، الموارد المغذّية للعنف وإيديولوجياتها، حيث يستطيع اللاجئون تكوين شبكات ثورية إجتماعية تشكّل قناة لامتداد العنف المسلح إلى الأقاليم المضيفة. كما أن اللاجئين الفارين من مناطق النزاع يتورّطون، بين وقت وآخر، في شن الهجوم عبر الحدود ضد حكوماتهم، ما يستدعي الرد المضاد من قوى الدولة العسكرية، مشكلاً خطرًا أكيدًا على أمن السكان المحليين في المناطق المضيفة. على سبيل المثال، قام اللاجئون البيرميز في تايلاند واللاجئون من نيكاراغوا إلى هندوراس بشن هجمات ضد بلادهم، ما استدعى غزوات مقابلة عابرة للحدود من دولهم الأم. وغالبًا ما ينتج ذلك توترًا في العلاقات بين الدول المرسلة وتلك المستقبلة. الأولى متهمة بتصدير أعباء لاجئيها إلى دول الجوار، والثانية متهمة باحتضان اللاجئين ومخيماتهم العسكرية. وقد يقود القتال عبر الحدود بين تجمّع اللاجئين والدول المرسلة إلى توريط الدول المستقبلة في حروب ونزاعات، كما أن وجود مخيمات عسكرية للاجئين واضحة للعيان عند الحدود يبرّر للدول المرسلة القيام بهجوم واسع النطاق واجتياح أراضي الدولة المضيفة. نذكر في هذا الاطار، الاجتياح الإسرائيلي للبنان العام 1982 واحتلال جزء من الأراضي بغية حرمان منظمة التحرير الفلسطينية قواعدها الخارجية، تورط رواندا في الكونغو على خلفية قيام لاجئي الهوتو بتنظيم مجموعات معارضة داخل المخيمات(6).

 ولا شك في أن الهجرة القسرية وليدة النزاع الداخلي تساهم في امتداد النزاع إلى أقاليم الدول المجاورة. في المقابل، إن المهاجرين البيئيين غالبًا لا يملكون أجندة سياسية في بلادهم ولا يصوّرون أنفسهم كضحايا للاضطهاد السياسي أو الأُثني. في حال هجرة الناس بفعل تدهور الأوضاع الاقتصادية أو البيئية، نادرًا ما يهدّد هؤلاء الدول المضيفة باستيراد النزاع المنظّم. وبالتالي فإن أنماط الهجرة الحالية توجيهية في هذا السياق. هناك الآلاف من المهاجرين لدوافع إقتصادية يصلون إلى أوروبا وأميركا الشمالية، وعلى الرغم من حدوث بعض أعمال الشغب الإثنية، والهجمات العنصرية والجرائم، فإنها كانت حوادث محدودة النطاق وتفتقر إلى الطابع التنظيمي المخطط له. نذكر مثلاً أعمال الشغب في الغيتوهات الإثنية في فرنسا العام 2005 التي سلطت الضوء على إمكان اندلاع العنف ما بين الإثنيات المختلفة. في بعض المدن البريطانية، تطوّرت التوترات العنصرية إلى أعمال شغب واسعة النطاق في صيف العام 2001. كما أن الهجمات الإرهابية في تموز/يوليو 2005 على أنظمة النقل البريطانية أوجدت جوًا من المخاوف من اندلاع نزاعات داخلية يتورّط فيها المهاجرون المسلمون وأولادهم المولودون في بريطانيا.

 تلك الحوادث تؤكد أهمية اندماج المهاجرين إقتصاديًا وإجتماعيًا في الدول المضيفة. هناك نماذج أخرى من حالات الهجرة الاقتصادية التي ولدت بعض التوترات كحالة السعودية (المهاجرون الآسيويون الجنوبيون-الشرقيون)، أفريقيا الجنوبية (المهاجرون الأفارقة)، إندونيسيا وماليزيا (المهاجرون الصينيون) وكوستاريكا (مهاجرو نيكارغوا). لكن كل تلك التدفقات لم تؤدّ إلى عنفٍ حقيقي ومنظّم(7). وفي المقابل، يرى أستري سوركي أحد الباحثين البيئيين، أن احتمال توليد الهجرة البيئية نزاعات يتوقّف على دور الدولة في المجتمع المضيف، ولا سيما على صعيد تفعيل الاندماج والتعاون مع المهاجرين، ما يقلّل فرص الاحتكاك والتوتر الاجتماعي. ويضيف أن الصلة بين التغيّر المناخي والهجرة والنزاع تبقى حدسية، وبسبب صعوبة عزل دوافع عملية الهجرة، ليس واضحًا ما إذا كانت بعض التحركات السكانية قد نتج من ضغوط بيئية وليدة تغيّر مناخي ما. من جهة أخرى يرى بعض علماء البيئة أن هناك العديد من الأدلة على الصلة بين النزوح والنزاع في الدول المرسلة والهجرة والنزاع في الدول المستقبلة. كما يلحظ بعض الخبراء نقصًا واضحًا في المعلومات المنهجية وغيابًا للإجماع حول آثار التغيّر المناخي في الهجرة وآثار الهجرة بدورها في توليد النزاعات. في ظل هذا الواقع، على السلطات المحلية والمجتمع الدولي إتخاذ التدابير والسيناريوهات المناسبة لمواجهة تأثيرات الهجرة في الاستقرار المحلي والإقليمي(8).



2- وسائل معالجة مخاطر الهجرة

يمكن مواجهة تحديات الهجرة على عدة مستويات، ويبقى نمط المواجهة مرتكزًا على القدرات المتوافرة لدى الدول. بإمكان البلدان الغنية القادرة على ضبط حدودها، السيطرة على عمليات النزوح أكثر من الدول ذات الموارد المحدودة. على سبيل المثال، شكّلت القدرة على ضبط عمليات الهجرة عبر البحر من أفريقيا إلى أوروبا محور الدراسة التي أعدّها بعض خبراء البيئة، والتي تشير إلى ممارسة الدول الأوروبية ضغوطًا دبلوماسية على الدول المرسلة للحد من تلك الظاهرة، ومباشرتها باستخدام الأقمار الصناعية، وطائرات المراقبة، والسفن البحرية والأسيجة الحدودية لمنع دخول اللاجئين إلى أراضيها، كما فعلت الولايات المتحدة الأميركية عند حدودها لضبط عمليات الهجرة من المكسيك والكاريبي. في حال تدفق المهاجرين بسبب التغيّر المناخي، تستطيع الدول الغنية أمام هذا السيناريو تبني سياسات فاعلة قاسية المعايير لمواجهة تدفّق المهاجرين. أما الدول ذات القدرات المحدودة على تنظيم التدفّق، فهي ستواجه عدة تحديات بمجرد استقرار مخيمات اللاجئين بأراضيها(9). في مواجهة تحدي الهجرة البيئية واحتمالات النزاع، يتجلى ثلاثة مستويات من الاستجابة: أولاً: تمس الهجرة مبدئيًا المستويات المحلية، وبالتالي فإن الحكومات المحلية هي المعنية بالدرجة الأولى بالاستجابة. وعلى الحكومة المحلية امتلاك التجهيزات اللازمة التي تؤهلها للتعامل مع تداعيات الهجرة الداخلية والدولية. هذه التجهيزات تتضمّن استجابات معيارية للنمو السكاني كتأمين التيار الكهربائي، وإمدادات المياه، والمأوى، والتدابير الصحية والخدمات العامة. كما أن المهاجرين يفرضون تحديات خاصة، إذ يترتب على مزودي الخدمات المحليين التعامل مع لغات وتقاليد جديدة. أما اللاجئون الهاربون من مناطق النزاع، فغالبًا ما يعانون ضررًا نفسيًا وجسديًا، وعلى مزوّدي خدمات الرعاية الصحية المحلية امتلاك القدرات اللازمة للتعامل مع تلك الحاجات.

 ثانيًا: يمكن تحسين مستوى القدرات الوطنية وتطويرها للتعامل مع الهجرة، من خلال قيام الحكومات بالعمل على تنسيق الاستجابات المحلية وتنظيمها بدلاً من تطبيق تنظيمات محلية نمطية عشوائيًا. فتتحمّل الوكالات الوطنية مسؤولية تحديد أي من المهاجرين يستحق الدخول إلى الدولة، تحديد مكان الاستقرار، أنواع الوظائف والخدمات التي يمكن المهاجرين الحصول عليها، سياسات المواطنة وغيرها… إن اعتماد سياسات حكيمة للهجرة والاندماج وحدها قادرة على كبح احتمالات نشوب النزاعات في الدول المضيفة.

 ثالثًا: دور الوكالات الدولية في الاستجابة، كالمفوضية العليا للأمم المتحدة للاجئين، ومنظمة الهجرة الدولية، التي تستطيع مساعدة السلطات الوطنية والمحلية على تطوير القدرات اللازمة للاستجابة لتحديات الهجرة حين تكون الموارد الوطنية غير كافية. كما أن الدول الغنية المانحة تستطيع أن تمد تلك الوكالات بالتمويل اللازم ماديًا وتقنيًا لمساعدة الدول النامية المفتقرة إلى قدرة التعامل مع الهجرة الواسعة النطاق. بالإضافة إلى العون الإنساني المباشر، فقد أثبتت تلك الوكالات فعاليتها في تطوير برامج التوظيف، تسهيلات الرعاية الصحية والتعليم للشباب. كما أن المفوضية العليا للاجئين غالبًا ما تتعامل مع الوكالات الوطنية المعنية بالنزوح الداخلي وتلك المعنية بضبط الحدود، لتحسين قدرات هؤلاء الفاعلين على تنظيم عمليات الدخول إلى أراضي الدولة(10).

 وقد طرح علماء البيئة بعض التوصيات المفترض اتباعها من قبل المجتمع الدولي وتركّز على ما ينبغي فعله لمنع اندلاع النزاعات بسبب الهجرة البيئية. ونظرًا إلى الطبيعة المتنوّعة لتداعيات سلبية متوقعة من سيناريوهات التغيّر المناخي، وبعضها يتسم بالكثير من الجدية والخطورة، يعتقد أن منظمة الأمم المتحدة هي المرشحة للاضطلاع بدور الفاعل الرئيس في هذا الإطار. وعلى الرغم من السيناريوهات الدراماتيكية الواردة في تقرير البنتاغون وتقرير المراجعة الأخيرة، فهي لا تحظى بإجماع عالمي على مضمونها، إلا أن إجماعًا علميًا بدأ بالظهور حاليًا بشأن حدوث تغيّر مناخي يؤدي بدوره إلى تغيير في أنماط الاستقرار السكًاني وأساليب الإنتاج الاقتصادي. هناك عدة إجراءات ينبغي الأخذ بها بغية التخفيف من مخاطر تدفق اللاجئين المرتبط بالنزاعات البيئية، وهي تتضمن توطين اللاجئين في أماكن بعيدة من مناطق النزاع ولا سيما الأقاليم الحدودية، منع اختراق الأسلحة والمقاتلين مخيمات اللاجئين، توفير بدائل هادفة للاجئ كتوفير فرص عمل إنتاجية وتعزيز قنوات الحوار مع المجتمعات المحلية لمحاكاة اهتمامات الدول المستقبلة الاقتصادية والاجتماعية. يضاف إلى ذلك، أن مساعدة الدول والوكالات المانحة، كمفوضية الأمم المتحدة العليا للاجئين، ستكون مهمة جدًا للدول النامية المفتقرة إلى القدرة على ضبط مخيمات اللاجئين على نحوٍ مناسب. وفي إطار التعامل مع المهاجرين البيئيين واللاجئين الكلاسيكيين، على الدول المضيفة تبنّي عدد من الإجراءات الإيجابية لمنع اندلاع النزاعات. وقد لوحظ أن الحالات التي سجلت إندلاعًا للعنف، عانت أساسًا نقص الوعي الثقافي وتفشي الحساسية بين المهاجرين والسكان المحليين، إضافة إلى وجود عدة عوائق حالت دون إندماج المهاجرين كليًا في المناطق المضيفة.



 أما الخطوات المطلوبة لمعالجة هذه المشكلات، فيرى بعض المحللين السياسيين أنها تتضمن منع التمييز العنصري ضد المهاجرين في سوق العمل، تأمين الوصول إلى الخدمات الحكومية والأنشطة الاجتماعية، مراجعة قوانين المواطنة بما يُكسب المهاجرين جنسية البلد المضيف ويسمح لهم بالمشاركة الفاعلة في الحياة السياسية، تعزيز ثقافة التسامح واحترام التنوع من خلال البرامج التربوية والثقافية والإعلامية العامة، تسهيل اكتساب اللغة والوعي المدني لدى التجمعات المهاجرة. بالتوازي مع ذلك، على الأمم المتحدة العمل على إيجاد إتفاقية دولية جديدة حول الهجرة تتضمن أنماط الهجرة الطارئة. إن النظام العالمي حول الهجرة يجب أن يتضمن معايير قانونية شاملة تتناول حقوق المهاجرين واللاجئين من مناطق النزاع والمهاجرين من المناطق البحرية المنكوبة والمهاجرين البيئيين(11). لا شك في أن اتفاقية الأمم المتحدة الحالية حول اللاجئين باتت شبه مهجورة، وتتطلّب إعادة تحديث الكثير من بنودها لمجاراة الواقع المعاصر من ناحية، ولإزالة ما شابها من غموض والتباس من ناحية ثانية، تجنبًا لتغييب العدالة عن تطبيقها ولا سيما ما يتعلّق بسياسات اللجوء السياسي.

 وبالنظر إلى تزايد ضغوط الهجرة الناجمة عن التغيّر المناخي، وفي ظل سياسات متناقضة وعرضية للعديد من الدول المضيفة، على الأمم المتحدة الاضطلاع بدورٍ قياديٍ في هذا الشأن. فالتغيّر المناخي سيشكّل مشكلة حقيقية في العقود المقبلة، حتى ولو انخفضت نسبة انبعاث غازات الدفيئة الآن، هناك درجة معيّنة من التغيّر السيئ باتت حتمية. كما أن الهجرة الدولية التي أصبحت مسألة سياسية ساخنة في عدة دول، مرشحة للتفاقم والاقتران بالأبعاد المناخية. ومع ذلك، يبقى الرهان على التكيّف البشري وحكمة التخطيط التكنولوجي للتخفيف من حدة النتائج المتوقعة. لذلك، يمكن القول أن الأولوية الحالية أمام الإنسانية، هي تطوير استجابات ملائمة للضغوط البيئية، والتهيئة للتحول في أنماط الاستيطان الإنساني بما يتطلب حوارًا فاعلاً في إطار منظمة الأمم المتحدة(12). ومع استمرار ارتفاع عدد سكان العالم ونمو الطلب على الموارد، هناك احتمال كبير أن تشتد النزاعات على الموارد الطبيعية في العقود المقبلة.



ثانيًا: الموارد الطبيعية والأمن العالمي

 أشار بعض الخبراء إلى أن تزايد النشاط الاقتصادي العالمي وحدوث تغيّرات شاملة في المناخ، سيؤديان إلى استنزاف موارد المواد الخام الطبيعية والمائية والحيوية في العالم. كما أبدوا قلقهم غلى نحوٍ خاص من أوضاع أدت فيها الموارد الطبيعية والبيئية دورًا في إثارة نزاع أو إذكائه. وفي هذا السياق، أشار تقرير برنامج الأمم المتحدة للببيئة «يونيب» في آذار/مارس 2009 بعنوان «من النزاع إلى بناء السلام: دور الموارد الطبيعية والبيئية»، إلى أن 18 نزاعًا عنيفًا على الأقل منذ 1990 أذكاها استغلال موارد طبيعية، وأن 40 % على الأقل من جميع النزاعات داخل الدول في السنوات الستين الأخيرة كان لها ارتباط بموارد طبيعية. وتشير النتائج الأولية لتحليل النزاعات الداخلية إلى أن احتمال تكرار النزاعات المرتبطة بموارد طبيعية في غضون السنوات الخمس الأولى من السلام هو أكبر بضعفين. واستنتج التقرير أن الطريقة التي تدار بها الموارد الطبيعية والبيئية لها تأثير حاسم في بناء السلام والاستقرار بعد النزاع(13). تتشكل الصراعات عادةً من عدة طبقات متداخلة، ومن الأسباب التي تراوح بين الإيديولوجية والسياسية، وصولاً إلى الأسباب الاقتصادية والتجارية. كما باتت الموارد الطبيعية، أو «سلع النظام البيئي وخدماته»، تعدّ أحد الدوافع الممكنة للنزاعات. وغالبًا ما يتمحور جدال الباحثين بشأن دور البيئة كعنصر مسهم في إثارة النزاعات العنيفة حول التنافس على الموارد، في ظل ندرتها وتدهور البيئة وتغيّرها على المدى الطويل. ومهما تكن النظرة إلى الموارد من حيث وفرتها أو ندرتها، فمن الأهمية التشديد على أن الصلة بين البيئة والنزاعات هي، في غالبيتها، غير مباشرة وتتداخل مع ضغوط إجتماعية وسياسية وإقتصادية أخرى. فندرة الموارد الضرورية تعدّ تقريبًا سبب التوتر الاجتماعي الدائم وربما نشوب صراعات. ولكن يدرك العلماء أيضًا أن وفرة الموارد المطلوبة عالية القيمة هي مصدر مهم محتمل للتوتر وعامل مثير للصراعات المسلحة، متضمنًا، على الأقل، الحروب الأهلية الثماني عشرة التي دارت على مدار العقدين الماضيين وكان وقودها الموارد الطبيعية(14).

 إن للعنة الموارد عدة أشكال، بما في ذلك استغلال الأرباح الناتجة من السلع عالية القيمة، مثل الأحجار الكريمة أو الأخشاب أو المخدرات، لدعم أعمال التمرّد والصراعات التي تنشأ نتيجة المشاركة غير العادلة الملموسة في عائدات الموارد الطبيعية. ويمكن أن تكون الموارد هي شرارة الأعمال العدائية الأولى أو مصدر تمويل لدعم الصراعات المستمرة أو حائلاً دون حل الصراعات، طالما ظلت قضايا ملكية الموارد من دون حل. وبدلاً من ذلك، يجب أن تكون الموارد الطبيعية التي تجري إدارتها جزءًا قيمًا لاستراتيجية تنمية الدولة المستدامة(15). في المقابل، على جميع البلدان المنتجة للبترول والغاز أن تعالج جميع المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية، للحد من زيادة أسباب عدم الاستقرار. يمكن هذا التطور، إذا لم تتم معالجته من قبل المجتمع الدولي، أن يؤدّي إلى عدم أمان وصعوبة الحصول أو التزود موارد الطاقة، كما أن المنافسة ستزداد لامتلاك الموارد في المناطق غير المستثمرة حتى الآن. كذلك، إن إمكان لجوء بعض الدول إلى الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء، يمكن أن تخلق مخاوف واضطرابات جديدة في إطار استخدام الطاقة النووية لأغراضٍ عسكرية. وما يحصل في إيران حاليًا في مسألة برنامجها النووي، خير دليل على قلق المجتمع الدولي وخصوصًا منظمة الأمم المتحدة، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، إسرائيل ودول الخليج، من امتلاك إيران القنبلة النووية. كل هذه الأسباب تتراكم وتشكّل عوامل عدم استقرار في النظام العالمي، كما أنها تهدّد الأمن والسلم الدوليين.

 ومنذ منتصف القرن العشرين بدأ تزايد النزاعات والحروب الكبرى في العالم وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط يؤثر سلبًا في سلامة البيئة في المنطقة. والعلاقة بين البيئة والنزاعات مزدوجة: فهي، أولاً، علاقة سببية كما أنها علاقة من حيث الضرر الذي يلحق بالبيئة. أما أبرز الدوافع البيئية إلى نشوب النزاعات والحروب في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط، فهي مصادر الطاقة في حال نضوبها أو الإفراط في استخراجها وخصوصًا النفط، وندرة المياه(16).



1ـ الصراع الدولي على مصادر الطاقة (النفط) في الشرق الأوسط

 يُتوقع في القرن الحادي والعشرين، أن يرتبط أحد أبرز أسباب النزاعات الرئيسة بين الدول بتعاظم المنافسة الشديدة على موارد الطاقة المتوقّع تضاؤلها بسبب الإفراط في استخدامها. فالكمية الكبيرة من مخزون الطاقة العالمية توجد في مناطق متأثّرة بالتغيّرات المناخية، وكيفية ضبط هذه الموارد ومراقبتها، سيزيد من حدّة الصراعات بين البلدان، ما يشكل عاملاً إضافيًا لعدم الاستقرار. ويُعدّ النفط المورد الطبيعي الأول والأثمن في الحضارة العصرية. ويضم العالم العربي، بفعل الجغرافيا، نصف احتياطي النفط العالمي المثبت وجوده على الأقل. فقد ثبت في بعض البلدان أن الثروة النفطية تشكّل عائقًا. فمن شأن الثروة االتي تدرها عائدات النفط أن تقوّض الحكم الرشيد من خلال إثارة الفساد والمجازفات والنزاعات العنيفة. إلى جانب خطر النزاع العنيف، يقوّض الحكم السيئ في بعض الدول المنتجة للنفط الإدارة المستدامة للبيئة، وبالتالي فإن العمليات النفطية الكبيرة عرضة لترك وقع بيئي سلبي في حال لم توضع لها قيود. مثال على ذلك السودان، إذ على الرغم من إلزامية إجراء تقييم للأثر البيئي بموجب القوانين السودانية، فإن هذا التقييم لا يجري عمليًا. لذلك فإن إخفاق صناعة النفط في دمج الاعتبارات البيئية في مشاريعها وأثر المياه المنتجة غير المعالجة في المراعي بصورة أساسية، أثارا استياء المجتمعات المحلية، ولا سيما سكان جنوب السودان غير العرب. وقد أدى سوء الأداء البيئي لصناعة النفط، مقرونًا بتزايد الخلافات حول تشاطر العائدات، إلى تفاقم الصراع حول النفط في السودان.

 «ولا بد من الإشارة أيضًا إلى أن غياب حسن الإدارة البيئية أو عدم ملاءمتها يمكن أيضًا أن يكون مصدرًا كامنًا للنزاع على مشاريع أخرى خاصة بالبنى التحتية. وفي هذا الإطار، شكلت عملية بناء سد مروي الضخم وغيره من السدود المخطّط لها في شمال السودان مصدرًا للتوتر الذي تحوّل في أكثر من مناسبة إلى مواجهات عنيفة. في الوقت عينه، وضع التنافس الدولي على موارد النفط العالم العربي على مفترق نزاع عالمي حول الموارد.

 ويمكن القول أنه من الدوافع وراء حرب الخليج الأخيرة العام 2003، هو جزئيًا الرغبة في ضمان تدفق النفط في المنطقة. كما تدور الشكوك حول كون الصراع الدولي على دارفور يعود إلى حدٍّ ما إلى التنافس على مصادر الطاقة. وعلى الصعيد الوطني، فإن التنافس على عائدات النفط يغذي النزاع ويطيله. في السودان، إن التنافس بين الشمال والجنوب على امتلاك احتياط النفط كان قوة دافعة عزّزت الصراع. كما أن النزاع حول تقاسم الثروة النفطية ساهم في تفاقم العنف الطائفي في العراق»(17). وأشار بعض الخبراء الاستراتيجيين إلى أن سياسة الولايات المتحدة الأميركية قد أصبحت، بعد إقرار مبدأ الحرب الاستباقية، كإحدى دعائم الاستراتيجية الأميركية للقرن الحادي والعشرين، وشملت أيضًا العمل على توسيع الوجود العسكري الأميركي في العالم الذي بلغ نصف مليون جندي. ثم الإعلان أخيرًا عن مشروع فرض الوصاية على منظمة «أوبك» من خلال إقرار الكونغرس الأميركي القانون المعروف اختصارًا بإسم «النوبك الأميركي» الذي يهدف إلى التحكّم في النفط العالمي. وتزداد هذه المخاطر بدخول فاعلين دوليين جدد الصين والهند إلى جانب الاتحاد الأوروبي وروسيا ساحة التنافس على النفط العالمي، وخصوصًا العربي والخليجي منه، وهو ما أدى إلى تزايد الطلب على النفط بصورة كبيرة.

 وتشير تقارير الوكالة الدولية للطاقة إلى أنه العامين 2004 و2005 وصلت الحاجة العالمية للنفط إلى حوالى 82 مليون برميل. وسترتفع العام 2010 إلى 90 مليون برميل، ثم إلى 120 مليون برميل العام 2030 تذهب معظمها إلى البلدان الرأسمالية. وفي وضع يشهد ضعفًا في إمكانات الإنتاج، ونضوب النفط في الكثير من مناطق إنتاجه حول العالم، باستثناء منطقة الشرق الأوسط التي تُعدّ الخزان القابل للزيادة، إذ تفيد التقديرات أنه يوجد في الخليج حوالى 84 % من الاحتياطات النفطية المؤكدة، تتركّز المخاطر التي تهدّد أمن الطاقة في منطقة الشرق الأوسط. وهو ما يؤثر سلبًا في اقتصاديات الدول المتطورة أسيرة التطورات التي تشهدها أسواق النفط، ما يدفع إلى التساؤل عن آليات تأمين النفط في المنطقة. ولا بد من التعرّف إلى هذه المخاطر التي تهدّد العالم. ومن المحتمل في قارة أميركا أن تشتعل الصراعات نتيجة ارتفاع أسعار النفط بسبب الوضع السياسي غير المستقرّ في منطقة الدائرة النفطية ما بين بحر قزوين ومنطقة الخليج. إضافة إلى احتمال تفاقم أزمة النفط إذا ما تصاعدت حدة النزاع بين دول الاتحاد الأوروبي والدول المصدّرة للنفط (أوبك) بسبب إصرار أوروبا على دفع دول منظمة «أوبك» تعويضات نتيجة الخسائر الناجمة عن احتراق النفط(18). وتتعدّد المخاطر التي تهدّد النفط العربي ما بين مخاطر داخلية نابعة من التطورات داخل دول العالم العربي، ومخاطر خارجية نابعة من الصراع الدولي على امتلاك مصادر الطاقة التي تتركّز في هذه المنطقة، وهناك نوع ثالث من المخاطر ناتج من قرب نضوب النفط.



أ- المخاطر الداخلية لأمن الطاقة العربي

 أشار بعض خبراء الإقتصاد إلى أنه من المتوقّع أن يتفاقم النمو المتزايد في استهلاك الطاقة في الدول العربية في إبان العقود الأولى من القرن الحالي. ويمثل النفط والغاز الطبيعي 97 % من استهلاك الطاقة في الدول العربية. وقد أدى تزايد معدلات النمو السكاني، بنسبة 4,2 % سنويًا طوال الأعوام العشرين الماضية (1985-2005) واقترانها بزيادة في الدخل القومي بلغت في الفترة نفسها 2,4 %، إلى ارتفاع متوسط استهلاك الفرد من النفط من 3,7 براميل العام 1985 إلى 9,8 برميل العام 2000، ثم إلى 8,9 براميل نفط العام 2005، أي بمعدل نمو سنوي بلغ 3,1 %. ويتوقع ارتفاع متوسط استهلاك الفرد من الطاقة في الدول العربية ليصل إلى 8,12 برميلاً العام 2020، أي بزيادة سنوية قدرها 1,2 %. وبالنسبة إلى الغاز فقد تزايدت معدلات استهلاكه هو الآخر، إذ زاد الاستهلاك أكثر من ضعفين في الفترة 1985 – 2005 وبزيادة سنوية بلغت 7,5 % . ومن المتوقع أن يصل الطلب على الغاز الطبيعي في الدول العربية إلى 4,6 ملايين برميل العام 2020 مقارنة بـ 3,3 ملايين العام 2005، أي بزيادة تبلغ نسبتها 4,4 % سنويًا. وإذا ما أخذنا في الاعتبار التوقعات والمؤشرات عن اقتراب موعد نضوب النفط في المنطقة العربية، فإن الأمر سيكون أكثر سوءًا في المستقبل، وهو ما يتطلّب ضرورة السعي لتقنين الاستهلاك والبحث عن مصادر طاقة بديلة(19).



ب- المخاطر الخارجية في المنطقة

تتمثل المخاطر الخارجية في الصراع الدولي على السيطرة على مصادر الطاقة في منطقة الشرق الأوسط، وتتجلى مؤشرات هذا الصراع في القانون «النوبك» الأميركي(20)، التنافس الدولي على نفط المنطقة والصراع الغربي الإيراني وتأثيره في تدفقات النفط.



ج- مخاطر طبيعية 

يتعلّق النوع الثالث من المخاطر بطبيعة النفط ذاته كمادة قابلة للنضوب وغير متجددة. وتشير التوقعات إلى أن عصر النفط، الذي يشكّل أكثر من ثلث الطاقة المستخدمة في العالم، قد أوشك على الأفول في غضون أقل من نصف قرن بعدما أحرق العالم تريليون برميل من إجمالي تريليوني برميل. وتتأكد هذه التوقعات في ظل عجز الجهود الدولية عن اكتشاف مزيد من الحقول الجديدة أو وقف الإفراط المتصاعد في استهلاكه. وفق معطيات التقرير الثاني للأمين العام لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول «أوبك» للعام 2005/2006، فإن العالم يمتلك مصادر بترولية مؤكدة لا تزيد عن 1266 مليار برميل نفط، وإن الاحتياطي العالمي القابل للاستخراج من النفط يقع في حدود 1131.6 مليار برميل العام 2005 يمتلك العرب منه نظريًا 667.4 مليار برميل. كما أنه، وفق التقرير، فإن احتياطي الغاز الطبيعي يبلغ حوالى 181.8 تريليون متر مكعب، يوجد منها 29.3 % في الأراضي العربية. وإذا أخذنا في الاعتبار أن معدل إجمالي الإمدادات النفطية العالمية قد بلغ عند نهاية العام 2005 هو84.3 مليون برميل يوميًا، ساهمت دول أوبك بحوالى 34.1 مليون برميل منها، فإن هناك حاجة ملحة لتأمين مصادر الطاقة العربية، وخصوصًا في ظل المخاطر التي تتهددها. وفي هذا الإطار، لا بد من تنشيط الآليات العربية لتحقيق هذه الحماية ولا سيما (منظمة أوبك) من خلال وضع سياسات مشتركة لتنمية عملية التصنيع العربي للنفط والغاز الطبيعي، لتعزيز الموقف التفاوضي العربي في سوق النفط والغاز الدولية، ومواجهة الضغوط الأميركية والأوروبية لسياسة التسعير المزدوج للغاز الطبيعي أو نظم الضرائب المفروضة على واردات النفط والغاز لأوروبا وأميركا.

 كذلك يجب العمل على تعزيز التعاون العربي مع الدول المنتجة في المناطق الأخرى من العالم كبحر قزوين، والسعي لإقامة شراكة عربية روسية في مجال النفط