محمد أديب الشاعر
في العام الثامن والعشرين بعد الميلاد، تزوجت أجريبينا الصغرى، وبعد اثني عشر عاما بالتمام والحزن، وارت زوجها التراب وعادت إلى بيت بؤسها وفي يدها طفل، لتغادره بعد عام واحد بفضيحة إلى المنفى بعد أن سرت شائعة لم يستدل الرواة على مدى دقتها بأنها كانت تمارس زنا المحارم مع أخيها الإمبراطور كاليجولا. وبعد ثمانية أعوام، استطاعت المرأة الحديدية أن تقنع الملك كلوديوس بالزواج منها وتبني طفل الشؤم نيرو. وبعد أن استقر جسدها على كرسي العرش، خططت للتخلص من شريك الفراش بشربة سم قاتلة ليخلو الجو لكنغرها الصغير ليتبوأ مقعدا يسعهما معا. كانت المرأة تعرف أن زيجتها بالكرسي غير كاثوليكية، وأن فرخ وقواقها سرعان ما سينبت ريشه وأنه لن يقبل بها شريكة في الملك. هذا ما أسر به العراف في أذنها ذات طموح. لكن المرأة التي أحرقت خلف رغباتها كافة المراكب قررت أن تندفع خلف غرورها حتى الموت. كانت أجريبينيا تنام كل ليلة على فراش الوجع تتقلب يمينا وشمالا لترى من أين سيأتيها خنجر وليدها الملك. وذات خيانة، قرر نيرو أن يحقق نبوءة العراف ويتخلص من حرارة ضمتها إلى الأبد. لكن المرأة المتحفزة لقدرها استطاعت أن تغافل الموت خمس مرات قبل أن تقتنع بحتمية الفرار. كانت تعلم أنها لن تفر من قدرها، لهذا تركت بصمات خوفها فوق طريق الموت. وفي خدرها المحشو بالرعب أقبل عليها سفير الموت المأجور بسيف في يده. وحين أرادت الهرب، لحق بها وضربها فوق قحفها لتفقد توازنها وتلقي بجسدها المنهك فوق الأريكة. حينئذ، كشفت عن ثدييها وصرخت في وجه لم تحمل له ذات يوم ضغينة: "مزق هذين أولا لأنهما أرضعا وحشا كنيرو." ما الذي كانت ترجوه تلك الآثمة في لحظات يأسها الأخير، وقد راهنت على العرش بكل ما أوتيت من آدمية. ألم تكن تعلم وهي تضع السم لمليكها ذات غدر أنها تضع كل بيضها في سلة بؤس واحدة؟ ألم يخبرها عراف الحي يوما أن الجزاء من جنس الخيانة وأنها قاب قوسين أو أدنى من كأس السم؟ لماذا نرتكب الآثام المغلظة، ونظن أننا – رغم كل شواهد الفجيعة – في مأمن من الكارثة؟ كم هي غريبة تلك الشهوات التي تطغينا حد الغفلة، لنبحث في ساحة القصاص عن أي مهرب ونناشد الجلاد أن يترأف بنا! وغريب ذلك العشق الجيني في دماء فطرتنا للجلوس فوق أي كرسي وإن كان فوق جرف هار أو تلة منحدرة. فمن أجل شهوة العرش، باعت المرأة أنوثتها ودفء فراشها. ومن أجل الكرسي شق فرخ الوقواق ثديي أمه لتنفجر نوافير الدماء من منبت الحليب. ومن أجل الكرسي، يواصل الطغاة كتابة التاريخ بنفس الغباء ونفس الدماء ونفس الرغبة المحمومة في التهرب من دفع أقساط الخيانة. ومن أجل هذا نذكر، فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
أديب مصري مقيم بالإمارات







