بقلم نصيرة بريكة
الفروسية رياضة من أنبل الرياضيات، جمعت بين جمال المنظر، واكتمال الصورة وتناغم الحركات وتناسقها… وفيها يتحقق الارتياح والجمال وتتحقق متعة النفس وهو ما يرفع مقامها من مجرد رياضة يحكمها منطق التنافس والربح والخسارة إلى فن راقي بديع.
المحرك الأساسي لهذا الفن والذي يزيد من رقيه ويجعله جالبا ومثيرا للاهتمام الفرس الأصيلة، تلك التي كانت لأول وهلة مهرا صغيرا يستقبله والداه كما تستقبل كل الأسر صغارها بالعطف والاحتواء والحماية والرعاية، المهر الصغير الذي من أول مكاسبه وراثة الصفات الأصيلة التي تناقلتها الأجيال جيلا بعد جيلا ، إنه يحاول أن يقوم على قدميه ليواجه الحياة ويختبر تلك الصفات هو وأقرانه ، يدعمه المجتمع الأصيل وتزيد مكاسبه كل ما زاد عمرا ، ها قد كبر قليلا وصار فرسا شابة ، تخرج مع أترابها في وسع الطبيعة و تعيش يومها بين العدو والمخاصمة والمشاكسة واثبات الذات والجمال ، وكلما مر يوم كلما زادت نضوجا وكمالاوهدوءا، واستعدادا لوظيفتها التي خلقت من أجلها ،وترسخت فيها كل قيم الأصالة ، القيم التي يتقاتل عليها الفرسان .
الفرس تعرف جيدا أنها خلقت من أجل إنسان ما جديرة به وجدير بها، تتكرم برفقته، وتدوم عزيزة مادامت تحس بعنفوانها حين يختار ظهرها دون مثيلاتها . ويأتي ذلك اليوم الموعود ويقتنيها فارسها ، بذكائها وحسها المرهف تتعرف عليه ، وهو بدوره يحاول أن يخلق انسجاما معها وينسج علاقة حب يسودها الوفاء ، تستشعرها مما يجعلها تقدم كل منفعة يطلبها ، فيتأقلما مع بعض ويحبا بعض في وحدة متكاملة يسودها استحالة الاستغناء ، وحين الوصول لهذه المرحلة يدخلان في مرحلة أكثر صعوبة ، التدرب على المواقف الصعبة ، وفي مسابقة الفروسية التدرب على الحواجز العالية الصعبة باعتبار الفرس لها استعداد فطري على اجتيازها.
إنه ليس تمرين يوم ، بل جهد مضني وكبوات وسقطات وتعثرات وتضحيات قاسية ، تلقاها الفارس وتتلقى الفرس الجزء الأكبر منه ، إنها تحلم بأن تقف وقفة متينة ثابتة على خط المضمار مع قائدها ، هي لم تهد عزيمتها الخسارات ولا الأمور القاسية التي صادفتهاحتى لو كان جرحا غائرا في القدم الذي يعتبر بالنسبة لها إصابة في الصميم ، لقد ادخرت له الوافر من الصبر الذي جبلت عليه وتخطته ببسالة ، لقد كانت مثالا مذهلا لتحمل المسؤولية،ومثالا حيا لمواجهة الوقائع كيفما كانت لقد أوصلته لذلك اليوم وهاهما على خط البداية وعلى أتم الاستعداد.
يمتطيها بكل خفة ، تقابله بحمحمة تدل على سرورها وتأهبها ، يقفا على خط البداية ويعطيها إشارةالانطلاق ، تنطلق في عدو مهذب مرتب ، تتراءى للرائي كأنها تطير بلا أجنحةحين تبدأ قفزها الرشيق ، الاختبارصار سهلا خبراتها وخبراته جعلاهكذلك ، وهاهيوصلت إلى خط النهاية واحتلت الصدارة ونالت التفوق ونال التفوق وحانت لحظة تلقي وسام الشرف على منصة الشرف .
إن اعتلاء الفارس الماهر منصة الشرف محتلا مقدمة المراتب لم يكن محض صدفة ، إنه ثمرة الجهد الجهيد، ومحصلة ذلك الارتباط الراقي بين الإنسان والخيل، ونتاج تلك العلاقة العجيبة القوية المتينة الحميمة، التي تسودها روح التقبل، وروح التعاون، وروح الشراكة، وروح الصداقة، وروح الوفاء، وروح الانسجام في كيان واحد، وروح التفهم كل طرف لطباع الآخر، ومكافئةلتلك الخلل التي تميزبها كل طرف وحققت التكامل بينهما .
الفارس المتمرس يستطيع بمجرد امتطاء فرسه معرفة ماتتسم به ، كما يستطيع بذكائه أن يؤلف روح الود والتآلف بينها وبينه ، هو مبتكر، قيادي، مبدع ،صبور، واثق، مفتخر بفرسه ،يمتطيها ويحنو عليها، لا يغضب منها أبدا ، يرفعها إلى مرتبة الصديق ، يغار عليها من أن تمتطيها أجساد الفرسان ، علاقته بفرسه تتسم بصفات إنسانية يكتسبها من طول خبرته في التعامل معها ، كريم معها ويهديها ثمرة نجاحه كقطع السكر والرقائق ، هدايا تعبر عن حجم ذلك التقدير الإنساني الذي يوليها إياه ككيان له مشاعر ، هو إكرام يسعد الفرس وطاقة ايجابية بالنسبة لها تحفزها على تنفيذ توجيهاته وتقودها إلى غزارة البذل .
هو فارس متميز يمتطي فرسا أصيلة ، ذكية ، شديدة التحمل، وفية لفارسها ،مملوءة بالنشاط المتقد، رقيقة الحس، سريعة الاستجابة، مهذبة العدو، شريفة النفس ، تشعر بحزن وفرح قائدها كما يشعر بها، واسعة الصدر، قوية الذاكرة ،عالية الهمة ، جديرة بخدمة الفارس لآخر رمق ، ناكرة للذات ، مجبولة على التضحية ، ظهرها حصن منيع،إكرامها في امتطائها تنجز ماهي موكولةبإنجازه دون أن تُدفع إليه ، دون أن تجبر الفارس أن يستعمل معها سوط القوة، هي عزيزة لا تقبل أن تهان .
سبحان الذي خلق من كل زوج اثنين وسبحان الذي ألف بين اختلاف جنسين ، فارس وفرس تقبلا بعض وخدما بعض وترفعا عن الأنا، من أجل الذات التي خلقت بينهما من أجل المصلحة العامة والهدف الأسمى،هي علاقة جديرة بالاحترام، نستخلص منها العبر، ونقف متفكرين في مدى قدرتها بلوغ درجة تلك العلاقة الراقية، إنها تجعلنا في حالة من الارتباك والخجل، في جو من التساؤلات.
إلى أي مستوى وصلت إليه علاقتنا نحن بنو البشر؟وإن خصصنا أكثر ماسبب افتقادنا لهذه العلاقة الراقية في ركيزة المجتمع " الرجل والمرأة، الزوج والزوجة " ؟
على أي أساس يختار الرجل زوجته وعلى أي أساس تختاره هي ؟
لما الفشل في بناء علاقة زوجية بذاك الرقي؟ ولما كل طرف يحمل أوزار الفشل للطرف الآخر ؟
أين هو ذاك الرجل الفارس وأين هي المرأة التي تضيف لصفاتها الإنسانية صفات الفرس الأصيلة؟
لما كل طرف يسعى لنصرة ذاته ؟
يقول الله سبحانه وتعالى { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (سورة الروم:21).
إنه منتهى الجمال في أجل النعم وأعظم الآيات – العلاقة الزوجية– منبع الود والرحمة و الدفء والسكينة والاطمئنان. وتقوم العلاقة الزوجية الناجحة على مبدأ التقاسم وتكامل الأدوار حيثيقوم الرجل بدور القيادة الرشيدة وتساعده صفاته الرجولية التي تميز بها الفارس المتحكم في زمام فرسه فلا يحيدان عن الطريق،هو اختارها لمعدنها الأصيل وهي اختارته لنبل خلقه فهي تفهم قيادته وتتقبلها وتسعد بها لأنها قيادة إنسانية ودودة ورحيمة متناسبة مع نفسيتها الهشة وصفاتها الرقيقة ، فكانت له أرضا هشة ونفس سهلة لينة وكان بها رفيقا ولها حاميا وعليها محافظافأحاطته بكل عون ووفاء وأحاطها بكل حب وعرفان، هي تقدر عظم المسؤولية وصعوبة مسالك الحياة والهدف من اجتماعهما ،علاقة لا تعكر صفوها تلك الأمور العارضة التي تأتي بين حين وحين، وإن كان لابد من مواجهتها لاستخلاص العبر ولتطوير العلاقة وجعلها أكثر ايجابية.
نريد نساءبسمو أخلاقأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وأرضاها ووفائها ، تقلن مقالتها لزوجها حين جاءه الوحي بحمل ثقل الرسالة * كلا لن يخزيك الله أبدا * ،منتهى العون والسند والفداء.
نريد رجالا يسيرون على خطو سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أزواجه عامه ومع زوجته خديجة خاصة الذي ذاع فخره بها للبشرية جمعاء قائلا*ما أبدلني اللّه خيراً منها؛ قد آمنت بي إذ كفر بي النّاس؛ وصدّقتني إذ كذّبني النّاس؛ وواستني بمالها إذ حرمني النّاس؛ ورزقني اللّه عزّ وجلّ ولدها إذ حرمني أولاد النساء*،منتهىالفخروالحب والوفاء .
ما أحوجنا للاقتداء بمثل هذا النموذج الذي نجح في اختبار الحياة ، حين اتقن فن بناء الأسرة السعيدة، على أساس العلاقة الزوجية السليمة، فكانت بدورها دافعا للإنتاج والعطاء ونفع المجتمع، ولكل زمن رجاله ونساؤه ونماذجه الناجحة التي يدفعها علو الهمة نحو مدارج العلى في الدنيا، ويؤهلها لنيل وسام الشرف من رب العالمين في الآخرة.








