عبد الرازق أحمد الشاعر
أدار أحد الجمهوريين ذات مصلحة ظهره لحزبه، وانضم للفيلق الديمقراطي مما أثار حفيظة الرفاق ودهشة المتابعين. وفي لقاء مثير، طرح أحد الصحفيين سؤالا محرجا على السيدة كلير بوث التي تنتمي تاريخا وولاء للحزب الجمهوري، فقال: "هل كان تحول السيناتور عنكم بمثابة ثورة تصحيحية، أم تراه رِدّٓة عابثة؟" فقالت المرأة في مكر شديد: "لا هذا ولا ذاك، ولكنه يعني ارتفاع نصيب الفرد من الذكاء داخل المعسكرين." الذكاء إذن يعني التعمية ووضع بقع الحبر الملونة فوق الحدود الفاصلة على خرائط المنطق ليبدو الأسود أقل بياضا ويخلع الناس سراويلهم ليتحولوا فجأة من جنود أشاوس إلى فئران مذعورة تبحث عن أي ثقب في أي جدار. الذكاء أن يخلع المجندون أسمالهم ويلقوا بمؤخرات بنادقهم في محيط الفوضى، ويخرج علينا القادمون من أقاصي الخيانة ليعلنوا قيادتهم لثوراتنا الربيعية تحت سحب من الأكاذيب والكاميرات والأضواء. الذكاء أن يجلس المرء على كرسيين في وقت واحد ويفتح قناتين تتحدث أحدهما باسم الثورة وتدافع الأخرى عن الفاشية ليجلس الشعب بينهما مفترشا حسرته وآلامه ومخاوفه. الذكاء أن يجلس أحدهم على طاولة المفاوضات وأصابعه فوق أزرار هاتفه المتحرك تكتب رسالة للواقفين على الطرف الآخر من الميدان في انتظار ساعة الصفر. الذكاء أن يحرك المرء آلاف الجند بإشارة من بنصره، وهو يتحدث إليك عن جدول مباريات الأسبوع أو عن خطته لتطوير حديقة منزله في عطلة نهاية الأسبوع. والذكاء أن يتحول بلطجية مخمورون إلى ثوريين بالولادة في غمرة الاحتشاد حول أي ناعق. الذكاء أن تجمع الناس حول أي وعد بالخلاص أو أي زخة بالرصاص على طريق يوصلك إلى جنة الملك ويحملهم إلى نار الكراهية والتباغض والعنف. الذكاء أن توشي خطبك العصماء بالآيات والأحاديث لتخضع الرقاب لأمنياتك الساقطة، فيستمعون لك وهم يمصون شفاههم يحوقلون. الذكاء أن تتحول في كل يوم أمام المنصات ألف مرة، وتقنع المشاهدين رغم ذلك بأن لكل مقام مقال وأنك وإياهم على الحق. والغباء أن نصدق المتاجرين بأحلامنا وإن صدقوا. الغباء أن نقف حول مكائدهم ومنصاتهم بأفواه مفغورة وأعناق مشرئبة لنصدق على كل أكاذيبهم نكاية بأصحاب المنصة الأخرى المقامة في الفناء الخلفي من الوطن. الغباء أن نمتدح كل الأزياء التي يلبسها الساسة حتى وإن تضاربت ألوانها بحجة أنهم الأكثر فهما وقدرة على تقدير الأحداث والاستجابة لها بما يتناسب معها. الغباء أن نجلس في بيوتنا حتى ينتهي المتبارون على سحلنا فكريا وتدميرنا وجدانيا وعقائديا حتى الجولة الأخيرة التي لم تعد تبشر إلا بالخراب. الغباء أن نثق بالأزياء أو المؤتمرات أو التحالفات التي تتغير مع مطلع كل يأس جوهرها. الغباء أن نقف فاغري الأفواه أمام المتحولين من السياسيين ونحن نعض أصابع الدهشة، فالتحول مذهب سياسي شهير وواقع معيشي بغيض، وشهادة معتمدة على أن معدل الذكاء لدينا في اضطراد.
أديب مصري مقيم بالإمارات






