* الشباب ضامن للممارسة الجيدة *
في أفق خلق جبهة مدنية لمكافحة الفساد
محور ندوة وطنية
محمد الطبيب*
الجميع يتفق على أن الشباب يشكلون الفئة الأهم في المجتمع، وتُعد المجتمعات التي تقل فيها نسبة الشباب في تكوين النسيج المجتمعي، آيلة للزوال أو الانقراض، وقد يحدث الزوال او الانقراض، من خلال إهمال او تهميش شريحة الشباب، ومن ثم انتشار اليأس والخمول وقلة الانتاج وما الى ذلك، من عوامل تؤدي، مع التراكم الزمني، الى ركل المجتمع الخامل جانبا، ووضعه قرب حافة الانقراض، أو العيش في هامش الحياة، كما هو حال الشعوب المتخلفة
وإذا كان تحديد مفهوم الشباب غير متفق عليه بين من يعتبر الشباب مرحلة من مراحل نمو الإنسان حيث اكتمال النضج العضوي ، العقلي والنفسي والذي يبدأ من سن 15 إلى سن 25 سنة،وبين من يعتبرها حالة عمرية يتفاعل فيها ما هو بيولوجي و ما هو سوسيولوجي.فإن لا أحد يختلف حول دينامية الشباب و قدرتهم على التغيير .لكن تبقى التساؤلات مشروعة حول أسبا ب إقصاء الشباب المغربي من التنمية بأبعادها الاقتصادية،الاجتماعية ،السياسية والثقافية…و العوامل المتحكمة في شعوره بالإحباط و اليأس وكذا ارتمائه في أحضان التطرف الديني أو المخدرات أو الهجرة السرية …
الشباب اليوم ثائر في كل مكان، و لا يمكن أن ننكر الاعتراف بهذه الحقيقة. فربما كان دور الطبقة العاملة ريادي في مطلع القرن التاسع عشر، بينما مطلع القرن الواحد و العشرين ستكون طليعته الشبيبة.
لقد ترك الشباب على قارعة الطريق يتسول، يعيش الانحطاط و يتجرع الهزيمة. و ها هو الآن يتمرد! و قد يكون تمرده أشد عنفا. و ربما ستكتشف الأجيال المقبلة أن نضال الشباب –حاليا- يؤسس لعلاقات إنسانية جديدة، و لتغيير الواقع من أجل حياة أفضل…وسنحاول الإجابة عن أن الشباب بمختلف تشكلاته وتلاوينه عنصر قوي إلى جانب باقي المتدخلين في مكافحة كافة أشكال الفساد والترافع من اجل مغرب الحكامة .
يعتبر الفساد جريمة في كل البلدان، حيث أنه يؤدي إلى الإضرار بالاقتصاد، وبمقدوره أن يتسبب ليس فقط في تباطؤ التنمية وإنما أيضا في تقويض كل مجهود خلاق ورشيد يرمي إلى توفير البيئة السليمة للتنمية البشرية المستدامة، لكونه يحول الموارد ويصد المعونات الدولية ويثبط الاستثمار الأجنبي والداخلي، بل وتتداعى معه أركان القانون ومبادئ النظام من جراء عدم إنفاذ القوانين والأنظمة، وهو ما ينجم عنه بالتبعية استشراء الجريمة والعنف والقلاقل الاجتماعية، وكذا المساس بالاستقرار السياسي للدولة في حالاته القصوى.
الأمر الذي نتج عنه الحاجة الماسة إلى التعاون الدولي، توجت باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي طرحت للتوقيع في دجنبر 2003 ودخلت حيز التنفيذ في 14 دجنبر سنة 2005، كتتويج ووعاء شامل للاتفاقيات متعددة الأطراف بغية تكملتها وتدعيمها وليس من أجل الحلول محلها .
وفضلا عن ذلك، يترتب عن التفعيل الجيد للاتفاقية تضييق السبل بالمسؤولين الفاسدين لإخفاء مكاسبهم غير المشروعة، خاصة في العديد من الدول النامية التي قام كبار المسؤولين فيها بنهب الثروات الوطنية، والتي تحتاج فيها الحكومات الجديدة إلى الموارد اللازمة لإعمار المجتمعات وإصلاحها.
وتتميز هذه الاتفاقية بكونها تشكل أول نظام دولي يتناول التدابير الوقائية واسترداد الموجودات؛ كما تتميز أيضا بالشمولية لكونها لم تضع تعريفا شاملا للفساد وإنما اقتصرت على تحديد أهم أشكال الفساد شيوعا عندما نصت على تجريم بعض الأفعال المكونة للفساد.
وبفعل ترتب عن تفشي مظاهر الفساد من أضرار وخيمة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وكذا على سمعته الدولية، انخرط المغرب في هذه الاتفاقية الدولية على غرار العديد من الدول العربية.
وفي إطار تفعيله لهذه الاتفاقية والوفاء بجزء من الالتزامات الملقاة على عاتقه بموجب أحكامها ومقتضياتها، بادر المشرع المغربي إلى إحداث الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة، وأناط بها على وجه الخصوص مهمة تنسيق سياسات الوقاية من الرشوة والإشراف عليها والسهر على تتبع تنفيذها وجمع ونشر المعلومات في هذا المجال، وجعل من نطاق اختصاصاتها ينحصر في الوقاية من الرشوة بمفهومها الذي يشمل جميع الأفعال المتعلقة بالرشوة واستغلال النفوذ والاختلاس والغدر كما هي منصوص عليها في القانون الجنائي.
لكن، ورغم إحداث هذه الهيئة كمؤسسة متخصصة في الوقاية من بعض مظاهر الفساد، فإن الإطار المؤسساتي لهذه الهيئة جعل منها هيئة غير منسجمة مع مضمون وروح التعهدات المنبثقة عن مصادقة المغرب على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
وعلاوة على أنه بالرغم من الجهود المبذولة من طرف هذه الهيئة عند ممارسة اختصاصاتها، فإنها لم تستطع تحقيق نتائج ملموسة في هذا المجال بسبب القصور الذي يشوب كل من إطارها المؤسسي ونطاقها القانوني لمجال تدخلها.
وأمام هذا الوضع الذي قابله الازدياد المضطرد للمطالبات الرامية إلى الحد من الآثار المدمرة لمظاهر الفساد، برزت الإرادة الملكية لإعادة النظر في المنظومة القانونية والمؤسساتية لهذه الهيئة، وهو الأمر الذي يستفاد من خلال الأوامر الملكية التي وجهها الملك للحكومة على إثر استقباله لرئيس هذه الهيئة يوم فاتح أبريل 2011، للنهوض بالمهام الموكولة إليها عبر توسيع اختصاصاتها وتقوية طرق عملها، ولا سيما بتخويلها صلاحيات التصدي التلقائي لحالات الارتشاء وكل أنواع الفساد، وكذا بتمكينها من الموارد البشرية والمادية والآليات القانونية اللازمة للقيام بمهامها.
وتجسيدا لهذه الحاجات التي يتطلبها هاجس المكافحة الفعالة للفساد، جاء دستور2011 ليعمل على تلبيتها من خلال الارتقاء بمبدأ مكافحة الفساد إلى مصاف المبادئ الدستورية الهادفة إلى حماية الحقوق والحريات، والذي تسهر على ضمانه وتفعيله مؤسسات دستورية أناط بها كل بحسب تخصصها ومجال تدخلها مهمة ترسيخ أسس الحكامة الجيدة القائمة على مبادئ الشفافية والمسؤولية والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.
وباستقراء دستور2011 يتضح أنه تضمن فصولا تضع أحكاما وقواعد تحدد نطاقا قانونيا وإطارا مؤسسيا يتعلقان بالوقاية من الفساد ومحاربته.
وفي سياق تحديد النطاق القانوني لمكافحة الفساد، عالج دستور2011 المتعلق بالحقوق والحريات هذا الموضوع من خلال مقتضيات عديدة، ستعمل ندوةتاونات على الإجابة عنها.
* عضو الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب







