الفكر العربي المعاصر بين المشـرق والمغرب وحدة الأسئلة واختلاف الأجوبة

ajialpress20 سبتمبر 2012
الفكر العربي المعاصر بين المشـرق والمغرب  وحدة الأسئلة واختلاف الأجوبة
ما معنى أن يكون سكان الوطن العربي مشارقة – ومغاربة
 أتراه انتماء بكل دلالات هذا المفهوم. انتماء جغرافي، ثقافي، سياسي؟
 أم المشرق والمغرب ليسا أكثر من مفهومين جغرافيين لايميلان إلى هويتين مختلفتين؟  
أم الأمر مجرد تواضع للدلالة على تاريخين مختلفين في جوانب كثيرة ومتفقين في جوانب أخرى؟
ترى ألا يقوم التاريخ بطبع الهويات بطابعه؟ ومتى يكون الوعي الذاتي متعيَّناً بمشرقي ومغربي؟
 وهل هو فعلاً متعين بوعي ذاتي، أم الأمر إشارة من باحثين اصطنعوا هاتين الكلمتين الدالَّتين على الاتجاه؟

بل ويزداد الأمر تعقيداً حين نخف لرسم حدود المشرق وحدود المغرب، فهل مصر مشرق أم مغرب؟

 إنَّ مناقشة حنفي والجابري لا تمنعني من طرح السؤال؟ لأن لاشيء منع الباحثين من الحديث عن بلاد الشام والعراق بوصفهما المشرق، إلى أين تنتمي السودان والصومال وجيبوتي؟ وهل بلدان جزيرة العرب من المشرق؟ ما الذي يحمل التونسي أو المغاربي على الشعور بالإلفة في الشام، والشامي بالإلفة في تونس والمغرب ولا يشعران بها في بلد كالسعودية، مثلاً؟.
إن أسئلة كثيرة سرعان ما تهجم على الخاطر حين تستخدم مشرق البلدان العربية ومغربها، بالرغم من حضور هذين المصطلحين في سوق التداول، إن في الثقافة الشعبية أو في الفكر العربي.
غير أن الأجوبة على هذه الأسئلة صعبة جداً، والعامل الذي يجعلها صعبة هو عامل الهوية، فليس من الحكمة العملية والعلمية أن نتحدث عن هويتين: واحدة مشرقية وأخرى مغربية، فاللغة والتاريخ والوعي الذاتي القومي والآمال المشتركة والموقف من قضايا الأمة والاستعمار والتبعية والسلطة والأمة.. إلخ لا تسمح لنا بالحديث عن هويتين لكل منهما حدودهما المعروفة، كما نتحدَّث عن هوية فرنسية وأخرى عربية.
وإذا كان هناك من اختلاف، فليس الاختلاف بين مغرب ذي ملامح واحدة ومشرق يحتويها أيضاً، بل إن الاختلاف حالة موضوعية داخل البلد الواحد، وداخل المحافظة الواحدة، وبين الأقطار العربية. غير أن الاختلاف لا ينفي المتشابه الذي يسمح لنا أن نقول بكل اطمئنان، إن هناك هوية كلية في هذا العالم الفسيح الذي ندعوه الوطن العربي. أجل أيها السادة إن الاختلاف بين حوران وحلب أكثر من الاختلاف بين حلب ومراكش، ولأن الأمر كذلك فإننا نتحدث عن وحدة الأسئلة واختلاف الأجوبة. واختلاف الأجوبة ليس وقفاً على من هو في شرق الوطن العربي ومن هو في مغربه، بل الاختلاف داخل المشرق والمغرب، لكننا وبفضل تواضع الناس على تقسيم كهذا حاولنا أن نبرز الاختلاف، وهو حاصل كما هو بين بلاد الشام ومصر، مثلاً.
ومع ذلك فإن عقلي غير قادرٍ على تصوُّر مشرق ومغرب ندرج فيه جميع البلدان.
دعونا نتصور أن المشرق هو بلاد الشام والعراق ومصر وبلدان شبه جزيرة العرب يضاف إليها السودان والصومال وجيبوتي.
أي تشابه يسمح لنا بأن نطلق على بلدان المشرق، أنها مشرقية، اللهم إذا اعتبرناها بلاد آسيا العربية باستثناء مصر، وقد تكون بلدان مغرب العرب أكثر تشابهاً، ومع ذلك ما الذي يحمل أحداً على اعتبار دول المغرب العربي واحدة.
وفي كل الأحوال دعوني أحصر المدى ببلاد الشام والعراق ومصر من جهة، وبلدان المغرب العربي كلها من جهة ثانية حتى يستقيم تحليل الأسئلة والأجوبة، ودافعي إلى ذلك القبض على التشابه والاختلاف.
تاريخياً لم تحدث في أي وقت قطيعة بين مناطق الوطن العربي، لا زمن قيام دول الأندلس والمغرب، ولا زمن الإمبراطورية العثمانية، ولا زمن ما بعد الاستعمار، هذه واقعة تلقي بظلها على أي بحث في علاقات البلدان العربية.
وكما استُعمِرت بلدان المشرق _ بالمعنى الذي ذكرت _ خضعت بلدان المغرب للاستعمار، وكما جرى كفاح تحرري هنا جرى كفاح تحرري هناك. وكما حصلت انقلابات عسكرية ناجحة أو فاشلة هنا حصلت مثيلتها هناك. ولا تختلف بنية السُلط هنا عن بنية السُلط هناك. ولا فرق بين تبعية البلدان ودرجتها للغرب هنا عن تبعية البلدان ودرجة تبعيتها هناك. ولا أحد بقادرٍ على تمييز البنى الثقافية بالمعنى الأنتروبولوجي بين بلدان المشرق والمغرب إلا في حدودٍ ضيقة، أما حال اللهجات فهي مختلفة في كل أنحاء الوطن العربي.
وهنا تنوع إثني كما هناك، وتشابه الإيديولوجيات في كلتا المنطقتين كبير، فالعروبيون هنا والعروبيون هناك، والإسلاميون كذلك والحداثويون والمتغربون والأصوليون.
وحضور قضية فلسطين في المغرب لا يقل شأناً عن حضورها هنا، غير أن هناك اختلافاً لابد من الإشارة إليه.
ففيما يتميز المغرب العربي بالتجانس الديني حيث الإسلام السني، فإن المشرق، وطنُ التنوِّعِ الديني، والطائفي، حيث الإسلام والمسيحية من جهة، وحيث الشيع الإسلامية كلها من جهة ثانية.
والمغرب باستثناء ليبيا تعرضت نخبته لاختراق شديد من قبل اللغة الفرنسية وثقافة فرنسا، فيما كان الاخترق محدوداً في بلدان المشرق العربي، واختراقٌ كهذا قد طبع إبداعات الفكر المغاربي بشتى صنوف الفكر.
وقبل أن أطرح أسئلة المشرق والمغرب وأجوبتهما أشير إلى نقطة طالما تحدث عنها بعض نخب المغرب، ألا وهي: تأثير فكر المشرق على المغرب، فمن المشرق جاء تاريخ الإصلاح الديني والفكر القومي العربي، وهذه الواقعة قد خلقت فيما بعد نزعة عند بعض النخب في المغرب للتحرر من هيمنة المشرق، وأعكس الفكرة. وهذا أمر لا قيمة له أبداً من وجهة نظري إلا اللهم إلا عند البعض الذي يعتقد خطأ أن هويته المشرقية أو المغربية هوية نقيضة للهوية العربية.
بل إني لأعتقد أن تأثير المشرق على المغرب يساوي تأثير المغرب على المشرق.
وما كان لهذا التأثير المتبادل أن يحصل ويكون، لو لم تكن هموم المغرب والمشرق وهواجسه واحدة تقريباً، ولهذا جاءت الأسئلة شبه متشابهة، وهذا ما أطلقنا عليه وحدة الأسئلة، ومن الطبيعي أن تكون الأجوبة مختلفة.
 
 

ديوان اصدقاء المغرب

مستجدات