الدكتور خالد الصقلي/جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس
مقدمة تعريفية:
افتتح مداخلتي ببسم الله الرحمان الرحيم واصلى واسلم على سيدنا محمد خير المرسلين ضمن اهتماماتي العلمية تحقيق مخطوطات المؤرخين المغاربة الذين عاشوا خلال العصر الحديث و المعاصر . وبالنسبة لموضوع مشاركتي فيتعلق بالعلامة سيدي محمد المختار السوسي الذي هو بشهادة الذين عاصروه أو تتلمذوا عليه أو درسوا آثاره، شخصية استثنائية في تاريخ المغرب المعاصر. إذ ترك تراثا فقهيا وأدبيا وتاريخيا ضخما، تعجز عن إنتاجه فرق متخصصة ومتفرغة. …([1]). وإن شخصا كالعلامة محمد المختار السوسي رحمه الله، ليستحق بامتياز كبير تخليد فكره وأعماله على صفحات سجل التاريخ المغربي، لما له من إسهام جبار في بعث روح الاعتزاز بالهوية المغربية ابتغاء التفاعل الراشد مع الحاضر المعيش لاستشراف المستقبل القادم بنفس تواقة إلى الأمل و الحرية([2]). وإن محتوى هذا العرض هو مجرد نظرات في شخصيته ومؤلفاته، ومساهمة مني في رسم صورة مختصرة عن شخصيته المعطاءة التي لا يسعها إلا الأبحاث الكثيرة للمفكرين و المتخصصين، لتخرج إلى الساحة الثقافية عبارة عن مؤلفات وبحوث تنور عقل الجيل الجديد بما وصل إليه النبوغ المغربي في مرحلة من المراحل، ليشكل دعامة أساسية في الإقلاع الحضاري لأمتنا.
ويضم هذا العرض على محورين: فمن جهة سنتطرق الى التعريف بالعلامة سيدي محمد المختار السوسي، ومن جهة ثانية سنتحدث عن إنتاجه الفكري مع التركيز على جوانب من كتابته التاريخ الوطني خصوصا ، ويشتمل هذا العرض على عدة ملاحق الكترونية.
المحور الاول : ترجمة العلامة محمد المختار السوسي:
قيل للعلامة سيدي محمد المختار السوسي يوما:"ترجمت لكل عالم و فاضل في إقليم سوس، و لكنك أغفلت نفسك، و لماذا لم تضع لحياتك ترجمة؟" أجاب الأستاذ على الفور: "هذا العمل كله إنما هو ترجمة نفسي و قصة حياتي"([3]). وهذه الجمل ذات مدلول كبير، لان العمل يدل على صاحبه أكثر مما يدل على موضوعه و يعطيك صورة المنتج قبل أن يعطيك صور الآخرين، فحسب الأستاذ محمد العثماني فكثير من أصحاب العظمة التاريخية لا نتصورهم على الحقيقة إلا بواسطة أعمالهم وآثارهم،لا بما قال عنهم المؤرخون والناقدون الذين يقعون في الغالب تحت تأثير ظروف خاصة و مواضع اجتماعية معينة، فكم تاريخ مصطنع قلب الحقائق و دلس على الواقع و كم حمد أو ذم كان مبعثهما الهوى و التعصب، أما عمل الآنيان فلا يعكس – في غير ارتياب واحتمال – الأنفس صاحبه، ثم يعكس في الدرجة الثانية بعض الجوانب لشخصيات من تناولهم ذلك العمل مع شيء قليل من أو كثير من الشك و ضعف الاطمئنان، فلو صح كل ما كتب حول الحوادث و الناس لا نقطع كل جدال، و لفقد النقد لحركته أفسح مجال([4]).
1: ولادته ونشأته: ينتسب إلى الجد الأعلى عبد الله بن سعيد التهالي ([5]) .وولد محمد المختار السوسي
([6]) بقرية دوكادير "إلغ"([7]) الواقعة على بعد 174 كلم وهي قرية بناحية تازروالت في أقصى جنوب القطر السوسي بجنوب مدينة اكادير وذلك في شهر صفر الخير عام 1318هـ/ ماي – يونيو 1900 م ونشأ بها، وحين بلغ سن الإدراك اتجه إلى الدراسة الأولية لتعلم الكتابة والقراءة واستظهار كتاب الله العزيز على عدة معلمين، وكانت أولهم والدته ([8])رقية بنت محمد بن العربي الأدوزي([9]) و كانت لها دراية بمبادئ العلوم الدينية، فضلا عن تمكنها من حفظ القرآن و كانت تمارس تعلم القراءة و الكتابة لصبيان الأسرة. وفي هذا الإطار يقول العلامة المختار السوسي:"أول ما أعلنه عن والدتي أنها هي التي سمعت منها بادئ ذي بدء تمجيد العلم وأهله،وإكبار تلك الوجهة فكان كل مناها أن تراني يوما ما ممن تطلعوا الثنية، وممن يداعبون الأقلام ويناغون الدفاتر ،فبذلك كانت تناغيني وذلك هو محور دعواتها حولي…، في سحر يوم عاشوراء نحو 1323هـ يوم أيقظتني فناولتني كأسا مملوءة ماء فقالت:إن هذا الماء ماء زمزم الذي هو لما شرب له ، وهذا سحر يوم عظيم وهو مظنة الاستجابة ، فأجرع منه وانو في قلبك أن يرزقك الله العلم الذي أتمناه لك دائما، فأفرغت الماء في حلقي بنيتها هي التي تدري ما تطلب، وما تنوي إذ ذاك…"([10]).
وبعد ذلك أتم حفظه على يد والده ([11]) ـ الذي التحق بالرفيق الأعلى و عُمر المختار لا يتجاوز آنذاك 10 سنوات([12]) ـ و على يد بعض مريدي الزاوية الدرقاوية([13])التي كانت بمثابة مدرسة علمية. إذن فتح المختار السوسي عينيه على عائلة صوفية علمية بامتياز([14]). ثم تنقل بين مدارس منطقة سوس كمدرسة إيغشان([15])و تتلمذ بها على يد العلامة عبد الله بن أحمد الإلغي ثم التحق بالمدرسة البونعمانية([16])،و أخذ بها عن العلامة أحمد بن مسعود البونعمان في أواخر شهر ذي الحجة سنة 1331 هــ/نونبر 1913م ( [17])، ثم توجه إلى مدرسة تانكرت بافران التي بها تتلمذ على يد العلامة الأديب الطاهر بن محمد الإفراني و نجله محمد و العلامة الأديب عبد الرحمان البوزاكارني و ظل بهذه المدرسة إلى أواخر سنة 1336 هــ /(1917-1918م). وقد أخذ عنهم اللغة و الفقه والفرائض و الحساب والأصول([18]).
لقد بدا الاهتمام التاريخي لدى محمد المختار السوسي منذ نعومة أظافره، كما صرح بذلك نفسه عندما قال: "فقد أولعت منذ عرفت قبيلي من دبيري، وميزت يميني من شمالي، بالتاريخ والأدب، وبمطالعة كتبهما … أقبلت بنهم الذي لا يشبع على التهام كل ما تقع عليه عيني كيفما كان الكتاب مادام يمت إلى الأدب والتاريخ"([19]).
2:تعمقه في نهل العلوم ورحلاته لطلبه:
لقد انتقل في سنة 1318هـ /(1919-1920م) إلى مدينة مراكش لاستكمال دراسته فانكب على التحصيل بجامع ابن يوسف التي قطن بها، وحضر الحلقات العلمية بالكلية اليوسفية المعقودة للفقيه محمد بن الحسن الدباغ، والفقيه محمد بن عمر السرغيني الشهير بابن نوح، وأبي شعيب الشاوي، والفقيه أحمد بن الحسن الخصاصي، كما حضر المجالس العلمية التي عقدها هناك الشيوخ الواردون عليها وهم: الفقيه فتح الله بناني، وشيخ الإسلام أبي شعيب الدكالي الذي قال في حقه :"ثم في سنة 1342 هـ طلع علينا السعد بطلوع الشيخ أبي شعيب الدكالي فكان ذلك في حياتي إجافة لباب وفتحا لباب آخر… فانقشعت الغشاوة" ([20]). وقد تلقى عن هؤلاء الشيوخ بمراكش تحفة الحكام، ولامية الزقاق، والجوهر المكنون، والخزرجية في العروض، و السُّلَّم للشيخ الأخضري، وجمع الجوامع، ومختصر المواهب اللدنية، والجامع الصحيح للإمام البخاري([21]).
وكانت أول زيارة له إلى مدينة الدار البيضاء سنة 1339هـ/(1920-1921م). وهو في 21 من عمره، وخلال السنة الثانية من مقامه بمراكش، و حدث ذلك في رحلته إلى " بني زروال " لزيارة زاوية الشيخ العربي الدرقاوي. وفي طريقه عرج على عدة مدن، وفي ذلك قال: « وفي عام 1339هـ خرجت صباحا أودع عبد العزيز الفاسي، ومولاي المهدي الجبلي المراكشي ـ وقد كنت معهما ومع أستاذنا القاضي ابن الحسن في رفقة دائمة ـ وكانا يقصدان فاسا، فإذا بهما عند السيارات أركباني، ولم أصطحب معي لا كسوة و لادرهما، فعرجنا على الجديدة فالبيضاء ففاس ثم إلى موسم مولاي العربي الدرقاوي، فرأيت إذ ذاك عالما آخر، وزرت مولاي عبد الرحمان الدرقاوي، ثم أكدني كثيرا على العلم، ثم رجعنا أدراجنا، ثم أديت بعد ذلك واجبي من نفقات السفر بعت فيه كتبي، لأنني ما كنت أحسبني مؤديا، إذ ما سافرت إلا ملزما. ولكن حين سئلت عن ذلك أديت في الحين، فكان ذلك درسا لي في المستقبل. وما أكثر أمثال هذه الدروس التي استأصلت فيها من نفسي الإشراف إلى بنات جيوب غيري كابن زاوية »([22])
كما تكررت زياراته إلى هذه المدينة خلال مرحلة مقامه بمراكش معلما ومربيا ومناضلا، والتي اسغرقت ثماني سنوات كاملة، أي من فاتح محرم سنة 1348هـ / 20 يونيو1929م إلى أواخر ذي الحجة سنة 1355هـ / 13 مارس1937، وتردد على مجموعة من المناطق المغربية وذلك بهدف تحقيق أهداف رجال الحركة الوطنية في نشر الوعي الوطني، وتنظيم الخلايا السياسية… وكانت تنقلات السوسي عبر مختلف المناطق المغربية تسعى بصفة خاصة إلى حمل وإقناع النخبة من العلماء والوجهاء وحتى من رجال السلطة المغاربة([23]) على إنشاء المدارس العصرية الحرة لفائدة أبناء الشعب، لتلقن فيها العلوم العصرية باللغة العربية، ولتسعى إلى تكوين أطر وطنية عليا متشبعة بالثقافة العربية الإسلامية، فتكون بذلك كله منافسة للمدارس المفرنسة اللغة التي كانت إدارة الحماية تنشئها، وكانت تسعى إلى حصر مهمتها في تكوين الأطر الصغرى التي تحتاج إليها في تسيير إدارتها. وكان من أصدقائه البيضاويين الذين بادروا مبكرا إلى الإشراف على هذا النوع من المدارس: الأستاذ " الفقيه محمد الحمداوي " مؤسس مدرسة " الأميرة للا عائشة "([24]). فضلا عن مساعيه الدؤوبة من خلال هذه التنقلات إلى دعم ونشر أفكار الحركة الوطنية الهادفة إلى مطالبة إدارة الحماية بإدخال وإنجاز إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية في البلاد. ولهذا الغرض زار محمد المختار السوسي مدينة الدار البيضاء عدة مرات.
ومع حلول سنة 1343هـ /1924م شد الرحلة إلى العاصمة العلمية فاس ،فاستوطن ببيت في المدرسة البوعنانية بالطالعة، وانتسب بها إلى جامع القرويين ، وتردد على مجالس العلامة المحدث محمد بن جعفر الكتاني، والمفتي محمد بن الطيب البدراوي، والعلامة محمد الحجوجي،و العلامة مولاي الصديق العلوي ، ومحمد العابد الفاسي ، وعبد الواحد الفاسي ، وابنه علال الفاسي ، وإبراهيم الكتاني ، وعبد العزيز بن إدريس … ([25])،فدرس الموطأ وشمائل الترمذي، والشفا للقاضي عياض، والمسند للإمام أحمد، والحساب، والجغرافيا، و المعلقات السبع، والكامل في اللغة والأدب لأبي العباس المبرد، وديوان الحماسة لأبي تمام الطائي. وقد تتلمذ في هذه الدراسة الأدبية على يد الأستاذ محمد بن العربي الوزاني المدغري([26]).
وقد اندمج في البيئة الفاسية المنفتحة على العلم، فانخرط في الحركة الثقافية والوطنية وأنشأ مع جماعة من المفكرين الشباب في تلك المرحلة التي كان فيها الاستعمار الفرنسي متغلغلا في جل المناطق المغربية الركائز الأولى لعمل الحركة الوطنية ، وفي هذا الإطار يقول رحمه الله:"….في فاس استبدلت فكرا بفكر فتكون لي مبدأ عصري على آخر طراز، فقد ارتكز على العلم والدين والسنة القويمة….، فكانت هذه المدن الثلاث : فاس والرباط وتطوان مركز التفكير في فجر المغرب الجديد،ومن هناك تمخضت الفكرة الوطنية المتركزة على الدين والاخلاق السامية، وكنت أصاحب كل المفكرين اذ ذاك … ، وليث شعري كيف اكون لو لم اقض في فاس اربع سنوات قلبت حياتي وتفكيري ظهرا لبطن ثم لم افارقها الا وانا مجنون بالمعارف جنون قيس بن الملوح بليلاه حتى نسيت بها كل شيء "([27])
في هذا الجو الثقافي الذي قضى فيه العلامة محمد المختار السوسي أربع سنوات اقتنع خلالها بقيمة العلم والعمل ودورهما في تغيير حال المجتمع والوطن، فأسس رفقة رجال الحركة الوطنية جمعيتين :الأولى تحت غطاء ثقافي كان هو رئيسها والثانية سياسية سرية ترأسها المرحوم علال الفاسي، وفي هذا الإطار يقول:" وقد أسسنا هناك جمعيتين : الأولى جمعية الحماسة كنت انا مع الأخ مولاي الصديق العلوي أول من دعا إليها … شرفني الإخوان برئاستها … والثانية جمعية سياسية سرية أسسناها في 12 رجب 1344هـ/26 يناير 1926م،ورئيسها الأخ علال أصغرنا ، وأعضاؤها : الفقيه الغازي ،وأبو المزايا الكتاني و مكوار ومولاي الصديق وسيدي المديني والجابري والفرسيوي والمختار ، وقد كان لهذه الجمعية فروع ، أو هي بنفسها فرع لجمعية أخرى أصيلة … فوقعت اتصالات بيننا وبين قدماء التلاميذ بالمدرسة الإدريسية … "([28]) و كان أول مشروع بدأت به النخبة الوطنية نشر الوعي الإسلامي من خلال التطوع للتدريس باعتبار ذلك خطوة في تحقيق التغيير المنشود رغم أن نشاط هذه المدارس لفت إليهم أنظار المستعمر الذي عمد الى إغلاقها ونموذج ذلك المدرسة الناصرية وفي هذا الاطار يقول العلامة المختار السوسي:"… فضلا عما أخذته هناك ـ أي فاس ـ … حتى زلزلنا اغلاق المدرسة الناصرية التي كانت منتدانا ومسرح أفكارنا…"([29])، وهو الأمر الذي نتج عنه اقتناع أعضاء الحركة الوطنية بنجاعة الأسلوب الذي سلكوه وضرورة انتشاره في المغرب للنهوض بمختلف جهاته([30])
وقد رحل إلى مدينة الرباط التي أقام بها منذ سنة 1347هـ /(1928-1929م) وحولها يقول:" … حللت بالرباط وما أدراك ما الرباط الذي ترتبط به القلوب ، وتنتشب في حسن موقعه وهندامه العيون،فكانت السنة التي قضيتها هناك كسنة العروس في متعتها، علوم ومطالعات وفوائد واحترامات واكبارات ، عرفت بها كيف يكون الناس للغرباء…"([31])، فحضر دروس علمائها ، وكان دائما في مؤلفاته يحن الى مجالس شيوخه ومن بينهم: الشيخ ابي شعيب الدكالي الذي أخذ عنه بعض الأحزاب من تفسير كلام الله المبين، ودروسا من الأمالي لأبي علي المدني بن الحسني الرباطي الذي اخذ عنه طرفا كبيرا من التلخيص للقزويني، و ألفية العراقي في الحديث ، والقاضي السائح الرباطي ، والعلامة محمد بن العربي العلوي ، ويستعرض ذكرياته مع الإخوان العلماء والأدباء من مثل العلامة التطواني السلوي الذي كان متجره بالرباط مجلسا يلتقي فيه المختار بثلة من الأدباء كالأساتذة عبد الله الجراري ، ومصطفى بن مبارك ، ومصطفى الغربي ، وابن عثمان المراكشي … ([32]). وفي هذا الاطار يقول :"… دار الزمان دورته وقد أمضيت في فاس أربع سنوات ، تحولت فيها تحولا غريبا من كل ناحية،فاتيح لي ان ارسي بسفينتي في الرباط فتشرفت أيضا بدروس الشيخ شعيب الدكالي ولكن طال تعجبي كثيرا حين وجدت الدروس غير الدروس … ولكن يمكن لي ان اعرف اسباب ذلك متنوعة ، وذلك ان المختار نفسه في 1347هـ غيره في 1342هـ ، وقد تقدم وطارت الدهشة وتمرن بعض التمرن في المعارف المتنوعة...([33])
ويضيف قائلا:" … أبصرت منه بدوري فكرا نافذا ثاقبا صوالا بالقواعد الأصولية، سبوحا في أمواج الفلسفة لبق التفريغ الى كل جانب ممكن ثم يحسن جمع رؤوس المسائل ، فكان في عيني في تلك الساعة عالما جديدا أعده من بين العلماء الذين أعرف لهم التفوق"([34]) . ويذكر العلامة سيدي المختار السوسي في كتابه "مشيخة الالغيين" ان العلامة سيدي العربي السايح لقبه بالمفكر وفي هذا الإطار يقول:"…. فلقبني بالمفكر بعدما ذكرني بخير ، فكان ذلك أعظم حافز لي على مواصلة جهودي والاكثار من الاخذ عن الأستاذ في كل فرصة،فكم بحث طلي جال في الأستاذ بتفكيره المتزن، فكان لي كالمجهر الذي أدرك بع البعيد فاتصوره كما هو…. ([35]).
ومنها عاد إلى مدينة مراكش، و انتظم في سلك علمائها الرسميين قبل عام 1354 هــ/(1935-1936م)([36])، واستقر بزاوية والده في حي الرميلة و أنشأ مدرسة عربية حرة بها تطوع بالإنفاق على التلاميذ المنقطعين و الذين يدرسون بها( [37]) ،واشتغل بالتعليم والتربية باعتبارهما في نظره السبيلان القويمان لمواجهة الجهل ومحاربة التخلف و القضاء على الأمية ومواجهة الاستعمار ومناهجه التعليمية التي كانت تركز على تحقير عقيدة الامة و محو لغتها . فبدأ بتدريس الاطفال وتحفيظهم القران وسرعان ما انتشر صيته فتقاطر عليه طلاب العلم باختلاف مستوياتهم فقام بتنظيم الدراسة وآوى اليه طلاب العلم واعتنى بالمواد التي أهملها الاستعمار في المقررات الرسمية كاللغة العربية والقران والتاريخ والسيرة النبوية وعلوم الحديث والأدب([38])… . وفي هذا الإطار يقول في كتاب الالغيات عن مدينة مراكش : "...حيث الفؤاد لا يزال ثاويا ، حيث مناهل الصفا عذبة الموارد ، يردها هناك كل وارد ، حيث الإخوان الأساتذة "([39]) ، كما يذكر ثلة من شيوخه كعبد القادر المسفيوي ، ومحمد بن عبد الرزاق ، وأحمد المنجرة ، وعبد الله بن إبراهيم ، وعبد القادر بن حسن ، وعلي بن المعلم ، ومحمد الكانوني.
ولقد حصل رحمه لله على إجازات مكتوبة من عدة علماء مغاربة ومشارقة و أورد نجله لائحة بأسمائهم وهم كما يلي:
- مولاي عبد القادر بن العربي السباعي السعيدي
- سيدي المدني بن الحسني
- سيدي محمد بن احمد العلمي
- سيدي محمد السداتي الجكاني
- سيدي محمد الماسي الإلياسي
- محمد بن إبراهيم
- سيدي الطاهر بن محمد الافراني
- سيدي علي بن عبد الله بن صالح الالغي
- سيدي الطاهر بن محمد الباعمراني
- سيدي علي بن محمد الحسني الدمناتي
- سيدي عثمان بن محمد الإكراري
- سيدي الحسن بن عبد الرحمان الإكراري
- النقيب عبد الرحمان بن زيدان العلوي
- الشيخ سيدي عمر حمدان المحرسي( شيخ الحرمين)
- سيدي محمد الطاهر بن عاور التونسي الحسني
- أبو الاسعاد سيدي محمد بن جعفر الكتاني
- سيدي محمد الرافعي الجديدي
- الشيخ شعيب الدكالي ( اجازة شفوية)([40])
ويضيف عميد المؤرخين المغاربة سيدي محمد المنوني عالمين هما:"…. مؤرخ مراكش القاضي عباس
بن إبراهيم المراكشي السملالي و قاضي مكناس محمد بن أحمد العلوي الاسماعيلي…." ([41])
3:نشاط العلامة سيدي المختار السوسي ونتائجه: مدينة الدار البيضاء نموذجا:
- أ:) تـربويا: دشن نشاطه بتعاطيه التعليم ـ كعادته دائما ـ اقتناعا منه أن هذا المجال هو السبيل الوحيد لتحقيق القسط الوافر من توعية الشعب، لأنه لا يمكن تحقيق أية نهضة ولا يمكن تحقيق الاستقلال والأمية منتشرة، والجهل باسط أجنحته على السواد الأعظم من الأمة. وهو يحدثنا عن قيامه بذلك بقوله: « لم أكد أستقر بـالبيضاء حتى راجعت عملي في التعليم العام، فالتف أيضا حولي طلبة سرعان ما وصلوا إلى 70 زيادة على صغار، وقد اتخذت أولا مركز تدريسي المسجد المحمدي، ثم استقررت في المسجد الذي بناه الفاسيون إزاء درب ابن العالية، حيث أقطن في دار اكتراها لي الحاج إبراهيم التملي التاجر المشهور، وقد ألقي فيه بعض الدروس في الأوقات التي لا أذهب فيها إلى المسجد » ([42]) .
وهكذا كرر محمد المختار السوسي في هذه المدينة سلوكه الذي عرف به طيلة مقامه في مراكش، خاصة وأن عددا من طلبته في مراكش التحقوا به، واستطاع ـ كعادته ـ أن يتكفل بجميع لوازمهم، من مأكل وملبس ومسكن. مستعينا في ذلك بجماعة من تجار المدينة الذين يسارعون إلى تلبية طلباته المتعلقة بتكفل كل واحد منهم بما يستطيع من الطلبة. فضلا عن كونه يتحمل شخصيا نفقات إيواء عدد منهم، لدرجة أنه لما ألقي عليه القبض فنفي إلى معتقل " أغبالو نكردوس" بتافيلالت، بقي 14 طالبا يقطنون في بيته مع أبنائه الذين كان عمر أكبرهم لا يتجاوز ثلاث عشرة سنة. وأوصى أهل بيته بأن يبقى هؤلاء الطلبة في بيته وأن يعدوا أنفسهم كأن شيئا لم يقع وأن أستاذهم ما زال موجودا معهم ([43]).
- ب:) توجيهيـا: كان حريصا على إعطاء دروس دينية وتوجيهية عمومية في المساجد بعد صلاة الصبح وما بين العشاءين، وسرعان ما نالت هذه الدروس شهرة واسعة على صعيد المدينة وفي هذا الاطار يقول: « حين يجتمع الجم الغفير من الناس حتى يكتظ المسجد » ([44]). الأمر الذي حمل الإدارة الاستعمارية على تكليف فرق من الجواسيس والمخبرين لتتبع نشاطه وحضور دروسه، وسرعان ما بدأوا يستدعونه من حين لآخر للاستجواب والاستنطاق، وفي هذا الإطار يقول في كتابه معتقل الصحراء : « ذلك أنهم يعلمون كيف يكبر الناس ويستعظمون هجرتي من بلد يحكمه من هو ضد الملك، بل صرت إحدى المتكئات التي يتكيء عليها بعض المهاجرين من طلبة مراكش الذين بالغ من في مراكش في إهانتهم حين جلد كثيرين منهم حتى مات أحدهم بعدما بلغت به السياط مبلغها، فيما ذكر لنا، ولكنني وأنا أعرف ما أصنع ماض في شأني، عازم على أداء المهمة التي استطعت أن أنفع بها شعبي منذ أن ملكت أمر نفسي في مراكش، هذا الشعب الذي رفع من شأني وكساني وأطعمني، وأسكنني، بل وهيأ لي في البيضاء أن أبني دارا أملكها وهي الدار الوحيدة التي دخلت تحت ملكي في ماضي عمري، وذلك بعد نحو سنة من هجرتي هذه، أفلا يهتم مثلي بمثل هذا الشعب الكريم ؟ » ([45]).
وهكذا تحمل كل ذلك برباطة جأش، وبعزيمة صلبة، غير مستسلم لمختلف الضغوط والتهديدات التي كانت تمارس عليه من الإدارة، قصد ثنيه عن أداء مهمته التي يصر أمام المستعمرين وأذنابهم على كونها مجرد تعليم المواطنين شؤون دينهم من خلال دروسه في المساجد، وتعليم الطلبة اللغة العربية وعلوم الدين الإسلامي. ولما عزم على الشروع في إلقاء درسه الأول بمسجد الحفاري فور الانتهاء من بنائه، جاء عنده أحد القيمين على المسجد و حاول منعه من ذلك فثارت ثائرة الحاضرين فاضطر القيمون على المسجد إلى الرضوخ لضغوط الجماهير المصرة على رفض أي عالم آخر يعين في هذا المسجد مكان المختار السوسي.وفي هذا الجانب كان يتردد على عدة مساجد، وفي مقدمتها: المسجد المحمدي بحي " الأحباس "، ومسجد " ولد حبيبة " بحي بوشنتوف، ومسجد " الحفاري " بحي بن العالية، وكان قريبا من مسكنه.
- ت:) سـيـاسـيـا:كان على اتصال دائم برجال الحركة الوطنية في المدينة، وكان متألقا في حسن إخفاء الكثير منها على عيون المخبرين والجواسيس الذين كلفوا بتتبع كل حركاته وسكناته، فهو دائم التنقل بين مختلف الخلايا، ولكنه مقدرته على إحاطة تلك التنقلات بالسرية التامة كانت فوق ما كان أعوان إدارة الحماية يتحلون به من الدهاء ومن المكر، لما كانوا يلازمونه في دروسه وفي غيرها. بيد أنهم عجزوا عن إثبات " التهمة عليه ". على الرغم من أنه لم يكن يومه يخلو من التحرك في هذا الشأن، للاتصال بالخلايا السرية التي كانت محكمة التنظيم وموزعة عبر مختلف أحياء المدينة. وكان السوسي يحضر الاجتماعات، مستعملا في تحركاته وسائل وحيلا كان يستطيع بها الإفلات من المراقبين والجواسيس المسخرين لتتبعه. وهكذا كانت علاقاته واجتماعاته بأعضاء كثير من الخلايا الحزبية على الخصوص شبه يومية أمثال السادة: الهاشمي الفيلالي، وبوشتى الجامعي، ومحمد الحمداوي، ومحمد هرواش الباعمراني، وحميدو فارس الوطني، والشرايبي، ومكوار…([46])
4:اعـتـقـالـه ونفيه: لم يمهل الفرنسيون محمدا المختار أكثر من 22 شهرا، لينفذوا في حقه قرار الاعتقال الذي جاء على إثر الاضطرابات التي عرفتها المدينة في ربيع الثاني 1372هـ/ دجنبر 1952م. إثر اغتيال الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد وهو يتحدث عن ذلك فيقول: « جاء يوم الإضراب من أجل اغتيال الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد، وكان ذلك يوم الأحد، وفي يوم الإثنين ابتدأت الاعتقالات، فاعتقل الأخ المجاهد السيد الهاشمي الفيلالي ونظراؤه بـالدار البيضاء ثم توالت الاعتقالات في جميع نواحي المغرب …وفي صبيحة يوم الأربعاء، تهيأت لمثل ما أصاب الإخوان، وأنا موقن أنني أحدهم، وقديما قيل:
مـن حلـقـت لحـيـة جـار له فـليسكب الـماء عـلى لحيتـه
أصبحت أوصي من أريد توصيته على الأهل والصبيان الذين خلفتهم ورائي كزغب القطا، وقد كنت آخذ كراء الدار التي بنيتها في سيدي معروف كراء يقوم به أود العائلة، فذهبت بعد الغداء، فوصلت بين المكترين وبين من خلفته وصيا على الدار، ثم مررت بالدار، فلبست جبة غليظة ووضعت فوقي سلهاما غليظا، ودفعت للسيدة كناشة لا أريد أن أصاحبها معي وذلك من غير أن أقول لها شيئا على عادتي في مثل هذه المواقف، حفظا لها مما يحصل للعارف بالأمور من الهموم المخيمة من توقع الحوادث قبل وقوعها، ثم خرجت مع التلميذ النجيب سيدي أحمد المسفيوي… الذي ما كان يفارقني إذ ذاك، فيسايرني دائما حيث أذهب، فمررنا بزقاق فإذا بالجاسوس المسكيني …وكان يثافنني ويتحيا لي، فقال: إنني اليوم في رخصة، وليس عندي أدنى خبر عما يقع … ثم تجاوزناه، فصرت أثرثر بكل رباطة جأش مع صاحبي المسفيوي وأقول له: أرأيت أننا نعيش الآن في حوادث خطيرة سيكون لها فيما بعد اليوم صدى عميق في التاريخ، فربما تستدعى بعد ثلاثين سنة لتلقي محاضرة عما يقع الآن في هذا الطور الخطير الذي يمر به المغرب، فاستحضر أنك كنت مع المختار فشاهدت منه الممازحة وعدم المبالاة بما يموج حواليه، وقد استسلم لما يكون، حتى إن وجهه كما ترى ليقطر بشرا، فهكذا صرت أداعبه حتى وصلنا دار الأخ الأستاذ الحمداوي… فهناك فارقت صاحبي المسفيوي، فدخلت إلى الأستاذ الحمداوي وقد كنت زرته صباحا في مدرسته حيث أرسلت كلمة هاتفية إلى أخي عبد الرحمان بـمراكش ليحضر عند الأولاد في أول يوم يصدمون فيه بابتعاد والدهم تهدئة لهم، وعسى أن يروح عليهم ليهدأ الأهل قليلا، وإن كان في الله وحده كفاية أليس الله بكاف عبده ، ثم إننا أنا والأستاذ جلسنا نتساءل عما كنا نتوقعه معا، وقد قربت صلاة العصر، ونحن في إحدى غرف الدار العليا، وبين أيدينا صينية الأتاي، فإذا بجرس الباب يرن فأطل مطل فإذا بالبوليس، فحقت الحاقة، ونزل ما كان متوقعا، وما له من دافع » ([47])
هكذا قدر للمختار أن يعيش من جديد حياة الاعتقال، التي ابتدأت حوالي الساعة الثالثة بعد زوال يوم الأربعاء 22 ربيع الثاني 1372هـ/ 10 دجنبر1952م. لكن حياة اعتقاله في هذه المرة كانت حياة سارة بالنسبة إليه، لأنه قضى القسط الأوفر من مرحلة السجن رفقة أصدقائه وإخوته في الكفاح، عكس محنته في سنوات الثلاثين والأربعين التي قضاها في بادية سوس بعيدا عن الجو الذي ألفه منذ حلوله بفاس طلبا للعلم كما سبقت الإشارة إلى ذلك([48]). وقد صف المختار السوسي كيفية نقله إلى المعتقل بقوله:« بدأت السيارة تقطف بنا وأنا ألتفت إلى الأخ الحمداوي وأقول له: الحمد لله الذي هيأ لنا بفضله أن تسير فينا الحوادث كما تسير في المصلحين والأنبياء والساعين في المصلحة العامة، ثم ألقيت على لساني هذه الآية: ﴿ وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد)([49]).
ثم بعد تكلمنا قليلا التفت إلينا الحارسان الفرنسيان اللذان يركبان معنا فأمرانا بالصموت، وقد كنت أرى شبانا أقوياء كثيرين من الفرنسيين عند ركوبنا السيارة يموجون حولنا بكل قوة فقلت: هكذا كان شباب العرب حين كانوا يحتلون بلاد الفرس والروم والقبط في أول الاسلام، فهل نعيش حتى يسترجع العرب والمسلمون قوتهم فينشطون هذا النشاط بكل عزة وقوة؟ … ثم بعد نحو ثلث ساعة في مركز الرباط خرجوا بنا… فإذا بنا إلى مكناس …فدخلنا إلى محل وسط فيه كراسي من عود، فوجدنا الأخ أبا المزايا إبراهيم الكتاني والأخ السيد أحمد مكوار، والأستاذ سيدي محمد ملين….
مكثنا هناك في صموت إلا بعض الهمسات … وقد طلبنا ماء الشرب فلم نؤت به … وقد طلبنا القهوة والخبز وبعد أن وعدنا بهما كان الرفض هو الجواب الأخير .. .وفي نحو الثانية بعد منتصف الليل، أمرنا بالقيام فجمعنا اثنين اثنين في جامعة، يد هذا إلى هذا فكان من نصيبي شاب من مكناس ذكر لي أن اسمه (فضول) وأنه أخذ من القرويين، فركبنا ثلاث سيارات ونحن ثلاثة عشرة]…فطلع علينا الفجر قبل وصولنا إلى ميدلت … وأمامنا وخلفنا سيارات جيب فيها الحرس ومعهم آلات الاتصال مع المركز … ثم لما دخلنا قصر السوق وجدنا جدرانا حمراء، وجوا صافيا، وسماء زرقاء فعراني ابتهاج بهذا المنظر المبهج في هذا الفصل فتفاءلت خيرا، ثم لمحنا سيارات جيب كثيرة مصطفة في جانب المركز فلم ندر المقصود بها.
أمرنا بالنزول، ثم وقفنا صفا واحدا وقد بلغ بنا الإعياء والسغب والسهر مبلغا عظيما، ولم يطل بنا الوقت حتى استدعينا لنمثل أمام الجنرال الفرنسي رئيس ناحية تافيلالت، فاصطففنا أمامه، ونحن بجامعاتنا، فقال لنا كلاما لينا لطيفا محصله: … أن الحكومة لا تقصد تعذيب أحد منكم وإنما هذا السجن سياسي … فهكذا عرفنا إلى أين نحن سائرون، وكنا على بصيرة في مصيرنا، ثم خرجنا من عنده فأعطي كل واحد منا خبزة فرنجية مستطيلة … .بعدما استرحنا نحو نصف ساعة … وقف مناد ينادي: أين فلان؟. فيتقدم من ينادى باسمه لمن جاء يتسلمه من المكتب الذي سيذهب إليه، وهكذا، وحين نودي باسمي تقدمت فسلمني فسيان (ضابط صغير) جاء من مركز (تينجداد)، ثم ذهب بي إلى سيارة جيب من تلك السيارات المصطفة المذكورة، فوجدت في السيارة عونين بسلاحهما وهما مسلمان … فدخلنا المركز وقد حان وقت العصر.مثلت أمام الرئيس … فما عدا أن كتب حالتي المدني … ثم ذهب » ([50])
قضى المختار مدة تسع أشهر في معتقله بـتينجداد وحيدا و في هذا الاطار يقول: " عرف خلالها أصنافا شتى من المعاملات: فمن حرمانه من الخروج من " زنزانته "إلى تمتيعه بالحركة وبالشمس لمدة نصف ساعة فقط صبحا ومثلها مساء، إلى رفع المدة لساعتين أو ثلاث في اليوم. ومن حرمانه من المطالعة وحجز جميع كتبه إلى الترخيص له باستردادها، ومن مراقبة دقيقة لمشترياته ومصاريفه إلى تأمينه على دراهمه والترخيص له بصرفها كيف يشاء على يد عون معين، إلى غير ذلك من أنواع المعاملة "([51]).
ثم بعد ذلك نقل إلى معتقل " أغبالو نكردوس " حيث كان يوجد حوالي الخمسين من إخوانه المعتقلين الذين قضى معهم المدة المتراوحة ما بين يوم 27 ذي الحجة 1372هـ /07 شتنبر 1953م، ويوم الإفراج في 09 ذي القعدة 1373هـ /10 يوليوز 1954. وبهذا تكون المدة التي قضاها في معتقلي " تافيلالت " عاما وسبعة أشهر بالضبط. وقد كان ثاني معتقل ،وقد أفرج عنه بعد ابن كيران. ثم توالى إطلاق سراح الباقين([52]). وفي وصف كيفية تلقيه نبأ الإفراج عنه يقول: « أصبحت يوم الثلاثاء 27 شوال 1373هـ وهو ما يوافق 29 يوليوز 1954م،وقد راجعت فراشي على خلاف عادتي من هجر نوم الصباح. فقد كنت أقرأ من أحزابي إلى أن غلبت عليّ عيني عند الشروق، ثم لما قام رفقائي للفطور حاولوا مني أن أقوم، فأحسست بثقل في همتي أكثر مما أحس في جسدي، فلم أقم فظنوني قد ألم بي سقم أو غلب عليّ النوم، فصاروا يفطرون، وأنا أقرأ سورة النمل سرا، وكان ذلك عند السابعة، فإذا بأحمد بن قاسم الفـﮔـيـﮔ جاء يجري، فدخل البيت بسرعة وهو يناديني:قم يا سيدي البشرى، فإنك مسرح، فتثاقلت في قيامي كأن الأمر لا يهمني، أو كأني مريض حقيقة، والواقع أنني أحسست بصدمة في قلبي صدمة المباغتة غير المنتظرة … وجاء العريف المحمدي، فقال: إن المراقب أرسل لتجمع متاعك الآن »([53]).
ووصل العلامة سيدي محمد المختار السوسي إلى الدار البيضاء في صباح اليوم الموالي، إلأ أنه وضع تحت المراقبة في مركز الشرطة « لمدة عشرة أيام قبل إطلاق سراحه بصفة نهائية، ذلك أنه في الوقت الذي فيه بهذه المدينة اغتيل الدكتور " إيروا " مدير جريدة " لافيجي ماروكان " من قبل الفدائيين الشيء الذي كان له الأثر السيء على السلطات الفرنسية، خاصة وأن هذا الشخص كان من كبار رجال الاستعمار في المغرب »([54]). وهكذا عاد المختار السوسي إلى بيته في الدار البيضاء في الوقت الذي بدأت فيه بوادر انفراج الأزمة المغربية تلوح في الأفق « حيث أطلقت السلطات الفرنسية معظم المعتقلين السياسيين، ودخلت في مفاوضات تمهيدية مع زعماء مختلف الاتجاهات السياسية انتهت بعقد مؤتمر(إيكس ـ ليبان) في صيف 1375هـ/ 1955 وبعده ببضعة شهور عاد الملك محمد الخامس إلى أرض الوطن، ففتحت المفاوضات بين الحكومتين المغربية والفرنسية، انتهت بتوقيع معاهدة الاستقلال في 2 مارس 1956 »([55]). ولم يقم العلامة سيدي المختار السوسي خلال المدة المتراوحة ما بين إطلاق سراحه وعودة محمد الخامس، بنشاط هام سواء من الناحية السياسية أو التربوية، « نظرا للظروف التي كانت سائدة في جميع أنحاء الوطن، وخاصة بالنسبة إليه ولأمثاله من القادة السياسيين الذين سلطت عليهم الحراسة الظاهرة والسرية، والذين يستدعون للاستنطاق كلما حدث حادث، إذ كانوا في حكم المعتقلين … »([56])
5- الوظائف التي تقلدها ومقتطفات من تابينه:
لما أكرم الله تعالى على المغرب بالحصول على استقلاله، عُينَ في أول حكومة مغربية وطنية وزيرا للأوقاف العمومية سنة 1375هـ/1956م، و بقي في هذا المنصب 11 شهرا، و عين عضوا في لجنة مدونة الفقه الإسلامي([57]). و ساهم في تاسيس جمعية علماء سوس بتزنيت بعد عودته من المعتقل اذ نسق العمل مع أعضاء الجمعية، وحددت أهدافها، والبرنامج الاجتماعي والثقافي الذي يتحتم عليها إنجازه، وما أن عاد المغفور له السلطان محمد الخامس من المنفى حتى قدم إليه أعضاء الجمعية وذلك في جمادى الاولى 1375هـ/دجنبر 1955. وبذلك انطلقت في تنفيذ مشاريعها التي هيأتها من قبل .ولاتزال هذه الجمعية قائمة وفاعلة الى اليوم ([58]).و أشرف على بناء المعهد الإسلامي بمدينة في تارودانت .ولايزال هذا المعهد قائما الى اليوم ([59]) والذي قام جلالة المغفور له محمد الخامس([60]) على وضع حجره الاساس ([61]) والذي يعرف اليوم بثانوية محمد الخامس للتعليم الأصيل([62]). كما دعا لتأسيس لجنة لتدوين وفيات اعيان المغاربة في القرن 14هـ/ 20م، وحاول تاسيس جمعية للمؤرخين المغاربة ([63])،وندب حسب العلامة سيدي محمد المنوني لوضع بعض المؤلفات التاريخية ، وكثيرا ما كان يمد رحمه الله الخزانة العامة بالرباط بنوادر المخطوطات لتصويرها([64]).وكان عضوا في اللجنة العلمية التي حررت مدونة الأحوال الشخصية المغربية([65]). وكان قد أدى مناسك الحج لما عين عضوا في الوفد الرسمي المغربي لعام 1365هـ/ 1946م، كما كان رئيسا للجمعية التي سهرت على بناء مدارس ابن دغوغ بمراكش ([66])تحت موافقة جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه وطيب ثراه، كما كان محط اهتمام الباشا التهامي الكلاوي إلا أن الوشاة حالوا دون استمرار هذه العلاقة المتبادلة من احترام وتقدير ([67]). وفي سنة 1367هـ / (1947-1948م) زار تونس وعين عضوا في مجلس أحباس الحرمين الشريفين، وقد رفض البعض قيام المختار السوسي بهذه المهمة –أي الذهاب إلى تونس فتدخل آنذاك الملك و أعلن أمره وحسم في القضية وفي هذا الإطار يقول المختار السوسي: "والملك يلح حتى قال لهم :أنني لا أوافق على ذهاب الوفد إن لم يذهب فلان" ([68])، ويقصد طبعا المختار السوسي بكلمة "فلان"([69]).كما رفض تولي منصب القاضي الشرعي للقصور الملكية([70]).
&








